![]()
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المقابر
خاص – السودان الآن — في السودان، يبدو أن سؤالًا أكبر من السياسة والسلاح والسلطة ينتظر إجابة: لماذا أصبح الموت حاضرًا في حياتنا أكثر من الحياة نفسها؟
يموت الإنسان مرة، ثم تبدأ مرحلة أخرى لا يملك فيها سلاحًا ولا منصبًا ولا مالًا ولا قبيلة ولا نفوذًا. هناك حساب، وهناك عدل لا يفرّق بين قوي وضعيف، وبين من امتلك السلطة ومن عاش بعيدًا عنها.
ومع ذلك، يمضي السودانيون في واحدة من أقسى مراحل تاريخهم، وكأن البلاد لم تعد تبحث عن كيفية بناء الحياة، وإنما عن كيفية الاستمرار في دائرة الموت.
لماذا ننسى الغاية الأكبر؟
يقول القرآن الكريم: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
والعبادة في معناها الواسع ليست مجرد شعائر يؤديها الإنسان ثم يعود ليهدم ما حوله؛ فالإنسان مستخلف في الأرض، ومطالب بالإصلاح والعمران، وحفظ النفس والمال والكرامة، والتعاون على الخير.
ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾.
فماذا حدث لنا؟
بدل أن نتعاون على البر والتقوى، أصبح الاختلاف سببًا للتنازع، وأصبح السلاح لغة، وأصبح الموت رقمًا يتكرر في نشرات الأخبار، بينما تتراجع قيمة الإنسان أمام الحسابات السياسية والعسكرية.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المقابر
أيًا كان موقف الإنسان من الحرب وأطرافها، فإن الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى انحياز هي أن السودان يحتاج إلى الحياة.
يحتاج إلى طفل يذهب إلى المدرسة، ومزارع يزرع أرضه، وطبيب يفتح عيادته، ومهندس يبني طريقًا، وتاجر يفتح متجره، وأسرة تعود إلى منزلها، وشاب يبحث عن عمل بدل أن يبحث عن بندقية.
يحتاج السودان إلى كهرباء ومياه ومستشفيات وجامعات ومصانع وطرق ومشروعات إنتاج، لا إلى جيل جديد يتعلم أن الخلاف لا يُحل إلا بالقوة.
والسؤال الأصعب: ماذا بعد الحرب؟
هنا يجب أن يتوقف الجميع قليلًا.
ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب؟
من سيبني المدن التي تضررت؟
من سيعيد تشغيل المدارس والمستشفيات؟
من سيعيد النازحين إلى منازلهم؟
من سيعيد الثقة بين السودانيين؟
ومن سيشرح للأجيال القادمة لماذا كان بإمكاننا أن نختار السلام، لكننا اخترنا أن ندفع ثمنًا أكبر من قدرة البلاد على الاحتمال؟
هذه الأسئلة لا تخص طرفًا دون آخر، ولا ينبغي أن تكون سلاحًا سياسيًا ضد أحد.
إنها أسئلة تخص السودان كله.
ماذا يخاف قادة الصراع من السلام؟
وهنا يبرز سؤال آخر، ربما يكون الأكثر حساسية:
ماذا يخسر زعيما الصراع، إذا وصلا إلى سلام حقيقي، ثم شاركا في إعادة بناء السودان وإعماره وإصلاح مؤسساته؟
فالسلام لا يعني بالضرورة أن يختفي أصحاب الأدوار السياسية أو العسكرية من المشهد، لكنه يعني أن تتحول القدرة من إدارة الحرب إلى إدارة السلام، ومن تحريك القوات إلى حماية الناس، ومن استنزاف الموارد إلى توجيهها للإعمار والتنمية.
والسودان لا يحتاج إلى منتصر يكتشف بعد سنوات أنه انتصر على بلد منهك.
بل يحتاج إلى سودانيين قادرين على تحويل نهاية الحرب إلى بداية جديدة.
الأعداء الحقيقيون قد لا يكونون في الجبهة
الحرب الطويلة لا تستهلك السلاح والذخيرة فقط.
