![]()
منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وعودة الحديث عن مسار دبلوماسي ينهي أشهرًا من الحرب، يتمحور جزء كبير من النقاش حول ما إذا كانت طهران حصلت على مكاسب تتجاوز الخطوط الحمر التي رسمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما كان قد اشترط في ذروة التصعيد “استسلامًا غير مشروط” لإيران.
غير أن قراءة أوسع للمشهد تكشف رابحًا آخر من هذه المواجهة، لم يطلق رصاصة واحدة ولم يظهر في واجهة الحرب: الصين.
فقد أدانت بكين، منذ البداية، الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واستنكرت اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي ومسؤولين كبار آخرين في الأيام الأولى للهجوم، وواصلت الدعوة إلى تسوية تفاوضية. ومع دخول واشنطن وطهران مرحلة سلام هش، يرى محللون أن الصين خرجت من الصراع بعدة مكاسب استراتيجية، وفق مجلة “نيوزويك” الأميركية.
قوة مستقرة في لحظة اضطراب
سعت الصين، طوال السنوات الماضية، إلى تقديم نفسها بوصفها قوة كبرى مسؤولة، تحترم السيادة، وتفضّل الحوار، وتتجنب المغامرات العسكرية خارج حدودها. وقد أتاحت الحرب على إيران لبكين فرصة إضافية لترسيخ هذه الرسالة.
أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثات متكررة مع دبلوماسيين إيرانيين خلال النزاع، فيما أعلنت بكين دعمها لجهود باكستان في الوساطة. كما أجرى نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي محادثات مع دبلوماسيين صينيين رفيعي المستوى في الأيام الأخيرة التي سبقت التوصل إلى إطار وقف إطلاق النار.
وعقب توقيع المذكرة، شكر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الصين علنًا على ما وصفه بدورها البناء في الدفع نحو المفاوضات.
في المقابل، حرص المسؤولون الصينيون على إبراز التناقض بين هذا التحرك الدبلوماسي وبين ما يصفونه بحملة عسكرية أميركية إسرائيلية متهورة، دفعت أسواق الطاقة إلى اضطراب شديد ووضعت المنطقة على حافة حرب أوسع.
وتنقل “نيوزويك” عن هنري وانغ، رئيس مركز الصين والعولمة في بكين، قوله إن الهجمات الأميركية على إيران، بالتعاون مع إسرائيل، قدمت “مثالًا سيئًا غير مسبوق“، وقوّضت عقودًا من النظام العالمي.
يخاطب هذا الخطاب، بصورة خاصة، دول الجنوب العالمي، حيث نظرت حكومات عديدة إلى الحرب بعين الريبة، وحيث أمضت بكين سنوات طويلة في توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.
كما أدت الحرب إلى زيادة التوتر بين واشنطن وعدد من حلفائها في أوروبا ومنطقة الخليج. فقد بدا الدعم بين شركاء الولايات المتحدة متفاوتًا طوال فترة النزاع؛ فالحكومات الأوروبية، التي كانت تعاني أصلًا من خلافات تجارية وتعريفات جمركية مع واشنطن، أبدت ترددًا في الانخراط العميق، في حين شكك حلفاء آخرون في جوانب الحملة العسكرية وتداعياتها الاقتصادية.
وكتب ريان هاس، مدير مركز الصين في معهد “بروكينغز”، في تحليل نُشر في يونيو/ حزيران، أن الخلافات العلنية بين واشنطن وشركائها بشأن شرعية الحرب وتنفيذها وتداعياتها كشفت انقسامات قد تتفاقم لاحقًا في ملفات أخرى. وبالنسبة للصين، فإن هذه الانقسامات توفر لها قدرًا من الراحة الاستراتيجية.
مكاسب دعائية غير متوقعة
وفّرت الحرب لبكين مادة جديدة لرسالة لطالما وجهتها إلى جمهورها وإلى دول آسيوية عدة: الولايات المتحدة شريك غير موثوق، يزداد تقلبًا ويصعب التنبؤ بخياراته.
وتنقل “نيوزويك” عن كوري شاك، الباحثة الرئيسية ومديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في معهد “أميركان إنتربرايز“، قولها إن العالم يشهد الآن نتائج الضرر الذي ألحقته تصريحات ترمب وسياساته بصورة الولايات المتحدة، إذ تمتنع دول غاضبة عن تقديم الدعم لأن الخيارات الأميركية تفرض عليها تكاليف ومخاطر لا تريد تحملها.
وتضيف شاك أن واشنطن تبدو، في نظر كثيرين، قاسية مثل الصين، لكنها أقل قابلية للتنبؤ وأقل كفاءة استراتيجية.
من جهته، كتب هاس أن الصين ستجد في التجربة الإيرانية فرصة لتذكير الآخرين بصعوبات الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، حتى عندما تمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا.
