![]()
الفريق شرطة حقوقي.د.الطيب عبد الجليل السودان الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (17)
الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (8)
———————————–
أثار عنوان سلسلة هذه المقالة وما سبقها من مقالات تحمل العنوان ذاته، شيئًا من الالتباس لدى بعض المتابعين، إذ ظنّ البعض أنها تقتصر على تتبّع تعاقب أنظمة الحكم أو رصد صراع النُخب السياسية في السودان. إلا أن المقصود من هذا العنوان يتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق بكثير؛ إذ إن الأزمة السودانية الحديثة لا تُفهم بوصفها مجرد أزمة تداول سلطة أو تنازع سياسي بين الفاعلين المدنيين والعسكريين، وإنما بوصفها أزمة تأسيسٍ تاريخي وبنيوي تتعلق بطبيعة تكوين الدولة السودانية ذاتها، وبالأسس التي نشأت عليها من حيث الشرعية والسيادة والعلاقة بين السلطة والمجتمع.
ولإزالة هذا الالتباس، تنطلق هذه السلسلة من مقاربة تحليلية تُعيد قراءة الأزمة السودانية في ضوء ثلاثية تفسيرية لأنماط تشكّل الدولة الحديثة، تقوم على التمييز بين: الدولة المعطاة/ العضوية، والدولة المصطنعة، والدولة المفروضة من الخارج. فالدولة المعطاة أو العضوية هي تلك التي تتكوّن من داخل المجتمع بصورة تاريخية تدريجية، وتستمد شرعيتها من التوافق الاجتماعي والانتماء الوطني المتراكم، بما يجعل مؤسساتها امتدادًا طبيعيًا لتطور المجتمع نفسه. أما الدولة المصطنعة: فهي الدولة التي تُعاد صياغتها هندسيًا عبر مؤسسات حديثة وبُنى قانونية–إدارية منظمة، لكنها تظل ضعيفة الارتباط بالجذور الاجتماعية العميقة، بما يخلق فجوة مستمرة بين شكل الدولة ومضمونها الاجتماعي والسياسي. في حين أن الدولة المفروضة من الخارج: تشير إلى النمط الذي تتشكل فيه الدولة أو يُعاد توجيه بنيتها تحت تأثير الاستعمار أو التدخلات الإقليمية والدولية، بحيث تبقى مرجعياتها المؤسسية والسياسية والقانونية متأثرة بقوى خارجية، ويظل سؤال الشرعية فيها غير محسوم بصورة نهائية.
ومن هذا المنظور، فإن أزمة الدولة السودانية الحديثة، لا يمكن اختزالها في صراع داخلي بين المدنيين والعسكريين أو في تنازع النُخب السياسية على السلطة، بل هي انعكاس لتداخل هذه الأنماط الثلاثة في مسار التكوين السوداني نفسه. فهي دولة لم تكتمل عضويًا من داخل المجتمع بصورة مستقرة، وأُعيدت صياغتها مؤسسيًا في مراحل متعددة بصورة مصطنعة، ثم ظلّت في الوقت ذاته متأثرة بدرجات متفاوتة من التدخلات الخارجية التي عمّقت هشاشتها البنيوية. ولذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في تبدّل الأنظمة أو تعاقب الانقلابات والانتقالات، بل في سؤال التأسيس ذاته: كيف نشأت الدولة السودانية؟ وعلى أي أساس تشكلت شرعيتها؟ ولماذا ظل مشروعها الوطني–الدستوري معلقًا بين هذه الأنماط الثلاثة للدولة المتداخلة دون أن يستقر في صيغة دولة حديثة مكتملة؟
فمفهوم (الدولة المُعطاة Given State / Pre-given State )، أو ما يمكن توصيفه كذلك بالدولة العضوية (Organic State)، يُستخدمان – في السياق السوداني – للدلالة على نمطٍ من نشأة الدولة الحديثة التي لم تتكوّن نتيجة تطورٍ تاريخي داخلي متدرج قائم على عقدٍ وطني جامع أو على تشكّلٍ عضوي متكامل للهوية السياسية والاجتماعية، وإنما نشأت داخل إطارٍ استعماري–إداري سابق على الإرادة الوطنية المستقلة. فالدولة هنا كانت (مُعطاة) من حيث بنيتها المؤسسية والقانونية والإدارية والعسكرية، أي إن النُخب الوطنية عند الاستقلال في يناير 1956م ورثت جهاز دولة جاهزًا ومكتملًا نسبيًا من حيث أدوات الحكم والإدارة والسيادة الشكلية، دون أن يسبق ذلك توافقٌ وطني شامل حول طبيعة الأمة السودانية، أو فلسفة الشرعية السياسية، أو شكل العقد الاجتماعي والدستوري المؤسس للدولة الحديثة.
