![]()
الفريق شرطة.د.الطيب عبدالجليل يكتب..السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (18)
الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية(8)
———————————-
سلسلة هذه المقالات، في إطارها التحليلي العام، تخلص إلى أن أزمة الدولة السودانية الحديثة، لا تُختزل في مجرد أزمة تداول سلطة أو تعثّر ديمقراطي عابر، وإنما تتمثل في أزمة تأسيسية عميقة ارتبطت بطبيعة نشأة الدولة نفسها منذ الاستقلال. وتأتي هذه المقالة امتدادًا لما سبقها من مقالات، بهدف توضيح وتعريف ملامح هذه الأزمة وأسسها البنيوية والتاريخية؛ إذ نشأت الدولة السودانية بوصفها دولة (مُعطاة) ودولة (مصطنعة) ودولة (متأثرة خارجيًا) في آنٍ واحد، حيث ورثت النُخب الوطنية جهاز دولة جاهزًا من الحِقبة الاستعمارية، دون أن يسبق ذلك اكتمال عقد وطني–دستوري جامع يحسم أسئلة الهوية والسيادة والشرعية وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف. ونتيجة لذلك، ظلّت الدولة السودانية تتحرك داخل حالة مستمرة من عدم الاكتمال المؤسسي والدستوري، تتداخل فيها الشرعيات الثورية والعسكرية والدستورية والأيديولوجية، دون أن تنجح بصورة نهائية في الاستقرار ضمن نموذج دولة وطنية حديثة مكتملة الأركان.
ومن هذا المنظور، تناولت سلسلة المقالأت مسار (الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية) بوصفها الآلية الأساسية لإعادة إنتاج السلطة داخل السودان الحديث، حيث لم تكن التحولات السياسية مجرد انقلابات عسكرية خالصة أو انتقالات مدنية ديمقراطية مكتملة، بل صيغ هجينة تتداخل فيها المؤسسة العسكرية، والقوى الحزبية، والتيارات الأيديولوجية، والبنية البيروقراطية والأمنية، والقوى الاجتماعية والنقابية، ضمن تحالفات انتقالية مؤقتة تُعيد توزيع السلطة دون تفكيك جذور الأزمة البنيوية للدولة.
وفي هذا السياق، ثورة 21 أكتوبر 1964م هي أول تجربة انتقالية كُبرى، حاولت إعادة تأسيس الشرعية الدستورية بعد إسقاط أول نظام عسكري في السودان الحديث، بإنهاء نظام 17 نوفمبر 1958م. فقد أعادت الثورة النظام البرلماني التعددي عبر دستور 1964م المؤقت، وفتحت المجال السياسي أمام القوى المدنية في مجلس السيادة الانتقالي من مدنيين -رأس الدولة، وحكومة يقودها مدنيين برئاسة سرالختم الخليفة، إلا أن الثورة لم تُحدث قطيعة بنيوية مع جهاز الدولة الموروث من نظام 17 نوفمبر 1958م. إذ استمرت البيروقراطية المدنية والأجهزة الأمنية والعسكرية في أداء أدوارها داخل بنية مؤسسات الدولة، بما حافظ على نفوذ ما يُعرف لاحقًا بالدولة العميقة، أي الشبكات المؤسسية والإدارية والأمنية القادرة على الاستمرار والتأثير بصرف النظر عن تغير الحكومات والشرعيات السياسية. وبهذا المعنى، فإن فترة الانتقال 21 أكتوبر 1964م أعاد إنتاج الدولة أكثر مما أعاد تأسيسها، إذ بقيت البنية المؤسسية القديمة قائمة داخل النظام الجديد الانتقالي، الأمر الذي حدّ من قدرة الثورة على تحقيق تحول جذري في طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
كما تكشف سلسلة المقالات، أن مرحلة ما بعد ثورة 21 أكتوبر 1964م مثّلت نقطة الانطلاق الفعلية لصعود الحركة الإسلامية داخل قلب المجال السياسي السوداني. فقد استفادت الحركة الإسلامية – بقيادة الدكتور حسن الترابي، الذي برز اسمه من خلال نشاطه الفكري والطلابي بجامعة الخرطوم – من هشاشة النظام الحزبي التقليدي ومن حالة السيولة السياسية والفكرية التي أعقبت سقوط نظام 17 نوفمبر 1958م، في ظل بحث القوى السياسية عن صيغ جديدة لإعادة تشكيل الشرعية والدولة بعد المرحلة العسكرية 17 نوفمبر 1958م. ومنذ تلك الفترة، شرعت الحركة الإسلامية في بناء شبكاتها التنظيمية داخل الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، الأمر الذي مكّنها تدريجيًا من تكوين قاعدة اجتماعية وسياسية متنامية تجاوزت الإطار الطلابي إلى المجال العام للدولة والمجتمع.
