![]()
*السودان والسعودية.. من العلاقات التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية*
عثمان أحمد يعقوب
في 17 أغسطس 2026 شهدت العاصمة السعودية الرياض توقيع اتفاقية تأسيس “المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي” بين المملكة العربية السعودية وجمهورية السودان ووقعها عن السودان وزير الخارجية السفير محي الدين سالم وعن المملكة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان في خطوة تهدف إلى الانتقال إلى مرحلة تقوم على المشاريع والمصالح المتبادلة . وأكدت الخارجية السعودية أن المجلس سيكون إطاراً مؤسسياً ومنصة لعمل مبادرات ومشاريع ذات مخرجات محددة ومستهدفات واضحة . وتشير بيانات 2025 المتعلقة برؤية السعودية 2030 إلى بلوغ الأصول المدارة لصندوق الاستثمارات العامة 910 مليار دولار والناتج المحلي غير النفطي 892 مليار دولار وتجاوز عدد المصانع 12,900 مصنع وبلوغ القيمة المقدرة للثروة المعدنية 9.4 تريليون ريال. وفي المقابل تشير التقديرات إلى أن السودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية وحيوانية وموقعاً على البحر الأحمر حيث لا يتجاوز المستغل من الأراضي الصالحة للزراعة 22% وتقدر الثروة الحيوانية بنحو 103 ملايين رأس وتقدر الاحتياطيات بنحو 1550 طناً من الذهب و6.8 ملايين طن من النحاس و1.4 مليار طن من الحديد إلى جانب السيليكا والليثيوم والتنتالوم فضلاً عن ساحل على البحر الأحمر يبلغ نحو 853 كيلومتراً. وتقوم فكرة التكامل على توظيف الموارد والإمكانات والأسواق والبنية التحتية والخبرات المتاحة لدى الجانبين.
ومع التأكيد على المضي في جميع الملفات المدرجة في إطار الشراكة الاستراتيجية يمكن النظر في بدء المجلس الأعلى بمشروعين ذوي عائد سريع.
*أولاً* : قطاع التعدين عبر الاستفادة من البنية التحتية القائمة في مصافي تكرير الذهب بالمملكة وذلك بإنشاء آلية لتصدير خام الذهب السوداني وشبه المصنع إلى المصافي المعتمدة للتكرير وإضافة القيمة ثم إعادة تصديره للأسواق العالمية. تتيح هذه الخطوة عائداً أسرع وتقلل زمن إنشاء مصافي محلية وتوفر مدخلات للمصافي القائمة وترفع من جودة المنتج النهائي. ويمكن للمجلس الأعلى أن يبدأ بوضع بروتوكول لوجستي ومالي وتأميني لنقل الخام واتفاق إطار لتقاسم القيمة المضافة بالتوازي مع دراسات لإنشاء مصافي داخل السودان في مرحلة لاحقة .
*ثانياً* : قطاع الزراعة والإنتاج الحيواني بإنشاء مجمعات إنتاجية وتصنيعية وتصديرية مشتركة تركز على اللحوم الحمراء والألبان والأعلاف والخضروات تستفيد من الأراضي والمياه والمراعي المتاحة ومن سلاسل التبريد والأسواق الإقليمية ومن الطلب على الأمن الغذائي. ويمكن البدء بتنفيذ عدد من المجمعات النموذجية خلال 12 شهراً واستخدام الموانئ والمنافذ البرية .
ولدعم الاستدامة يمكن تفعيل دور القطاع الخاص والشباب من خلال تشجيع تحالفات بين شركات سعودية وسودانية في التعدين والتصنيع والزراعة والخدمات اللوجستية بحوافز واضحة ودراسة إنشاء “المعهد السعودي السوداني للتدريب المهني” لتأهيل الكوادر وتوطين التقنيات وتلبية احتياجات سوق العمل في البلدين .
التحديات المطلوب معالجتها تشمل مراجعة التشريعات الاستثمارية وضمان حماية رؤوس الأموال وتطوير البنية التحتية من كهرباء وطرق وربط بين البلدين وإنشاء أمانة فنية دائمة للمجلس الأعلى تعمل بجدول زمني ربع سنوي لمتابعة وقياس الإنجاز .
الخاتمة: العلاقة بين البلدين ممتدة وتستند إلى روابط تاريخية. واليوم يتوفر الإطار “المجلس الأعلى” والمسار “رؤية 2030” والموارد والفرص. ويبقى السؤال: هل تتوفر الإرادة لترجمة ذلك إلى شراكة استراتيجية تبدأ بمشروعي تكرير الذهب والزراعة والإنتاج الحيواني؟