![]()
منذ قصف هيروشيما وناغازاكي عام 1945، لم يُستخدم سلاح نووي مرة أخرى في نزاع مسلح.
يرى أنصار الردع في هذه الحقيقة أحد أقوى الأدلة على نجاحه: عندما أصبحت القوى الكبرى قادرة على تدمير بعضها، تحولت الحرب المباشرة بينها من وسيلة سياسية شديدة الكلفة إلى مخاطرة يمكن أن تنتهي بكارثة لا يربحها أحد.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المقابل إلى العدد الكبير من الحالات التي اقترب فيها الاستخدام النووي بسبب خطأ أو سوء تقدير أو حادث.
المفارقة ما زالت تحكم العالم بعد أكثر من ثمانية عقود على أول انفجار ذري.
ففي مطلع عام 2026، قدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (“سيبري“) أن الدول التسع المسلحة نوويًا تمتلك نحو 12,187 رأسًا نوويًا، بينها نحو 4,012 رأسًا منشورة مع قوات تشغيلية. وكان ما بين 2,100 و2,200 رأس في حالة تأهب تشغيلي مرتفع على صواريخ باليستية، معظمها أميركية وروسية.
بهذا المعنى، لا يحتمي العالم من القنبلة بإخفائها، وإنما بمنظومة تجعل كل طرف يعتقد أن استخدامها أولًا لن ينقذه من الرد.
كيف يعمل الردع النووي؟
تبدأ الفكرة من حساب بسيط: إذا عرف الطرف المهاجم أن ضرب خصمه سيؤدي إلى رد يلحق به خسائر لا يستطيع تحملها، تصبح فائدة الهجوم أقل من كلفته المتوقعة.
لكن امتلاك رؤوس نووية لا يصنع ردعًا موثوقًا وحده.
تحتاج الدولة إلى أن تقنع الخصم بأن جزءًا كافيًا من قوتها سيبقى قادرًا على العمل حتى بعد تعرضها لضربة مفاجئة.
هنا يظهر مفهوم “قدرة الضربة الثانية”.
تعني الضربة الثانية احتفاظ الدولة بقدرة مؤكدة على الرد بعد تلقي ضربة نووية أولى. ولهذا توزّع الترسانات بين صوامع محصنة، وقاذفات استراتيجية، وغواصات نووية يصعب تعقبها. وتصف وزارة الدفاع الأميركية مثلًا الغواصات الباليستية بأنها عنصر أساسي في ضمان بقاء قدرة الرد حتى بعد مهاجمة القوات الموجودة على البر أو في الجو.
إذا اعتقد الخصم أنه يستطيع تدمير كامل القدرة النووية بضربة أولى، فقد ينشأ حافز لضربها في لحظة أزمة. أما وجود قوة قادرة على النجاة والرد فيقلل الجدوى العسكرية للهجوم الأول.
من هذه الفكرة خرجت أشهر صور التوازن النووي في الحرب الباردة: لا يستطيع طرف ضمان القضاء على خصمه من دون أن يتعرض هو نفسه لضربة مدمرة. واختُصر هذا الوضع لاحقًا في تعبير “الدمار المتبادل المؤكد“، مع أن السياسات النووية الفعلية كانت دائمًا أكثر تعقيدًا من هذه العبارة.
تحتاج المعادلة أيضًا إلى عنصر غير مادي: الصدقية. فالخصم يجب أن يعرف أن القدرة على الرد موجودة، وأن يعتقد أن استخدامها ممكن فعلًا إذا تجاوز حدودًا معينة.
لهذا يعرّف حلف شمال الأطلسي هدف قدرته النووية اليوم بأنه “حفظ السلام ومنع الإكراه وردع العدوان”، ويؤكد أن صدقية القوة النووية جزء أساسي من الردع.
تكمن المفارقة هنا: السلاح الذي لا يراد استخدامه يحتاج، كي يردع، إلى خصم يصدق أن استخدامه ليس مستحيلًا.
هل منعت القنبلة الحرب فعلًا؟
يبدو سجل ما بعد 1945 جذابًا لأنصار الردع.
لم تقع حرب عالمية ثالثة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولا بين الولايات المتحدة وروسيا بعد ذلك، ولم تُطلق دولة سلاحًا نوويًا في الحرب منذ ناغازاكي.
مع ذلك، يصعب تحويل هذه النتيجة إلى برهان نهائي.
