![]()
في قاموس العامية السودانية، بعض الكلمات لا تحتاج إلى شرح طويل… يكفي أن تُقال حتى يفهم أهلها الحكاية كاملة.
ومن هذه الكلمات: «الدَّلاها».
والدَّلاها، في الاستخدام الشعبي، ترتبط كثيرًا بصورة الشخص الذي يتحدث (( بثقة)) عن أشياء ويصنعها ويعتقد بأنها حقيقة، ويبدأ في نسج رواية من خياله، ثم شيئًا فشيئًا يصبح هو نفسه أول المصدقين لها.
وهنا تأتي العبارة السودانية الساخرة:
«لما تقع في يد عوير ودلاها… اعلم أن الحكاية ما بتنتهي!»
لأن المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان في المعلومة، فكلنا نخطئ.
المشكلة أن يتحول الخيال إلى حقيقة في ذهن صاحبه، ثم يحاول إقناع الآخرين بها، وكلما وجد من يستمع ويشاهد إليه، أضاف قصة جديدة، حتى تصبح الحكايات عنده تكرار ماسخ .
والأطرف أن «الدلاها» لا يكتفي بأن يحكي لك القصص…
بل يريد منك أن تصدقها كما صدقها هو!
وفي حكاياتنا ، يمكن أن تسمع عن شخص كان يصف أحد السلاطين بأنه «دلاها»، وأن السلطان أمضى سنوات يجمع حوله الأراجوزات، يرقصون ويتمايعون، في صورة يراها هو خروجًا عن كل ما هو جميل ومرتبط بالفن.
لكن هنا علينا أن نفرق بين النقد الفني وبين اختلاق السرد المعاش
الفن يمكن أن نختلف حوله.
والفنان يمكن أن ننتقده.
والعرض يمكن أن نصفه بأنه جميل أو ضعيف، راقٍ أو مبتذل.
لكن حين يتحول الاختلاف إلى قصص تخرج عن النص ، ثم تُروى وكأنها حقائق، فنحن لم نعد أمام نقد… بل أمام «دلاها».
هو فقط يعيش داخل الرواية التي صنعها بنفسه.
ليصدقها…
ثم يدافع عنها…
ثم يغضب إذا شككت فيها!
وهنا تصبح المسألة أكبر من كلمة عامية.
الدلاها تبدأ عندما يصبح الخيال أقوى من الحقيقة.