بالنسبة للمسؤولين الصينيين، يوفر الصراع مادة جاهزة للنقاش. فإذا كانت الولايات المتحدة قد عجزت عن فرض نتيجة حاسمة وسريعة ضد قوة إقليمية مثل إيران، تستطيع بكين أن تطرح سؤالًا أكثر حساسية:
هل ستكون واشنطن مستعدة، أو قادرة، على خوض صراع أوسع قرب السواحل الصينية؟
تايوان في خلفية الرسالة الصينية
تعزز الحرب كذلك الحجج الصينية القائلة إن التدخلات العسكرية الأميركية غالبًا ما تخلّف وراءها عدم استقرار طويل الأمد، وتفرض أكلافًا على حلفاء لم يكن لهم رأي حاسم في القرار.
يكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في ملف تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها وتتعهد بضمها إليها، بالقوة إن لزم الأمر.
ففي السنوات الأخيرة، لم تكتفِ الصين بتصعيد الضغط العسكري على تايوان، إنما شنت أيضًا حملة دعائية تهدف إلى إضعاف معنويات المجتمع التايواني وإقناعه بأن الرهان على واشنطن قد لا يكون مضمون النتائج.
من هذه الزاوية، تتحول الحرب على إيران إلى مثال إضافي تستخدمه بكين في خطابها: الولايات المتحدة قد تدفع حلفاءها إلى المخاطرة، لكنها لا تضمن بالضرورة نهاية واضحة ولا كلفة محدودة.
الصين ودبلوماسية الطاقة
اختبرت الحرب في الشرق الأوسط قطاع الطاقة، وهو أحد أكبر مصادر الضعف في الاقتصاد الصيني.
تستورد الصين نحو نصف نفطها الخام وقرابة ثلث غازها الطبيعي المسال من الشرق الأوسط. ومع تعطل الحركة في مضيق هرمز وتراجع الملاحة البحرية خلال فترات التصعيد، حذر محللون من أن بكين قد تواجه اضطرابًا اقتصاديًا حادًا.
تراجعت واردات النفط الخام من المنطقة خلال النزاع، وبلغت في بعض الفترات مستويات متدنية مقارنة بالسنوات السابقة. مع ذلك، تمكنت الصين من تخفيف حدة الصدمة بفضل احتياطاتها النفطية الكبيرة، وخفض إنتاجية بعض مصافيها، وجهودها المستمرة منذ سنوات لتنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وبينما اضطرت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى التعامل مع ضغوط أكبر على احتياطاتها الطارئة، بدت بكين أقل حاجة إلى خطوات جذرية، ونجحت إلى حد كبير في امتصاص صدمة أسواق الطاقة.
أتاحت هذه المرونة للصين هامشًا لممارسة دبلوماسية الطاقة في لحظة كانت فيها دول أخرى تسارع لتأمين إمداداتها. فقد زادت مصافي التكرير الصينية صادراتها من بعض المنتجات، بينها وقود الطائرات والديزل، إلى أسواق إقليمية تعاني من ضغوط في الطاقة، بما في ذلك دول حليفة للولايات المتحدة مثل الفلبين.
ويرى محللون أن الأزمة منحت بكين فرصة لبناء علاقات إضافية وتوسيع نفوذها، في وقت كانت فيه حكومات عديدة تبحث عن موردين موثوقين.
فرصة لقطاع الطاقة النظيفة
أظهرت الأزمة أيضًا جانبًا آخر من استراتيجية الصين، يتعلق باستثماراتها الواسعة في السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة.
فارتفاع أسعار النفط وتحول أسواق الطاقة إلى مصدر قلق عالمي عززا جدوى الانتقال إلى الكهرباء في نظر حكومات ومستهلكين كثيرين. وقد استفادت الشركات الصينية من هذا التحول، خصوصًا أنها تملك موقعًا متقدمًا في أسواق السيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل توريد الطاقة الشمسية.
لم يكن ذلك مكسبًا اقتصاديًا فقط، بل تحول أيضًا إلى رسالة سياسية: الصين لا تكتفي بإدارة صدمات الطاقة التقليدية، بل تقدم نفسها كقوة تقود بدائل الطاقة في عالم أكثر اضطرابًا.
واشنطن تدفع الكلفة..
وبكين تحصد الثمار
في نهاية المطاف، يتجاوز الاتفاق الأميركي الإيراني حدود الشرق الأوسط، ليرخي بظلاله على التوازنات الدولية الكبرى.
خرجت الصين من الصراع بأوراق ضغط سياسية ودعائية ثمينة. فقد حوّلت أزمة مضيق هرمز إلى اختبار لقدرتها على امتصاص صدمات الطاقة، واستخدمت تعثر الحسم الأميركي في إيران لتعزيز رسائلها بشأن تايوان، ووجدت في انقسامات واشنطن مع بعض شركائها دليلًا إضافيًا على تراجع القدرة الأميركية على قيادة تحالف موحد في لحظة أزمة.
ومع بدء مسار السلام الهش، تبدو الولايات المتحدة وكأنها أدارت حربًا دفعت ثمنها السياسي والدبلوماسي من رصيدها الدولي، فيما حصدت بكين مكاسب قد لا تظهر دفعة واحدة، لكنها قد تدوم لسنوات.