لا توجد نسخة أخرى من التاريخ يمكن اختبارها لمعرفة ما إذا كانت القوى الكبرى ستتجنب الحرب أيضًا من دون الأسلحة النووية. كما أنّ عوامل أخرى أسهمت في الاستقرار النسبي، بينها التحالفات والاقتصاد والدبلوماسية وذاكرة الحربين العالميتين.
في المقابل، لم يمنع الردع الحروب بالمطلق.
خاضت دول مسلحة نوويًا نزاعات واسعة، واندلعت مواجهات عسكرية بين قوى نووية.
وقد وصف “سيبري” القتال بين الهند وباكستان في 2025 بأنه أحد التطورات التي أعادت اختبار منطق الردع نفسه.
لهذا يظل الاستنتاج الأدق محدودًا:
الردع لم يتعرض حتى الآن لفشل نهائي أدى إلى حرب نووية.
أما تفسير سبب ذلك، فهو جوهر الخلاف.
عندما رأى النظام صواريخ لم تكن موجودة
في ليلة 26 سبتمبر/ أيلول 1983، كان المقدم السوفيتي ستانيسلاف بيتروف مناوبًا في مركز للإنذار المبكر عندما أبلغ النظام عن إطلاق صاروخ باليستي أميركي نحو الاتحاد السوفيتي. ظهرت لاحقًا إشارات إلى صواريخ أخرى، حتى أصبح العدد خمسة.
كان التوتر بين موسكو وواشنطن مرتفعًا بشدة. وقبل أسابيع فقط، أسقط الاتحاد السوفيتي طائرة الركاب الكورية الجنوبية KAL 007، وقتل 269 شخصًا كانوا على متنها.
لكن بيتروف شك في الإنذار.
فإذا كانت الولايات المتحدة ستبدأ حربًا نووية، رأى أن هجومًا بخمسة صواريخ فقط لا يبدو منطقيًا. لم تكن بيانات الرادار الأرضية قد أكدت الهجوم أيضًا، فتعامل مع الإشارة على أنها إنذار كاذب.
كان محقًا.
خلص التحقيق لاحقًا إلى أن أقمار الإنذار السوفيتية أخطأت في تفسير انعكاس أشعة الشمس على السحب على أنه إطلاق صواريخ. وتوثق جمعية الحد من الأسلحة الحادثة بوصفها واحدًا من أشهر أمثلة هشاشة منظومات الإنذار أمام الخطأ التقني والحكم البشري.
أهمية قصة بيتروف لا تكمن في صناعة بطل أسطوري “أنقذ العالم” وحده. الأهم أن نظامًا أُنشئ لمنع هجوم مفاجئ استطاع في الوقت نفسه توليد صورة لهجوم لم يحدث.
مثل هذه الإنذارات لم تقتصر على الاتحاد السوفيتي.
ففي الولايات المتحدة، تسببت أخطاء تقنية وتدريبية خلال الحرب الباردة في ظهور هجمات سوفيتية وهمية على شاشات الإنذار، ووضعت قوات في حالات استعداد متزايدة قبل التأكد من عدم وجود صواريخ حقيقية.
وتصف دراسات أنظمة القيادة النووية إجراءات التحقق المتعدد التي طُورت لمنع مصدر واحد أو جهاز واحد من دفع عملية القرار نحو الرد.
هنا تتحول التكنولوجيا المصممة لتعزيز الردع إلى جزء من مخاطره:
تحت البحر.. أزمة كوبا التي لم يرها أحد
جاء أحد أخطر الأمثلة قبل حادثة بيتروف بأكثر من عشرين عامًا.
خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، أرسل الاتحاد السوفيتي أربع غواصات من فئة “فوكستروت” إلى المنطقة، وكانت كل واحدة منها تحمل طوربيدًا مزودًا برأس نووي.
لم تكن القوات الأميركية التي تلاحق الغواصات تعرف أنها تحمل سلاحًا نوويًا.
في 27 أكتوبر/ تشرين الأول، حاصرت سفن أميركية الغواصة B-59 واستخدمت وسائل لإجبارها على الصعود إلى السطح. داخل الغواصة كانت الاتصالات محدودة، والحرارة مرتفعة، والطاقم لا يملك صورة كاملة لما يحدث في الخارج.
تظهر الشهادات والوثائق التي جمعها الأرشيف الأميركي للأمن القومي أن قائد الغواصة فالنتين سافيتسكي اعتقد في لحظة من الأزمة أنه يتعرض لهجوم وأن الحرب ربما بدأت، وأمر بالاستعداد للغوص وتجهيز الطوربيد النووي.