وفي هذا المعنى، فإن وصف الدولة بالمُعطاة لا يشير فقط إلى انتقال السلطة من الاستعمار إلى النُخب الوطنية، وإنما إلى انتقال بنية الدولة ذاتها بوصفها إطارًا مؤسسيًا سابقًا على التكوين السياسي–الوطني للمجتمع. أما وصفها بالعضوية، فهو يرتبط بفكرة أن الدولة لم تتطور بوصفها نتاجًا طبيعيًا لتحولات اجتماعية وسياسية متراكمة داخل مجتمع متجانس نسبيًا، كما في نماذج الدول الأوروبية الكلاسيكية مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، حيث تبلورت الدولة تدريجيًا عبر مسار طويل من توحيد السلطة المركزية، وتراكم الخبرة الإدارية والقانونية، وتشكّل الهوية الوطنية داخل حدود سياسية أخذت في الاستقرار عبر الزمن.
في المقابل، فإن الحالة السودانية – مقارنةً بهذه النماذج الأوروبية – تكشف عن مسار مختلف؛ إذ نشأت الدولة الحديثة فوق بنية اجتماعية وثقافية وإثنية ودينية متعددة وغير مندمجة بالكامل في مشروع وطني موحّد، مما جعل التكوين المؤسسي للدولة متقدمًا على تشكّل الأمة السياسية ذاتها. وبهذا المعنى، فإن الفارق الجوهري بين التجربتين لا يكمن في وجود الدولة من عدمه، بل في طبيعة تشكّلها: ففي أوروبا الكلاسيكية تزامن أو تقارب تطور الدولة مع تشكّل الأمة، بينما في الحالة السودانية تَقدّم بناء الدولة المؤسسية على اكتمال الوحدة الوطنية والاجتماعية، بما أبقى سؤال الهوية والشرعية مفتوحًا داخل بنية الدولة نفسها.
ومن ثم، فإن التماثل بين مفهومي (الدولة المعطاة والدولة العضوية) في الحالة السودانية، يكمن في كونهما يصفان حالة عدم التطابق بين اكتمال جهاز الدولة من جهة، وعدم اكتمال التوافق الوطني–الدستوري حول طبيعتها ووظيفتها ومصدر شرعيتها من جهة أخرى. فالدولة السودانية الحديثة وُلدت بوصفها جهازًا إداريًا وقانونيًا وعسكريًا قائمًا بالفعل، لكن دون أن يُحسم بصورة نهائية سؤال: منً نحن – Who we are – بوصفنا جماعة سياسية واحدة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف؟ وما هو الأساس الدستوري والثقافي الذي تقوم عليه الشرعية والسيادة داخل الدولة؟
وبهذا المعنى، أصبحت أزمة السودان منذ الاستقلال ليست فقط أزمة حكم أو تداول سلطة، وإنما أزمة تأسيس دولة وطنية حديثة قادرة على تحويل (لدولة المُعطاة إلى دولة وطنية متوافق عليها)، أو تحويل البنية المؤسسية الموروثة إلى دولة ذات شرعية عضوية نابعة من الإرادة الوطنية المشتركة، لا من مجرد الاستمرارية الإدارية والتاريخية لجهاز الدولة الموروث من الحقبة الاستعمارية.
أما مفهوم (الدولة المصطنعة – (Artificial State، يرتبط بوصف الدولة التي لم تتشكّل حدودها وبنيتها السياسية والمؤسسية عبر تطورٍ اجتماعي–تاريخي داخلي متدرج نابع من تفاعل الجماعات الوطنية داخل فضاءٍ سياسي موحّد، وإنما تكوّنت بدرجة كبيرة نتيجة اعتبارات استعمارية وجيوسياسية وإدارية فرضتها القوى الخارجية خلال مرحلة إعادة رسم الخرائط وبناء الكيانات السياسية الحديثة. وفي هذا السياق، تصبح الدولة سابقة على الأمة، وتصبح السلطة المركزية متقدمة على اكتمال التوافق الوطني–الاجتماعي الذي يمنحها الشرعية العضوية المستقرة. ولذلك، فإن (الدولة المصطنعة) لا تعني بالضرورة غياب الدولة من الناحية القانونية أو المؤسسية، وإنما تعني أن عملية التكوين السياسي للدولة لم تنبع بالكامل من تطور داخلي طبيعي للمجتمع، بل من هندسة سياسية وإدارية خارجية سبقت اكتمال الهوية الوطنية الجامعة.
