الصحافيون في غزة بعد ألف يوم.. شهود على الإبادة وضحايا لها

الصحافيون في غزة بعد ألف يوم.. شهود على الإبادة وضحايا لها

Loading

لم يكن وائل الدحدوح يغطي خبرًا بعيدًا حين وقفت غزة أمام الكاميرا. كان يروي حربًا تقترب منه يومًا بعد يوم، إلى أن وصلت إلى بيته وعائلته وجسده..

في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استشهدت زوجته وابنه وابنته وحفيده في قصف إسرائيلي استهدف منزلًا في مخيم النصيرات، ثم أُصيب هو نفسه بعد ذلك في خانيونس، قبل أن يستشهد ابنه حمزة، وهو صحافي أيضًا، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كان يستقلها مع الصحافي مصطفى ثريا في 7 يناير/ كانون الثاني 2024.

في سيرة الدحدوح، تكاد تختصر مأساة الصحافيين في غزة بعد ألف يوم من الإبادة: الصحافي ليس خارج الخبر، ولا يقف على رصيف آمن ليصف ما يجري. هو في قلبه تمامًا. ينقل القصف ثم يُقصف، يوثّق الفقد ثم يفقد، يفتح بثًا مباشرًا أمام العالم ثم يجد نفسه جزءًا من الصورة التي لا تنتهي.

منذ 7 أكتوبر 2023، صار العمل الصحافي في غزة أحد أكثر أشكال الشهادة كلفة في العالم. فمع منع الصحافيين الدوليين من الدخول المستقل إلى القطاع، وانقطاع الاتصالات مرارًا، وتدمير المكاتب والمنازل والمعدات، وجد الصحافيون الفلسطينيون أنفسهم أمام مهمة مضاعفة: أن يخبروا العالم بما يحدث، وأن يحاولوا النجاة من الحدث نفسه.

لكن كثيرين منهم لم ينجوا. فحتى 25 يونيو/ حزيران 2026، وثّقت لجنة حماية الصحافيين استشهاد 209 صحافيين وعاملين في الإعلام على يد إسرائيل في غزة ومراكز احتجاز إسرائيلية منذ بدء الحرب، ووصفت هذه الفترة بأنها الأكثر دموية للصحافيين منذ بدأت اللجنة توثيقها عام 1992.


سامر أبو دقة.. حين تُترك الكاميرا تنزف


في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2023، كان سامر أبو دقة، المصور في قناة الجزيرة، مع وائل الدحدوح في خانيونس لتغطية آثار قصف سابق في مدرسة فرحانة، وهناك أصيب الدحدوح، وبقي أبو دقة عالقًا في المكان مصابًا لساعات، قبل أن يُعلن استشهاده بعدما تعذّر وصول الإسعاف إليه بسبب استمرار الخطر وصعوبة الحركة في المنطقة.

لم تكن واقعة أبو دقة مجرد رقم إضافي في حصيلة طويلة. كان يرتدي سترة الصحافة، وكان في مهمة ميدانية واضحة، وكان برفقة صحافي معروف ومُعرّف.

ومع ذلك، لم تمنحه كلمة “Press” حماية. على العكس، باتت السترة التي يُفترض أن تحمي الصحافي علامة خوف لكثيرين في غزة. فقد نقلت تحقيقات وشهادات أن صحافيين بدأوا يشعرون بأن شارة الصحافة قد تجعلهم أكثر عرضة للاستهداف لا أقل.

هكذا، تبدلت واحدة من قواعد المهنة في غزة. لم تعد الكاميرا تمنح صاحبها وضع الشاهد المحمي، بل صار الشاهد نفسه جزءًا من بنك الأهداف.

ولم يعد الخطر مرتبطًا فقط بالوجود في منطقة ساخنة، بل بكون الصحافي قادرًا على تسمية المكان والضحية والفاعل، وعلى تحويل الجريمة من حدث عابر إلى دليل بصري.


حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا.. الطريق إلى التغطية


بعد أقل من شهر على استشهاد سامر أبو دقة، كانت غزة أمام مشهد آخر. في 7 يناير 2024، استشهد الصحافيان حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا في غارة إسرائيلية استهدفت سيارة قرب رفح بينما كانا في مهمة صحافية، وأصيب صحافي ثالث كان معهما.

حمزة لم يكن فقط ابن وائل الدحدوح، بل كان صحافيًا يعمل في الميدان، ومصطفى ثريا كان مصورًا مستقلًا يغطي الحرب بكاميرته.

بهذا الاستهداف، انتقلت مأساة وائل الدحدوح من فقدان العائلة إلى فقدان الابن الصحافي. صار الأب، الذي نُقلت صورته مرارًا وهو يتماسك أمام موت أحبائه، شاهدًا على موت زميل وابن في وقت واحد.

لم تعد العبارة التي تكررت كثيرًا عن “الصحافي الذي صار خبرًا” استعارة مناسبة فقط، بل واقعًا يوميًا: الصحافي يودّع زميله، ثم يعود إلى التغطية، وقد يودّع ابنه، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة الشهادة لأن الصمت، في غزة، ليس استراحة بل خسارة إضافية.

في هذه الوقائع، يظهر نمط لا يمكن التعامل معه كأضرار جانبية عادية. سيارة صحافيين، مهمة تغطية، أسماء معروفة، ثم بيان اتهام أو إنكار أو دعوة إلى التحقيق. لكن التحقيقات لا تصل غالبًا إلى محاسبة، فيما تستمر الحصيلة في الصعود.


إسماعيل الغول ورامي الريفي.. القتل ثم التشويه


في 31 يوليو/ تموز 2024، استشهد مراسل الجزيرة إسماعيل الغول والمصور رامي الريفي في غارة إسرائيلية بينما كانا في مهمة صحافية شمال غزة، بعد خروجهما من مخيم الشاطئ قرب مدينة غزة. كانا يغطيان تطورات مرتبطة باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران، حين استُهدفت سيارتهما.

غير أن ما تلا الاغتيال كان جزءًا من نمط آخر: لا يُقتل الصحافي فقط، بل تُلاحق صورته بعد مقتله باتهامات أمنية وسياسية.

في حالات عدة، اتهمت إسرائيل صحافيين فلسطينيين بالانتماء إلى حماس أو الجهاد الإسلامي، من دون أن تقدّم، وفق منظمات حرية الصحافة، أدلة قابلة للتحقق المستقل. هكذا يصبح الصحافي أمام عقوبة مزدوجة: يُقتل أولًا، ثم تُشوَّه هويته المهنية بعد موته.

هذا النمط شديد الخطورة لأنه لا يستهدف الشخص وحده، بل يستهدف معنى الصحافة الفلسطينية كلها. فإذا كان كل صحافي قابلًا للتحويل إلى “مشتبه به” بعد اغتياله، تصبح الكاميرا نفسها موضع اتهام، وتصبح الشهادة جريمة محتملة، ويُفتح الباب أمام قتل الحقيقة باسم الطعن في ناقلها.


حسام شبات ومحمد منصور.. قتل بعد الهدنة


في 24 مارس/ آذار 2025، استشهد الصحافيان حسام شبات ومحمد منصور في هجومين إسرائيليين منفصلين. شبات، مراسل الجزيرة مباشر، استشهد في شمال غزة قرب بيت لاهيا، فيما اشتشهد منصور، مراسل “فلسطين اليوم”، في جنوب القطاع. دعت لجنة حماية الصحافيين إلى تحقيق دولي مستقل في ما إذا كانا قد استُهدفا عمدًا.

كان حسام شبات من الوجوه الشابة التي ارتبط اسمها بتغطية شمال غزة، حيث ظل ينقل صور الجوع والحصار والدمار وسط ظروف شبه مستحيلة.

وبعد استشهاده، عادت الاتهامات الإسرائيلية الجاهزة، في حين قالت منظمات حقوقية وصحافية إن هذه المزاعم لم تُدعّم بأدلة يمكن التحقق منها، ورأت فيها امتدادًا لحملة تشويه تطاول صحافيين فلسطينيين قبل أو بعد قتلهم.

