الفاشر وذاكرة الحصار والسقوط: مبادرة إنسانية رُفضت وثمن باهظ دفعه المدنيون

الفاشر وذاكرة الحصار والسقوط: مبادرة إنسانية رُفضت وثمن باهظ دفعه المدنيون

Loading

الفاشر وذاكرة الحصار والسقوط: مبادرة إنسانية رُفضت وثمن باهظ دفعه المدنيون

■في ذكرى سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر – شمال دارفور، بعد حصار خانق خلّف كارثة إنسانية مروّعة، تعود إلى الواجهة أسئلة مؤلمة بشأن المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن المصير الذي واجهه المدنيون، الذين حُرموا من أبسط مقومات الحياة، واضطر بعضهم، في ظل المجاعة وانعدام الغذاء، إلى أكل الجلود وعلف الحيوانات في محاولة للبقاء على قيد الحياة.

■لم تكن مأساة الفاشر مجرد نتيجة لاشتداد المعارك أو تبدّل موازين القوى العسكرية، بل كانت أيضاً اختباراً قاسياً للمسؤولية الإنسانية، ولقدرة الأطراف المعنية على وضع حياة المدنيين فوق الحسابات السياسية والعسكرية. فقد دفع المواطنون الأبرياء ثمناً باهظاً لحرب لم يختاروها، وتعرّضوا للجوع والنزوح والانتهاكات والخوف، بينما ظلّت فرص تجنيبهم هذه المعاناة موضع خلاف وتجاذب بين أطراف الصراع والقوى المتحالفة معها.

■وفي هذا السياق، برزت المبادرة الإنسانية التي طرحتها حركة/جيش تحرير السودان، بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد نور، في 3 يوليو 2024م، بشأن إخراج الحرب من مدينة الفاشر وتجنيب سكانها مخاطر المواجهات المسلحة، باعتبارها محاولة لفتح نافذة أمام الحلول الإنسانية، وتقديم سلامة المدنيين على رهانات الحسم العسكري.

■وقد وجدت المبادرة تجاوباً من قطاعات واسعة من بنات وأبناء السودان، على اختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية، واحتشد حولها طيف متنوع من القادة السياسيين والأكاديميين والكتاب والإعلاميين والمفكرين والفنانين والرياضيين والقانونيين والشباب والنساء والإدارات الأهلية والقادة الدينيين والشخصيات العامة وقيادات المجتمع المدني. وقد عكس هذا التفاعل إدراكاً متزايداً بأن حماية المدنيين ليست امتيازاً سياسياً تمنحه الأطراف أو تمنعه، وإنما واجب إنساني وأخلاقي لا يجوز إخضاعه للمساومات.

■ومع ذلك، قوبلت المبادرة بالرفض من قِبل السلطات والقوى المرتبطة بمعسكر بورتسودان، وفق الموقف الذي يطرحه منتقدوها، بل تعرّضت للتشكيك والتشويه بدلاً من التعامل معها باعتبارها فرصة تستحق النقاش الجاد والتقييم المسؤول.

■وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لم تُمنح المبادرات الهادفة إلى تجنيب المدنيين ويلات الحرب ما تستحقه من اهتمام، في وقت كانت فيه المدينة وسكانها يواجهون مخاطر متزايدة؟

■إن رفض أي مبادرة إنسانية لا ينبغي أن يُقيَّم بمعزل عن نتائج السياسات والمواقف التي اتُّخذت في ظلها. فحين تتفاقم المعاناة، وتتسع رقعة الدمار، ويسقط المدنيون ضحايا للجوع والانتهاكات والنزوح، يصبح من حق الرأي العام أن يطالب بتوضيحات صريحة بشأن القرارات التي اتُّخذت، والفرص التي أُهدرت، والبدائل التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

■لقد أثبتت مأساة الفاشر أن الانتصارات العسكرية والسياسية، مهما كانت طبيعتها، تفقد معناها الأخلاقي حين تُدفع أثمانها من أرواح المدنيين وكرامتهم وحقهم في الحياة. كما أن الانسحاب من مواقع المواجهة، أو فقدان السيطرة على المدن، لا يُنهي المسؤولية تجاه السكان الذين تُركوا لمواجهة مصيرهم في ظروف بالغة القسوة. فالمسؤولية عن حماية المدنيين، ومنع التجويع والانتهاكات، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، تظل التزاماً لا تسقطه التحولات العسكرية.

■إن مبادرة 3 يوليو 2024م تستحق أن تُناقش في ضوء هدفها المعلن: تجنيب الفاشر كارثة إنسانية كان المدنيون أول ضحاياها. ولا يعني ذلك افتراض أن المبادرة وحدها كانت كفيلة بمنع كل ما حدث، أو إعفاء أي طرف من مسؤولياته، بل يعني ضرورة إخضاع المواقف والقرارات لتقييم موضوعي يستند إلى الوقائع، ويضع حياة الإنسان في مقدمة الأولويات.

■ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو توظيف مآسي الضحايا في الصراع السياسي، وإنما الاعتراف بحجم الكارثة، والكشف عن أوجه التقصير، والتحقيق المستقل في الانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم. كما يتطلب الأمر مراجعة المواقف التي أعاقت الجهود الإنسانية، واستخلاص الدروس التي تحول دون تكرار المأساة في الفاشر أو غيرها من المدن السودانية.

■فهل تملك القوى التي رفضت المبادرة الشجاعة الكافية لمراجعة مواقفها، والاعتراف بما قد تكون قد أسهمت فيه من إهدار للفرص المتاحة لحماية المدنيين، والاستعداد للمساءلة والمحاسبة؟ أم ستظل الحسابات السياسية والعسكرية تتقدم على حق السودانيين في الحياة والأمن والكرامة؟

■إن التاريخ لا يُكتب بالانتصارات وحدها، بل يُكتب أيضاً بالمواقف التي اتُّخذت حين كان إنقاذ الأرواح ممكناً، وبالفرص التي أُتيحت أو أُهدرت، وبمدى استعداد أصحاب القرار لتحمّل مسؤولياتهم أمام شعب دفع ثمناً فادحاً لحرب لم يخترها.

■الفاشر ليست مجرد مدينة سقطت؛ إنها مأساة إنسانية تستوجب الحقيقة والمساءلة والإنصاف. وستظل حماية المدنيين، ورفض تجويعهم أو تعريضهم للانتهاكات، والسعي الجاد إلى وقف الحرب، هي المعايير الحقيقية للحكم على المواقف والمبادرات. أما أرواح الأبرياء، فلا ينبغي أن تتحول إلى أرقام في سجلات الضحايا، ولا إلى أوراق للمساومة أو أدوات للاستثمار السياسي.

ظهرت المقالة الفاشر وذاكرة الحصار والسقوط: مبادرة إنسانية رُفضت وثمن باهظ دفعه المدنيون أولاً على السودانية نيوز.