وفي المقابل، فإن وصف (الدولة المفروضة من الخارج – (Externally Imposed State، فهو يُعبّر عن الامتداد المستمر لتأثير الموروث الاستعماري والنماذج السياسية والقانونية الوافدة في تشكيل بنية الدولة الحديثة بعد الاستقلال. فالمقصود هنا ليس فقط أن الدولة نشأت تاريخيًا في ظل الاستعمار، وإنما أن أنماط الحُكم، والتشريع، والإدارة، والعدالة، ومركزية السلطة، استمرت تتحرك داخل قوالب مؤسسية وقانونية مستوردة من الخارج، دون أن تُعاد مواءمتها بصورة كاملة مع الخصوصية التاريخية والاجتماعية والثقافية للمجتمع السوداني.
ومن ثم، فإن التداخل بين مفهومي (الدولة المصطنعة والدولة المفروضة من الخارج)، يكمن في أن كليهما يعكسان اختلال العلاقة بين نشأة الدولة وتكوّن الأمة الوطنية. فالأولى تُركّز على طبيعة التأسيس التاريخي والحدودي والمؤسسي للدولة، بوصفها نتاجًا لهندسة استعمارية–جيوسياسية أكثر من كونها ثمرة تطور وطني داخلي متكامل، بينما تُركّز الثانية على استمرار الهيمنة البنيوية للنماذج القانونية والسياسية والإدارية الوافدة حتى بعد الاستقلال، بما جعل الدولة الوطنية تتحرك داخل أطر مفاهيمية ومؤسسية موروثة لا داخل فلسفة وطنية مستقلة للشرعية والسيادة والعدالة.
وبهذا المعنى، فإن أزمة الدولة السودانية الحديثة، لا تُفهم فقط باعتبارها أزمة تعثر ديمقراطي أو صراع على السلطة، وإنما بوصفها أزمة تأسيس تاريخي وبنيوي لدولة تشكّلت حدودها ومؤسساتها قبل اكتمال الأمة السياسية ذاتها، ثم استمرت بعد الاستقلال في إعادة إنتاج أنماط الحكم والتشريع والإدارة الموروثة من الخارج، دون أن تنجح بصورة نهائية في بناء عقد وطني–دستوري مستقر يُعيد التوفيق بين الدولة والمجتمع، وبين الشرعية القانونية والشرعية الوطنية، وبين وحدة السلطة وتعدد البنيات الثقافية والاجتماعية داخل السودان.
أما العنوان الفرعي في هذه السلسلة (الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية)، فيُقصد به توصيف نمطٍ خاص ومركب من التحولات السياسية التي عرفها السودان الحديث. وهو نمط لا يندرج ضمن تعريف الانقلاب العسكري الخالص، الذي تحتكر فيه المؤسسة العسكرية السلطة بصورة مباشرة ومكتملة، ولا يرقى في المقابل إلى نموذج الانتقال المدني–الديمقراطي المستقر القائم على القطيعة الدستورية مع البنية السلطوية السابقة، وإنما يتشكل في صورة صيغة هجينة ومعقدة تتداخل فيها الفواعل السياسية والمؤسسية والاجتماعية داخل الدولة. وتتمثل هذه الفواعل في الآتي:
(أولًا): المؤسسة العسكرية؛ بوصفها جهازًا احترافيًا منظّمًا يحتكر أدوات العنف المشروع (Monopoly of Legitimate Violence) وفقًا للتعريف الكلاسيكي للألماني فيبر، لكنها في السياق السوداني كثيرًا ما تحولت من مؤسسة مهنية إلى فاعل سياسي مباشر، أو شريك في إدارة السلطة، أو ضامن لتوازناتها.
(ثانيًا): القوى الحزبية؛ وهي التنظيمات السياسية التي تمثل قنوات التمثيل الانتخابي والتعبئة الجماهيرية، لكنها ظلت في كثير من الحالات تعاني من الهشاشة التنظيمية والتشظي الأيديولوجي وضعف القدرة على إنتاج توافق وطني مستقر.
