السودان بين الحرب والحوار.. هل ينجح المسار السياسي في إنهاء القتال؟

السودان بين الحرب والحوار.. هل ينجح المسار السياسي في إنهاء القتال؟

Loading

يدخل الصراع في السودان عامه الرابع، في ظل انغلاق الأفق السياسي واستمرار تعثر الحل العسكري، رغم التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني على عدد من المحاور، ولا سيما في كردفان والنيل الأزرق.

وفي محاولة لتحريك المسار السياسي، أعلنت لجنة تحمل اسم “تهيئة الحوار السوداني السوداني” بدء عملها، وسط تعهد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بدعم اللجنة والحوار، مع التأكيد على عدم التدخل في قراراتها. لكن البرهان يتمسك في الوقت نفسه بخيار الحسم العسكري.

وفي المقابل، تواصل قوات الدعم السريع التركيز على الخيار العسكري، إلى جانب العمل على هياكل ومسارات سياسية خاصة بها.

“تهيئة الحوار السوداني السوداني”

وتقول اللجنة إن الحوار السياسي سيقتصر على القوى السياسية والمجتمعية، بينما سيكون المسار العسكري منفصلًا عنه.

فكيف يمكن أن يتقاطع المساران؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى السياسية والمدنية في الدفع نحو حوار سوداني شامل، يضع أسسًا لسلام مستدام ويحول دون العودة إلى الحرب؟

ويبدو أمام السودان معادلة شديدة التعقيد، تقوم على مسارين متوازيين: مسار عسكري يفترض أن يقود في نهاية المطاف إلى وقف إطلاق النار، ومسار سياسي يسعى إلى تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى السلام.

لكن الفصل بين المسارين يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الحوار السياسي على تحقيق نتائج فعلية في ظل استمرار العمليات العسكرية، وحول العقبات التي يمكن أن تعترض جهود القوى المدنية والسياسية في بناء أرضية مشتركة للحوار.

كما يبرز سؤال آخر يتعلق بقدرة الأطراف السودانية على إدارة حوار داخلي بمعزل عن التأثيرات الخارجية، في ظل تعدد الأدوار الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب وتداعياتها.

“المبادرة الميدانية بيد القوات المسلحة”

وفي هذا الإطار، أكد الصحفي والمحلل السياسي مأمون عثمان أن الكفة الميدانية باتت تميل لصالح الجيش السوداني، منذ انسحاب قوات الدعم السريع من ولايات الخرطوم وسنار والجزيرة، حيث توالت انتصارات القوات المسلحة وسيطرتها على مساحات واسعة.

وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل أن الجيش يمسك بزمام المبادرة خصوصًا في شمال كردفان بمناطق دار الريح، إضافة إلى تقدمه في غرب دارفور وسيطرته على منطقة المثلث وعدد كبير من مناطق دار زغاوة ومحور غرب بارا.

وأشار عثمان إلى أن القوات المسلحة تمتلك الآن قوة هجومية كبيرة، فيما تعيش قوات الدعم السريع أسوأ حالاتها بعد سلسلة من الانشقاقات، وتراجع قدراتها اللوجستية والعسكرية، خاصة مع سقوط مطار نيالا تحت مرمى نيران الجيش وتقلص الدعم الخارجي بفعل التفوق الجوي للطيران الحربي والمسيّر.

وأضاف أن الموقف الرسمي واضح: “من يأتي مستسلمًا أو مسالمًا مرحب به، أما من يحمل السلاح أو يفرض حلولًا من الخارج فلن يُقبل”، مؤكدًا أن الحلول يجب أن تُصاغ داخل السودان عبر الحوار الوطني.

وفي ما يتعلق بتصريحات البرهان، أوضح عثمان أن الحوار ليس مع الدعم السريع، بل مع القوى السياسية الوطنية التي وضعت مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.

واعتبر أن التجارب السودانية السابقة تثبت قدرة السودانيين على التوصل إلى توافق سياسي شامل يفتح الطريق أمام وحدة الصف ودفع البلاد إلى الأمام.

“الحرب مستمرة والتحالف في أقوى مراحله”

من جهته، قال حسب النبي محمود، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية، إن ما يُقال عن تراجع قوات الدعم السريع وانحسارها على الجبهات غير صحيح، موضحًا أن القوات التي تخوض المعارك حاليًا هي قوات “التحالف السوداني التأسيسي” وحكومة السلام.