هنا لا يعود السؤال: هل كان الصحافيون معرضين للخطر لأنهم يعملون في منطقة حرب؟ بل يصبح السؤال:

لماذا يتكرر قتل صحافيين معروفين، وفي مواقع مختلفة، ثم تُستخدم الاتهامات نفسها تقريبًا لتبرير ما حدث؟ ولماذا لا تفضي الدعوات المتكررة إلى تحقيقات مستقلة إلى مساءلة توقف النمط بدل الاكتفاء بإحصائه؟



خيمة الصحافيين.. اغتيال المكان والصوت


بلغت المأساة ذروة جديدة في 10 أغسطس/ آب 2025، حين استهدفت غارة إسرائيلية خيمة للصحافيين قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة. استشهد في الهجوم مراسلا الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، والمصوران إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، إضافة إلى المستقلين مؤمن عليوة ومحمد الخالدي.

لم يكن المكان عابرًا. خيمة الصحافيين قرب مستشفى الشفاء كانت نقطة عمل في مدينة مدمرة، ومساحة يحاول فيها الصحافيون جمع ما تبقى من أدواتهم: هاتف، كاميرا، اتصال متقطع، وسترة صحافة لم تعد تضمن شيئًا.

استهداف الخيمة لم يكن فقط قتلًا لأفراد، بل ضربًا لمكان الشهادة نفسه، كأن الرسالة أن لا مأوى آمنًا حتى لمن يوثقون الحرب من جوار المستشفى.

كان أنس الشريف، على وجه الخصوص، من أبرز الأصوات الصحافية التي تابعت شمال غزة في مراحل الجوع والحصار والنزوح. عرفه الجمهور بظهوره المتكرر من الميدان، وبصورة الصحافي الذي ظل ينقل حتى حين ضاقت المساحة وتقطعت الطرق.

وبعد استشهاده، قالت إسرائيل إنه كان مرتبطًا بحماس، لكن منظمات حرية الصحافة ومؤسسات إعلامية طالبت بتحقيق مستقل، واعتبرت أن الاتهامات غير المثبتة لا يمكن أن تكون بديلًا من المحاسبة.

في خيمة الشفاء، بدا أن استهداف الصحافيين لم يعد احتمالًا موزعًا على الحوادث، بل فصلًا كاملًا من الحرب على الصورة. فالصحافي الذي ينجو من القصف وهو في الطريق، قد يُقتل في خيمة العمل. والذي ينجو من فقدان منزله، قد يُستهدف في المكان الذي يرسل منه خبره. والذي ينجو من الجوع والنزوح، قد لا ينجو من كونه شاهدًا.


صحافة من داخل الفقد


ما يميّز الصحافة في غزة بعد ألف يوم أنها لم تُنتج من خارج الألم. لم يكن الصحافي الفلسطيني يأتي إلى موقع الدمار ثم يعود إلى بيته الآمن. كثيرون فقدوا بيوتهم، ونزحوا مع عائلاتهم، وعملوا من خيام أو ساحات مستشفيات أو ممرات مكتظة.

كانوا يغطون أزمة الماء وهم يبحثون عن الماء، وينقلون أخبار المجاعة وهم جائعون، ويكتبون عن الخيام وهم يعيشون فيها.

لذلك جاءت صور غزة مختلفة. لم تكن لقطات بعيدة من عدسة مراقب محايد جغرافيًا. كانت شهادات من داخل التجربة. الصحافي يعرف اسم الحي لأنه عاش فيه، ويعرف العائلة لأنها جارته، ويعرف المدرسة لأنها تحولت إلى ملجأ، ويعرف المستشفى لأنه انتظر فيه مصابًا أو قريبًا أو زميلًا.