(ثالثًا): التيارات الأيديولوجية؛ وهي الحركات الفكرية والتنظيمية ذات المرجعيات العقائدية أو السياسية الكبرى (الإسلامية، القومية، اليسارية، وغيرها)، والتي لا تعمل فقط داخل الأحزاب، بل تتجاوزها لتؤثر في الدولة ذاتها عبر تشكيل التصورات الكلية للشرعية والدستور ووظيفة الحكم.
(رابعًا): أجهزة البيروقراطية؛ وهي الجهاز الإداري للدولة (الوزارات، الخدمة المدنية، الأجهزة العدلية والتنظيمية)، التي يفترض فيها الحياد والاستمرارية المؤسسية، لكنها غالبًا ما تتحول إلى امتداد لمراكز القوة السياسية أو الأمنية، بما يجعلها عنصرًا حاسمًا في إعادة إنتاج السلطة.
(خامساً): القوى الاجتماعية والدينية والنقابية؛ بوصفها فاعلًا وسيطًا بين الدولة والمجتمع، وتشمل الزعامات التقليدية، والطوائف الدينية، والنقابات المهنية، والتنظيمات الشعبية، والتي تلعب أدوارًا متغيرة بين التعبئة، والوساطة، والمساندة، وأحيانًا الشرعنة السياسية للانتقالات. كما تدخل في بعض المراحل القوى المسلحة غير النظامية، سواء الحركات المتمردة أو الكيانات المسلحة ذات الطابع الجهوي، والتي تصبح جزءًا من معادلة السلطة عند توقيع اتفاقات السلام أو ترتيبات تقاسم الحكم.
وتتشكّل (الهجينية) في هذا النموذج من تداخل هذه الفواعل داخل لحظة سياسية واحدة، بحيث لا تنفرد جهة واحدة بإنتاج الشرعية أو احتكار السلطة، بل تتوزع السلطة بين هذه المكونات عبر تحالفات مؤقتة ومتغيرة، تقوم على التفاوض، والمساومة، وإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة. وهذه التحالفات لا تستند إلى عقد دستوري مستقر بقدر ما تستند إلى موازين قوة متحركة، ما يجعل الشرعية الدستورية نفسها عرضة للاهتزاز وإعادة التفسير المستمر.
ومن ثم، فإن مفهوم الانقلابات الهجينة لا يُوصف بأنه مجرد آلية للوصول إلى السلطة، بل يعبّر عن نمط حكم تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والأيديولوجيين، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج السلطة في كل مرحلة انتقالية بصورة لا تحقق قطيعة بنيوية مع جذور الأزمة، بل تُبقيها قائمة وتعيد تدويرها داخل بنية الدولة ذاتها، في صورة متجددة من الاختلالات المؤسسية والشرعية.
وفي هذا السياق، فإن وصف الانقلابات بالهجينة، لا يرتبط فقط بتعدد الفاعلين المشاركين فيها، وإنما بطبيعة الشرعية التي حاولت إنتاجها وإعادة تدويرها داخل الدولة السودانية. فهي لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل سعت في كل مرحلة إلى اكتساب غطاءٍ سياسي أو ثوري أو دستوري أو شعبي يمنحها مظهر الشرعية، سواء عبر الحكومات الانتقالية، أو الدساتير المؤقتة الانتقالية، أو التحالفات الحزبية، أو الخطابات الأيديولوجية والثورية. ولذلك، كانت هذه التحولات تتحرك دائمًا في المنطقة الرمادية الواقعة بين الشرعية الثورية، والشرعية العسكرية، والشرعية الدستورية، دون أن تنجح بصورة نهائية في تأسيس شرعية وطنية مستقرة ومتوافق عليها.
ومن ثم، فإن أثر الانقلابات الهجينة على الشرعية الدستورية، تتمثّل في أنها أعادت إنتاج أزمة الشرعية، بدلًا من تجاوزها. فكل مرحلة انتقالية أو انقلابية، كانت ترفع شعارات الثورة أو الإصلاح أو حماية الديمقراطية أو إعادة بناء الدولة، إلا أنها كانت في تُعيد، في الواقع، تدوير البنية السلطوية ذاتها بصيغ جديدة، من خلال توظيف التشريع، والدستور، وأجهزة العدالة الجنائية، والمؤسسات الأمنية والإدارية، كأدوات لإعادة هندسة المجال السياسي وإعادة توزيع القوة داخل الدولة، أكثر من كونها أدوات محايدة لتنظيم السلطة وضمان الحقوق والحريات.