كان فاسيلي أرخيبوف، رئيس أركان لواء الغواصات والموجود على متن B-59، يرى الإشارات الأميركية من برج الغواصة واستنتج أنها محاولة اتصال وضغط لا بداية هجوم. ساعد تدخله في تهدئة القائد، ولم يصل أمر استخدام الطوربيد إلى الضابط المسؤول عنه. انتهى الموقف من دون إطلاقه.
هذه الصيغة أكثر دقة من الرواية الشعبية التي تختصر الحادثة في تصويت ثلاثة ضباط وصوت واحد “أنقذ العالم”. الوثائق المنشورة توضح أن تفاصيل اللحظة كانت أكثر تعقيدًا، لكنها تؤكد أن الغواصة اقتربت من قرار نووي في ظروف معلومات ناقصة وضغط هائل.
عندما يبدو التدريب كأنه بداية حرب
لا يحتاج خطر التصعيد إلى عطل تقني أو قائد معزول تحت البحر. أحيانًا تكفي إشارة يفهمها الطرف الآخر بطريقة مختلفة.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 1983، نفذ حلف شمال الأطلسي مناورة Able Archer 83، وهي تدريب دوري على إجراءات القيادة والانتقال في سيناريو عسكري إلى مراحل مرتبطة بالاستخدام النووي.
جاءت المناورة وسط توتر استثنائي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، واختلفت بعض إجراءاتها واتصالاتها عن تدريبات سابقة. وتظهر وثائق استخباراتية رفعت عنها السرية أن القيادة السوفيتية أولت التدريبات اهتمامًا غير عادي وخشيت من احتمال أن تخفي تحركًا حقيقيًا.
المشكلة كانت في المسافة بين نية المرسل وقراءة المتلقي.
هذه المسافة نفسها جزء أساسي من الردع.
فالاستراتيجية تنجح عندما يفهم الخصم الرسالة كما أراد مرسلها تقريبًا،
لكنها تصبح أكثر خطورة حين يُقرأ التدريب كاستعداد للهجوم، أو تُفسر حركة دفاعية بوصفها خطوة هجومية.
أين يمكن أن يفشل الردع؟
غالبًا ما تُشرح نظرية الردع باعتبارها مسألة عقلانية: طرف يحسب الفائدة والكلفة ويقرر أن الهجوم لا يستحق النتيجة.
لكن الدول لا تتخذ القرارات داخل معادلات رياضية معقمة.
القرار يمر عبر أجهزة إنذار وقادة عسكريين ومستشارين وسياسيين واتصالات قد تتعرض للتشويش أو الانقطاع. يدخل في الحساب أيضًا الخوف وضيق الوقت والمعلومات غير المكتملة وطريقة تفسير نيات الخصم.
لهذا تحدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر مجموعة من مصادر الخطر تشمل الخطأ البشري، والأعطال التقنية، والهجمات السيبرانية، ومستويات التأهب المرتفعة، وسوء الفهم والتقدير. كما تحذر من أن دمج تقنيات رقمية جديدة في القيادة والسيطرة قد يزيد تعقيد القرار ويخلق مصادر جديدة للخطأ.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة أخرى إلى السؤال. فقد يساعد في تحليل عدد هائل من الإشارات بسرعة، لكنه يطرح أيضًا مشكلة الثقة في أنظمة تتعلم من بيانات لا تتضمن شيئًا شبيهًا بحرب نووية فعلية.
لا توجد قاعدة بيانات لحروب نووية سابقة يمكن تدريب خوارزمية عليها كي تميّز بثقة كاملة بين هجوم حقيقي وسلسلة إشارات غير مألوفة.
لماذا تبقى آلاف الرؤوس في حالة تأهب؟
ترتبط إحدى أكثر مشكلات الردع حساسية بمستوى جاهزية الأسلحة.
تخشى الدولة التي تعتمد على صواريخ ثابتة من أن يدمرها الخصم قبل استخدامها. لهذا تبقى بعض القوات في وضع يسمح برد سريع بعد تلقي إنذار بوجود هجوم.
المكسب واضح: الخصم لا يستطيع الاطمئنان إلى أن الضربة الأولى ستقضي على القدرة على الرد.
الخطر واضح أيضًا: كلما تقلص الوقت الفاصل بين الإنذار والقرار، أصبحت فرصة التحقق من الخطأ أضيق.