إنها تستهلك الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والوقت، والثقة، ومستقبل الشباب.
وفي كل يوم يستمر فيه النزاع، توجد قوى ومصالح يمكن أن تستفيد من ضعف السودان وانقسامه واستنزافه.
ولهذا فإن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها السودانيون لأي قوة تريد إضعاف بلدهم هي أن يواصلوا الانقسام، بينما تتآكل الدولة والمجتمع من الداخل.
أما أكبر ما يمكن أن يقدموه للسودان فهو أن يجعلوا السلام مشروعًا وطنيًا، والإعمار مشروعًا أكبر من الخلاف السياسي.
لسنا في الأرض لنقتل بعضنا
ربما نحتاج إلى إعادة طرح السؤال من بدايته:
لماذا نحن هنا؟
لم نأتِ إلى الدنيا لنعيش إلى الأبد.
ولم نأتِ إليها لنحمل السلطة أو السلاح إلى القبر.
سنغادر جميعًا، وسيبقى السؤال عن الأثر الذي تركناه وراءنا.
هل تركنا مدرسة أم مقبرة؟
هل بنينا بيتًا أم هدمناه؟
هل أنقذنا إنسانًا أم ساهمنا في موته؟
هل أصلحنا بين اثنين أم وسّعنا الخلاف بينهما؟
هل تركنا وطنًا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه، أم تركنا لهم أرضًا مثقلة بالثأر والفقر والخراب؟
السودان يستطيع أن يبدأ من جديد
ليس المطلوب أن يتنازل السودانيون عن قضاياهم أو اختلافاتهم.
ولا يعني السلام أن تختفي السياسة أو تتوقف المطالب أو تُدفن الخلافات.
لكن المطلوب أن يعرف الجميع أن الحياة نفسها يجب أن تكون خطًا أحمر.
يمكن أن نختلف دون أن نقتل.
يمكن أن نتنافس دون أن ندمر.
يمكن أن نطالب بحقوقنا دون أن نحول الوطن إلى ساحة مفتوحة للموت.
وفي النهاية، سيجلس كل إنسان أمام حسابه منفردًا.
لا جيش سيدخل معه القبر، ولا جماعة سياسية، ولا قبيلة، ولا منصب، ولا بندقية.
ويبقى السؤال:
إذا كان الموت نهاية الحياة في الدنيا، فلماذا نجعل منه مشروعًا لبناء وطن؟
ربما آن للسودان أن يغيّر شعاره من سؤال: من ينتصر؟
إلى سؤال أكبر:
كيف ينتصر السودان نفسه؟
فالبلاد لا تحتاج إلى مزيد من الذين يعرفون كيف يموت الناس، بقدر حاجتها إلى من يعرفون كيف يعيش الناس.
العناوين الإضافية المعتمدة:
الموت ليس مشروع وطن.. سؤال صعب أمام السودان
لماذا أصبح الموت أسهل من السلام في السودان؟
ماذا يخسر قادة الصراع إذا اختاروا السلام؟
السودان بين شعار الموت ومشروع الحياة
بعد الحرب.. من يعيد بناء السودان؟
سؤال الحساب المؤجل: ماذا فعلنا بالسودان؟
لسنا في الأرض لنقتل بعضنا.. فمن أجل ماذا نحن هنا؟
من ينتصر في الحرب؟ ومن ينقذ السودان؟
وطن يُهدم.. فهل آن أوان اختيار الحياة؟
ماذا لو تحولت قوة السلاح إلى قوة إعمار؟
وأرى أن أقوى عنوان للنقر مع الحفاظ على الاحترام:
ماذا يخاف قادة الصراع من السلام؟ سؤال صعب عن مستقبل السودان
هذا العنوان يفتح باب الفضول، لكنه لا يتهم أو يدين أي طرف، والمقال نفسه يوسّع السؤال ليشمل الحياة، الحساب، الإعمار، ومستقبل السودان بدل تحويله إلى هجوم سياسي على طرف محدد.