وبهذا المعنى، فإن الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية، أسهمت في إضعاف فكرة الشرعية الدستورية المستقرة، لأنها أبقت الدولة السودانية داخل حالة انتقال دائم بين أربعة أنماط متنافسة من الشرعية: (الأولى) شرعية ثورية تستند إلى الحراك الشعبي؛ (الثانية) شرعية عسكرية تستند إلى السيطرة على أدوات القوة؛ (الثالثة) شرعية دستورية انتقالية تستند إلى تسويات سياسية مؤقتة؛ (الرابعة) شرعية أيديولوجية ترتبط بمشروعات فكرية وتنظيمية تسعى إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع.
ونتيجة لذلك، ظلّت الدولة السودانية عاجزة عن الانتقال الكامل من منطق الشرعية المؤقتة الانتقالية والمتغيرة إلى منطق الدولة الدستورية المؤسسية القائمة على الفصل المستقر بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وعلى سيادة حكم القانون وحياد مؤسسات العدالة والإدارة العامة.
في هذا السياق، تمثل ثورات 21 أكتوبر 1964م، 07 مارس– 06 أبريل 1985م، 18 ديسمبر 2018م–11 أبريل 2019م، محطاتٍ مركزية في تاريخ تشكّل الشرعية الدستورية في السودان، إلا أنها لم تُفضِ إلى تأسيس دولة مدنية مستقرة ونهائية، بقدر ما أعادت إنتاج نمطٍ متكرر من الانتقال الهجين المدني–العسكري–البيروقراطي، الذي تتداخل فيه الشرعية الثورية مع الشرعية العسكرية، والشرعية الدستورية مع شرعية الأمر الواقع، بما جعل الدولة السودانية تعيش حالةً مستمرة من عدم الاكتمال المؤسسي والدستوري، وإعادة إنتاج الأزمة في صور سياسية مختلفة.
وانطلاقًا من هذا الإطار التحليلي العام، يمكن تتبع هذا النمط عبر المراحل الانتقالية المتعاقبة، بوصفها حلقاتٍ متصلة في إعادة تشكيل الدولة دون اكتمال تأسيسها النهائي.
(أولاً) ثورة 21 أكتوبر 1964م:
————————–
في أعقاب ثورة 21 أكتوبر 1964م، تم إسقاط أول نظام عسكري في تاريخ السودان الحديث (نظام 17 نوفمبر 1958م)، وتشكلت سلطة انتقالية ضمت مجلس سيادة مدني جماعي مكوّنًا من عبد الحليم محمد عن حزب الأمة، ومبارك الفاضل شداد عن الاتحاديين، وإبراهيم يوسف سليمان عن حزب الشعب الديمقراطي، والتجاني الماحي بصفته أكاديميًا مستقلًا، ولويجي أدوك ممثلًا للجبهة الجنوبية، إلى جانب حكومة مدنية انتقالية برئاسة سرالختم الخليفة. والتي أُصدرت في سياقها دستور 1964م المؤقت، فأسهم في إعادة إحياء النظام البرلماني التعددي بوصفه الإطار الدستوري الحاكم للمرحلة الانتقالية، غير أن هذه الصيغة لم تُحدث قطيعة بنيوية أو تفكيكًا جذريًا مع جهاز الدولة الموروث من سلطة 17 نوفمبر 1958م. إذ ظلّت البيروقراطية المدنية، بما تملكه من خبرات إدارية متراكمة وشبكات تنظيم مؤسسي، إلى جانب الأجهزة الأمنية ذات الامتداد التاريخي داخل بنية الدولة، قائمة وتعمل باستمرارية مؤسسية عالية، بما حافظ على درجة كبيرة من تواصل وظائف الدولة خارج نطاق التحول السياسي نفسه، وأدى إلى استمرار تأثير البنية الإدارية والأمنية الراسخة داخل عملية صنع القرار وإدارة الحكم، وهو ما أبقى على نفوذ ما يُعرف بالدولة العميقة (Deep State) داخل بنية الحكم.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم مفهوم الدولة العميقة (Deep State) بوصفه إطارًا تحليليًا لا يُشير إلى كيان قانوني أو مؤسسة رسمية محددة بذاتها، وإنما إلى نمط من الاستمرارية المؤسسية غير المرئية نسبيًا، يتجسد في شبكة معقدة من الفاعلين داخل أجهزة الدولة البيروقراطية والأمنية والعسكرية والإدارية، ممن يمتلكون قدرة على التأثير المستمر في صناعة القرار العام، بصرف النظر عن تغيّر الحكومات أو تبدّل الأنظمة السياسية أو تعاقب الشرعيات الحاكمة. ويقوم هذا المفهوم على فرضية أن الدولة لا تتكوّن فقط من مؤسساتها الظاهرة مثل الحكومة والبرلمان والقضاء، وإنما تتأسس أيضًا على طبقات أعمق من البنى الإدارية والأمنية المستقرة، التي تضمن استمرارية الدولة ووظائفها الأساسية، لكنها قد تتحول في سياقات الانتقال السياسي إلى فاعل مستقل نسبيًا عن الإرادة السياسية المنتخبة أو الانتقالية.