من هنا يأتي الجدل حول ما يسمى “الإطلاق عند الإنذار”، أي الاحتفاظ بإمكان إطلاق الصواريخ بعد تلقي مؤشرات على هجوم وقبل وصول الرؤوس المعادية إلى أهدافها.
وقد حذرت دراسات تاريخية من أن إبقاء الأسلحة في استعداد يسمح بإطلاقها خلال دقائق يفاقم مخاطر الإنذار الخاطئ أو الاستخدام غير المقصود.
الردع في عالم أكثر تعقيدًا
أصبح السؤال أشد إلحاحًا لأن البيئة النووية نفسها تتغير.
وفق “سيبري“، واصلت الدول التسع المسلحة نوويًا تحديث ترساناتها خلال 2025، ونشرت دول عدة أسلحة أو منظومات جديدة قادرة على حمل رؤوس نووية. في الوقت نفسه، يرى المعهد أن انهيار أدوات الحد من التسلح، والتقدم التقني، وارتفاع التوترات الجيوسياسية تزيد المخاطر النووية.
كما أصبحت المعادلة أقل اختزالًا في خصمين فقط. يتوسع البرنامج النووي الصيني، فيما تمتلك الهند وباكستان ترسانتين متقابلتين، وتدخل قوى أخرى في منظومات ردع إقليمية وتحالفات نووية.
انتهت أيضًا في فبراير/ شباط 2026 معاهدة “نيو ستارت“، آخر اتفاق يفرض سقوفًا ملزمة على الأسلحة النووية الاستراتيجية المنشورة لدى الولايات المتحدة وروسيا. وكان الاتفاق يحد كل طرف بـ1550 رأسًا استراتيجيًا منشورًا و700 وسيلة إطلاق منشورة، إلى جانب آليات للتبادل والشفافية والتحقق.
هل تحمي القنبلة العالم أم تهدده؟
يحمل السجل النووي حجتين تبدوان متناقضتين.
لا ينفي نجاح الردع حتى الآن وجود هذه المخاطر، كما أن وجود المخاطر لا يثبت أن الردع لم يسهم في منع حروب.
بعد ثمانية عقود من هيروشيما، لم تعد القضية سؤالًا عن قوة القنبلة وحدها، وإنما عن النظام السياسي والعسكري والتقني الذي يبني أمنه على إمكانية استخدامها.
فالردع يعد بالأمن عبر جعل الحرب النووية غير قابلة للربح. لكنه يفعل ذلك بإبقاء القدرة على إشعال تلك الحرب موجودة وجاهزة وذات صدقية.
لهذا لا تحل القنبلة المفارقة التي صنعتها. إنها تحاول منع الكارثة عبر إبقاء الكارثة نفسها ممكنة.
اقرأ أيضًا من ملف العصر النووي
المصادر والمراجع المعتمدة
SIPRI – Yearbook 2026 / World Nuclear Forces: الأرقام الأحدث للترسانات، الرؤوس المنشورة، وحالة التأهب وتحديث الترسانات –
SIPRI – Increasing focus on nuclear weapons amid heightened escalation risks
NATO – Nuclear Deterrence Policy and Forces، تحديث مايو 2026: لصياغة الحجة الرسمية المؤيدة للردع ووظيفته السياسية.
NATO’s nuclear deterrence policy and forces
U.S. Department of Defense
لشرح مفهوم الضربة الثانية ودور الغواصات في ضمان القدرة على الرد.
U.S. Needs Sea-Based Nuclear Capability to Ensure Second-Strike Capability
Arms Control Association
لتوثيق إنذار 26 سبتمبر/ أيلول 1983 ودور ستانيسلاف بيتروف.
The Man Who “Saved the World” Dies at 77
National Security Archive – George Washington University
المصدر الأساسي لقصة الغواصة B-59، مع الوثائق والشهادات التي تسمح بتجنب الرواية المبسطة للحادثة.
The Underwater Cuban Missile Crisis at 60
National Security Archive – Able Archer 83
لوثائق المناورة وكيف قرأتها الاستخبارات السوفيتية.
British Intelligence Remaining in the FRUS Discussion of Able Archer 83
International Committee of the Red Cross – ICRC
للمخاطر المرتبطة بالأخطاء البشرية والتقنية، التأهب، والأنظمة الرقمية والسيبرانية.
Humanitarian impacts and risks of use of nuclear weapons
Council on Foreign Relations – 2026
لانتهاء معاهدة “نيو ستارت” وتداعيات غياب القيود الثنائية الأميركية الروسية.
Nukes Without Limits? A New Era After the End of New START