وفي حديث للتلفزيون العربي من باريس، أكد أن التحالف يعيش أقوى مراحله في تاريخ العمل السياسي والثوري بالسودان، مشيرًا إلى أن الدعم السريع ورفاقه في التحالف حققوا انتصارات كبيرة. لكنه شدّد على أن استمرار الحرب بهذا الشكل أمر غير مقبول، نظرًا لما يسببه من معاناة واسعة للسودانيين، مضيفًا أن التحالف يخوض هذه المعركة مكرهًا.

وأوضح محمود أن الدعم السريع انحاز إلى الثورة السودانية وأصبح يقاتل إلى جانب الشعب، معتبرًا أن الموقف الحالي في الميدان يصب في صالح التحالف والشعب السوداني.

وبشأن تصريحات البرهان حول الحوار، قال إن الأخير لا يتحاور مع الشعب أو القوى السياسية الديمقراطية، بل مع “معسكر الحرب”.

“المسار السياسي منفصل عن المعارك”

من جانبه، أوضح عثمان ميرغني، عضو لجنة تهيئة الحوار السوداني، أن المسار العسكري لا يرتبط بالحوار السياسي ولا بالعملية السياسية عمومًا، مشددًا على أن تطورات الميدان، مهما كانت، لا تؤثر على جوهر الحوار السوداني الذي يتناول قضايا المجتمع المدني بعيدًا عن الجيش والدعم السريع.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من أم درمان، أشار إلى أن الوضع العسكري يتغير بين التقدم والتراجع وفق الحسابات الميدانية، لكنه لا ينعكس على مسار التسوية السياسية.

وأضاف أن الحوار السياسي هو الذي يمكن أن ينهي الحرب، لأن الخلافات السياسية هي التي أشعلتها في الأساس، وإذا تم التوافق بين القوى السياسية فذلك يمهد لإلقاء السلاح وإنهاء القتال.

وأكد ميرغني أن أي طرف من التحالف السوداني التأسيسي مرحب به إذا قرر المشاركة في الحوار بصفته الفردية، لكن ليس تحت لافتة قد تهدد وحدة السودان، موضحًا أن الوحدة الوطنية ثابت أساسي لا يقبل النقاش أو التنازل.

وأضاف أن المجتمع الدولي لم يعترف بأي حكومة موازية في غرب السودان، وبالتالي لا يمكن القبول بأي طرح سياسي يهدد وحدة البلاد.

وختم بالتأكيد على أن المطلوب الآن هو حوار جامع يشمل جميع السودانيين، لكن وفق ثوابت واضحة، أبرزها الحفاظ على وحدة السودان باعتبارها خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

“استبعاد الدعم السريع يحد من فرص الحل”

بدوره، قال الباحث السياسي فايز السليك إن الحوار السوداني – السوداني الذي أعلن عنه البرهان أو اللجنة المكلّفة بتهيئته لا يُتوقع أن يفضي إلى نتائج إيجابية، لغياب الرغبة الجادة لدى الأطراف كافة في الحل السياسي، إضافة إلى العقلية الإقصائية السائدة داخل القوى السياسية السودانية.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من نيويورك، أوضح أن هذا الحوار أشبه بـ”طريق باتجاه واحد”، إذ إن اللجنة التي شكّلها البرهان تهدف أساسًا إلى شرعنة الأمر الواقع ومنحه فرصة لمواصلة الحرب أو الحكم سواء انتصر عسكريًا أم لا، حسب قوله.

وأكد أن انعقاد الاجتماعات في الخرطوم تحت إشراف البرهان، وتمويل اللجنة وترتيباتها، يجعل من الصعب أن يكون الحوار موضوعيًا ومستقلًا.

وأضاف السليك أن أي حوار جاد يجب أن يشمل جميع القوى، بما فيها قوات الدعم السريع، لأنها طرف رئيسي في الحرب. ورأى أن استبعادها يعني عمليًا عدم السعي لوقف القتال، مشددًا على أن الحل الحقيقي يكمن في جلوس الجيش والدعم السريع وجهًا لوجه، وإلا فإن الحرب ستستمر بغض النظر عن نتائجها.