وبهذا المعنى، فإن الدولة العميقة لا تُفهم بوصفها كيانًا خارج الدولة أو بنية موازية لها، بل بوصفها جزءًا من بنيتها الداخلية الممتدة، المتجذرة في عمق الجهاز البيروقراطي والأمني والإداري، والتي تستمد قدرتها على الاستمرار من استمرارية المؤسسات ذاتها، لا من شرعية الحكومات المتعاقبة أو طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة. فهي تعبير عن مستوى أعمق من الدولة، تتداخل فيه الخبرة الإدارية المتراكمة، وشبكات المصالح المؤسسية، وأنماط العمل الأمني والإداري المستقر، بما يجعلها قادرة على تجاوز التحولات السياسية دون أن تفقد تأثيرها في مسارات القرار العام.
ومن ثم، فإن ثورة أكتوبر 1964م، رغم نجاحها في إنهاء الحكم العسكري رسميًا وإعادة تأسيس النظام البرلماني التعددي بوصفه الإطار الدستوري للمرحلة الانتقالية، لم تُحدث قطيعة بنيوية أو تفكيكًا جذريًا لهذه البنية العميقة. إذ ظلّت مكونات الدولة الإدارية والأمنية قائمة داخل جهاز الدولة، سواء عبر البيروقراطية المدنية بما تمتلكه من خبرات تراكمية وشبكات تنظيم مؤسسي، أو عبر الأجهزة الأمنية ذات الامتداد التاريخي داخل بنية الحُكم، أو من خلال الامتدادات غير المباشرة لهذه البنى داخل مؤسسات الدولة المختلفة.
وبالتالي، فإن استمرار هذه البنية بعد 21 اكتوبر 1964م لم يكن مجرد بقاء إداري طبيعي أو امتداد وظيفي روتيني لمؤسسات الدولة، بل شكّل أحد العوامل البنيوية التي حدّت من إمكانية إحداث تحول جذري في طبيعة الدولة ذاتها. فقد أدى ذلك إلى استمرار تداخل الوظيفة البيروقراطية والأمنية مع مسار الانتقال السياسي، بما جعل عملية إعادة تأسيس الدولة عملية ناقصة من حيث القدرة على تحقيق الفصل المؤسسي الكامل بين السلطة السياسية من جهة، والبنية الإدارية والأمنية العميقة للدولة (Deep State Structure) من جهة أخرى، الأمر الذي أسهم لاحقًا في إعادة إنتاج أنماط الاختلال ذاتها في المراحل الانتقالية اللاحقة.
وقد ترتب على ذلك أن مسار الانتقال السياسي لم يُفضِ إلى إعادة تأسيس كاملة للدولة على أسس جديدة، وإنما حافظ على قدر كبير من الاستمرارية المؤسسية، وهو ما أسهم لاحقًا في إعادة إنتاج الأزمات البنيوية ذاتها في المراحل الانتقالية التالية، وفي تمهيد البيئة العامة لعودة الانقلابات العسكرية وتكرار أنماط الانتقال الهجين داخل الدولة السودانية الحديثة.
(ثانياً): الانتفاضة الشعبية ثورة 07 مارس– 06 أبريل 1985م:
————————————
بدأت شرارة الانتفاضة الشعبية ضد نظام جعفر نميري في 07 مارس 1985م، حين أعلنت نقابة عمال السكة الحديد بمدينة عطبرة الإضراب المفتوح، وهو ما مثّل نقطة الانطلاق لحراك واسع ضد سياسات النظام الاقتصادية والسياسية. ومع تصاعد الأزمة، خرج طلاب جامعة أم درمان الإسلامية في 26 مارس 1985م في مظاهرة كبيرة في امدرمان، سرعان ما تبعتها احتجاجات في الخرطوم ومدن أخرى، لتتحول المطالب من تحسين الأوضاع المعيشية إلى إسقاط النظام نفسه.