هذه القربى من الحدث منحت التغطية قوتها، لكنها جعلت كلفتها مضاعفة. فالصحافي لا يملك رفاهية الفصل بين حياته ومهنته. كل خبر قد يكون عن بيته. كل صورة قد تكون عن جيرانه. كل ضحية قد تكون من عائلته. ومع ذلك، كان عليه أن يحتفظ بقدر من الدقة واللغة والتماسك، لأن العالم ينتظر منه الخبر حتى وهو يعيش الانهيار نفسه.


حين تُقتل العين التي ترى


قتل الصحافيين في غزة لا يمكن فصله عن منع الصحافيين الدوليين من الدخول المستقل إلى القطاع. حين يُمنع الشاهد الخارجي، ويُقتل الشاهد المحلي، تصبح الحقيقة محاصرة من الجهتين.

ولهذا لم تكن معركة الصحافة في غزة مهنية فقط، بل كانت معركة على الذاكرة: من يروي؟ من يُصدَّق؟ من يملك الصورة؟ ومن يستطيع أن يثبت الجريمة بعد أن يُقصف المكان ويُقتل من وثّقه؟

لقد أدرك الصحافيون الفلسطينيون هذه الحقيقة مبكرًا. كانوا يعرفون أن كل صورة يرسلونها قد تكون الدليل الأخير على حيّ اختفى، أو عائلة مُحيت، أو مستشفى خرج من الخدمة، أو طفل مات جوعًا أو قصفًا. كانوا يعرفون أن العالم قد يختلف في السياسة، لكنه لا يستطيع إنكار الصورة بسهولة حين تصل إليه واضحة، باسم ومكان ووقت.

من هنا جاء الإصرار على الاستمرار رغم كل شيء. بعد مقتل زميل، يخرج صحافي آخر. بعد انقطاع الإنترنت، تُرسل المادة حين تعود الشبكة دقائق قليلة. بعد قصف المكتب، تُفتح الكاميرا من خيمة. وبعد كل اتهام وتشويه، يتمسك الصحافيون الفلسطينيون بما تبقى لهم: الاسم، الصورة، الشهادة.


ألف يوم على قتل الشاهد


بعد ألف يوم، لا يمكن القول إن الصحافيين في غزة كانوا “ضحايا جانبيين” في حرب واسعة. الوقائع والأسماء والمسار الزمني ترسم صورة أشد وضوحًا: سامر أبو دقة قُتل وهو يغطي في خانيونس. حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا قُتلا في طريقهما إلى مهمة صحافية.

إسماعيل الغول ورامي الريفي قُتلا أثناء العمل شمال غزة. حسام شبات ومحمد منصور قُتلا بعد أشهر من التهديد والاتهام. أنس الشريف ومحمد قريقع وإبراهيم ظاهر ومحمد نوفل ومؤمن عليوة ومحمد الخالدي قُتلوا في خيمة صحافيين قرب مستشفى الشفاء.

هذه ليست أسماء متفرقة في سجل طويل. إنها خريطة لقتل الشاهد. وكل اسم منها يوضح أن استهداف الصحافة في غزة لم يكن مجرد نتيجة للحرب، بل جزءًا من معناها. فالإبادة لا تحتاج إلى السلاح وحده، بل تحتاج أيضًا إلى إضعاف الشهادة، وتشويه الشهود، وإرهاق الذاكرة حتى لا يبقى من الجريمة إلا ما يقرره القاتل عنها.

ومع ذلك، بقيت غزة مرئية لأن صحافييها أصروا على أن تكون كذلك. دفعوا الثمن من عائلاتهم وأجسادهم وبيوتهم وحياتهم، لكنهم تركوا للعالم سجلًا لا يمكن محوه بسهولة. وحين يُكتب تاريخ هذه الألف يوم، لن تُذكر الكاميرات كأدوات تقنية فقط، بل كجزء من مقاومة المحو.

في غزة، لم يكن الصحافيون شهودًا على الإبادة فحسب. كانوا أيضًا ضحاياها. وربما لهذا بالضبط ستبقى شهادتهم واحدة من أكثر ما يخشاه من أراد للجريمة أن تمر بلا أسماء، وبلا صور، وبلا ذاكرة.