السودان.. لا سلام بلا حوار ولا استقرار بلا اختفاء البندقية

السودان.. لا سلام بلا حوار ولا استقرار بلا اختفاء البندقية

Loading

لم يعد أمام السودان متسع لمزيد من الحروب، ولا أمام شعبه المنهك قدرة على احتمال فصول جديدة من الموت والنزوح والضياع. فقد طال أمد المأساة، واتسعت دوائر الخراب، وتبددت أحلام الملايين بين ركام المدن ومخيمات النزوح ومنافي اللجوء. وأمام هذا المشهد المؤلم، تبرز الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع: لا سلام بلا حوار، ولا استقرار مع بقاء البندقية سيدة الموقف، ولا وطن يمكن استعادته وسط صراع تتقدم فيه الأطماع على المصالح العليا للشعب.

السودان، بتاريخـه العريق وشعبه الأبي وثرواته الواعدة، أكبر من أن يُختزل في خلافات السياسيين، وأعظم من أن يُترك رهينة لحسابات المتنافسين على السلطة والنفوذ. فالأوطان لا تُبنى بإطالة الحروب، ولا تُستعاد بتوسيع ساحات القتال، وإنما تُصان بالحكمة، وتُحمى بالتوافق، وتنهض بإرادة وطنية تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

العودة إلى الحكمة شجاعة وليست تراجعاً. فالقادة الذين يدركون خطورة اللحظة التاريخية هم الذين يمتلكون القدرة على مراجعة المواقف، والتخلي عن العناد، وتقديم التنازلات الضرورية لإنقاذ بلادهم. أما الإصرار على المواقف المغلقة، والتمسك بالمكاسب الشخصية، والاعتقاد بإمكان حسم الخلافات بالقوة وحدها، فلن يقود السودان إلا إلى مزيد من الاستنزاف، ويضاعف كلفة الحرب على الإنسان والأرض والدولة.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تُغيّر موازين القوة، لكنها لا تصنع وحدها سلاماً مستداماً، وأن الانتصار العسكري، مهما بلغت كلفته وامتد أثره، لا يغني عن التوافق السياسي الذي يعالج جذور الأزمة ويمنع تجددها. فالسودان يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يستعيد مؤسسات الدولة، ويحفظ وحدة البلاد، ويعيد الاعتبار للقانون، ويفتح أبواب المستقبل أمام أجياله التي تستحق أن تعيش بكرامة وأمان.

من هنا، يصبح الحوار الوطني الشامل ضرورة لا تحتمل التأجيل، لا مجرد شعار يُرفع لامتصاص الغضب أو كسب الوقت. والمقصود حوار حقيقي لا يستثني أحداً من القوى الوطنية والمدنية والسياسية، ولا يغلق أبوابه أمام أصحاب الرأي المختلف، ما دام الالتزام واضحاً بوحدة السودان وسيادته، ورفض العنف، واحترام إرادة الشعب. حوار يتيح معالجة أسباب الحرب، ومناقشة مستقبل الحكم، وترتيب الانتقال السياسي، وبناء دولة المواطنة والعدالة، بعيداً عن الإقصاء والتخوين واحتكار الحقيقة.

فالسلام مفتاح أبوابه في الحوار، لكن الحوار يحتاج إلى إرادة صادقة تترجم الأقوال إلى أفعال. ولا يمكن أن يستقيم مسار التسوية بينما تُستخدم لغة التهديد بديلاً عن التفاهم، أو تتحول المبادرات السياسية إلى منابر لتبادل الاتهامات. المطلوب وقف شامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق مسار سياسي جاد يضع حداً لمعاناة السودانيين، ويمهد لعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم.

لا يكتمل هذا الطريق إلا بإبعاد الأطماع الشخصية عن مستقبل البلاد، ورفض تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فالعلاقات الخارجية ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على الارتهان لإرادة الآخرين أو الاستقواء بالخارج لتحقيق مكاسب داخلية. والسيادة الوطنية تقتضي أن يكون القرار السوداني نابعاً من إرادة السودانيين، وأن تظل مصلحة الوطن فوق حسابات الأفراد والمحاور.

أما استقرار السودان، فلن يتحقق بمجرد إسكات المدافع مؤقتاً، بل باختفاء البندقية من معادلة التنافس على السلطة، وتفكيك مظاهر الصراع المسلح، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة والقانون، وبناء مؤسسات وطنية مهنية تحمي الجميع دون تمييز. فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تظل مهددة بالانقسام، والمجتمع الذي يُترك أسير الخوف والثأر يعجز عن استعادة عافيته.

السودان يستحق فرصة جديدة للحياة، وشعبه يستحق أن يستبدل أصوات الرصاص بأصوات الحوار، ومرارة النزوح بطمأنينة العودة، وقلق الغد بأمل البناء. وهذه الفرصة تبدأ عندما يتقدم العقل على العناد، والوطن على المصالح الخاصة، والتوافق على الرغبة في الغلبة.

آن للسودانيين أن يجعلوا السلام خيارهم الذي لا رجعة عنه، وأن يدركوا أن الوطن لن ينتصر بانتصار طرف على آخر، وإنما بانتصار السودان على الحرب.

mhgoub33@gmail.com