ومع اتساع نطاق العصيان المدني بين 31 مارس – 03 أبريل 1985م، دخلت النقابات المهنية بقوة في المشهد، حيث شارك الأطباء والمعلمون والقضاة وأساتذة الجامعات في الإضرابات، مما شلّ قطاعات حيوية من الدولة. هذا التصعيد مهّد لمرحلة جديدة من المواجهة، إذ أعلنت القوى النقابية والسياسية بدء الإضراب السياسي الشامل في يوم 04 أبريل 1985م، فتوقفت المواصلات والكهرباء والاتصالات، وأصبحت العاصمة الخرطوم شبه مشلولة.
وفي يوم 05 أبريل 1985م استمرت التعبئة الشعبية، وبدأت النقابات في تنظيم مسيرات واسعة استعدادًا للحسم. وفي مساء ذلك اليوم، اجتمعت قيادة الجيش برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب وقررت الانحياز إلى الشعب، إدراكًا منها أن النظام فقد شرعيته ولم يعد قادرًا على الاستمرار.
وجاءت اللحظة الحاسمة في صباح يوم السبت 06 أبريل 1985م، حين أعلن الجيش رسميًا سقوط نظام جعفر نميري وتشكيل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الذهب. وبذلك انتهت حقبة سلطة 25 مايو 1969م التي استمرت ستة عشر عامًا، وبدأت مرحلة انتقالية جديدة أعادت فتح المجال السياسي أمام القوى المدنية، وإن بقيت البنية البيروقراطية والأمنية التي أنتجها سلطة نظام 25 مايو 1969م حاضرة في مؤسسات الدولة.
لقد شكّلت ثورة مارس– أبريل 1985م نقطة تحول فارقة؛ إذ أنهت نظام سلطة 25 مايو 1969م وأعادت ترتيب السلطة عبر مؤسسات انتقالية مزدوجة. فمن جهة، تأسس المجلس العسكري الانتقالي بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب وعضوية كل من الفريق تاج الدين عربي، الفريق فتحي أحمد علي، الفريق عبد المجيد خليل، الفريق عبد الرحمن محمد حسن سعيد، الفريق الزبير محمد صالح، والفريق محمد عبد الماجد حامد. ومن جهة أخرى، تشكّلت حكومة مدنية انتقالية برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، ضمت قوى سياسية وكفاءات مدنية مستقلة، لتكون بمثابة الواجهة المدنية للمرحلة الجديدة.
وفي موازاة ذلك، جرى العمل على إعادة صياغة الدستور الانتقالي لعام 1985م الذي أسس لنظام برلماني تعددي، أعاد الاعتراف بالتعددية الحزبية وفتح المجال أمام القوى السياسية للتنافس عبر المؤسسات الدستورية. إلا أن هذه المرحلة، رغم طابعها المدني الواضح، لم تُفكك البنية العميقة للدولة العسكرية-الأمنية التي تراكمت منذ 25 مايو 1969م، وإنما أعادت إنتاجها بصورة انتقالية، بما جعلها مقدمة مباشرة لإعادة تشكّل السلطة في انقلاب 30 يونيو 1989م.
ونواصل في هذه المقالة، لتناول مسار المراسيم الدستورية التأسيسية لنظام ثورة الإنقاذ الوطني (1989م–1998م)، وما تلاها من ترتيبات سياسية ودستورية خلال المراحل اللاحقة (1998م، 2004م–2011م)، وصولًا إلى التوافقات والتحولات التي مهّدت لمرحلة ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م. هذه المرحلة لم تكن مجرد انتقال داخلي، بل جاءت في سياق إقليمي ودولي متشابك، أسهم بصورة مباشرة في إعادة تشكيل البيئة السياسية السودانية، عبر امتدادها التاريخي المتواصل حتى الفترة (2019م–2026م).
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي واستشاري القانون والموثق
10/ 05 / 2026م
The post الفريق شرطة حقوقي.د.الطيب عبد الجليل السودان الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (17) الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (8) first appeared on مسار ميديا.