وفي أعقاب ثورة 21 أكتوبر 1964م، أسست الحركة الإسلامية (جبهة الميثاق الإسلامي عام 1964م)، بإعتبارها إطارًا سياسيًا وتنظيميًا جامعًا، قبل أن تتطور لاحقًا إلى (الجبهة الإسلامية القومية عام 1985م)، التي أصبحت أحد أبرز الفاعلين السياسيين-الاجتماعيين في الحياة السياسية السودانية خلال فترة الديمقراطية الثالثة (1986م–1989م). وقد لعبت الجبهة الإسلامية القومية دورًا محوريًا في التمهيد لانقلاب 30 يونيو 1989م وإقامة نظام (ثورة الإنقاذ الوطني)، وهو تطور تصاعدي يعكس الكيفية التي انتقلت بها الحركة الإسلامية من مجرد قوة طلابية ونقابية إلى فاعل مركزي داخل بنية النظام السياسي السوداني، مستندة إلى استراتيجية طويلة المدى، قامت على التغلغل المؤسسي، وبناء التحالفات، وإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الدولة والمجتمع.
أما الانتقال الثاني المرتبط بانتفاضة 07 مارس – 06 أبريل 1985م، تناولت سلسلة المقالات، بإعتبارها امتدادًا للنمط ذاته من (الانتقال الهجين المدني–العسكري). فقد نجحت الانتفاضة الشعبية في إسقاط نظام جعفر محمد نميري بعد تصاعد الاحتجاجات والإضرابات والعصيان المدني، وتشكلت سلطة انتقالية مزدوجة ضمت المجلس العسكري الانتقالي بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، إلى جانب حكومة مدنية انتقالية برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، كما أُعيد إحياء النظام البرلماني والتعددية السياسية عبر دستور 1985م الانتقالي.
إلا أن المقالات تؤكد أن الانتقال 1985م، رغم طابعه المدني والثوري، لم يُفكك البنية الأمنية–البيروقراطية التي تراكمت خلال سلطة 25 مايو 1969م، بل حافظ على استمراريتها داخل مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، شهدت هذه المرحلة تبلور الصعود السياسي للحركة الإسلامية بصورة أوضح، حيث تحولت الجبهة الإسلامية القومية إلى قوة تنظيمية وبرلمانية مؤثرة خلال الفترة 1986م–1989م، مستفيدة من ضعف الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي)، ومن تماسكها التنظيمي ووضوح خطابها الأيديولوجي، ومن توغلها المتزايد داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والنقابات.
وعليه، فإن الانتقال الذي أعقب انتفاضة 1985م، لم يكن قطيعة بنيوية مع المسار الذي بدأ بعد ثورة 21 أكتوبر 1964م، بل جاء امتدادًا له داخل سياق أكثر تعقيدًا لإعادة إنتاج التوازنات السياسية ذاتها، مع إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين التقليديين وصعود فاعلين جدد، وفي مقدمتهم الحركة الإسلامية، بما عمّق من طابع (الانتقال الهجين) بدلًا من تأسيس تحول ديمقراطي مستقر ونهائي.
وتشير سلسلة المقالات في جوانب منها إلى أن الصعود الإسلامي، لم يكن معزولًا عن السياق الإقليمي والدولي، بل ارتبط بصعود الإسلام السياسي العابر للحدود خلال العقود الأخيرة من الحرب الباردة، وبالشبكات الفكرية والتنظيمية والمالية المرتبطة بالحركة الإسلامية العالمية. ومن ثم، فإن انقلاب 30 يونيو 1989م لا يُفهم فقط بوصفه انقلابًا عسكريًا داخليًا، بل بوصفه تتويجًا لمسار طويل من التغلغل الأيديولوجي والتنظيمي داخل الدولة والمجتمع، وامتدادًا لمشروع إسلامي عالمي سعى إلى إعادة تشكيل الدولة السودانية داخل تصور (رسالي–أممي) يتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية.
وبذلك، فإن سلسلة المقالات، تخلص إلى أن مرحلتي الانتقال في 21 أكتوبر 1964م ، 06 أبريل 1985م، رغم اختلاف السياقات، انتهتا إلى النتيجة البنيوية نفسها: إعادة إنتاج الدولة القديمة داخل صيغ انتقالية جديدة دون تحقيق قطيعة مؤسسية كاملة مع البنية العسكرية–الأمنية–البيروقراطية المتجذرة. كما أسهمتا، بصورة غير مباشرة، في فتح المجال أمام تصاعد دور التيارات الإسلامية وتحولها التدريجي من فاعل سياسي داخل النظام البرلماني إلى قوة مهيمنة على الدولة نفسها عبر انقلاب 30 يونيو 1989م.
ولذلك، فإن الأزمة السودانية الحديثة، كما تطرحها سلسلة المقالات، لا تُختزل – الأزمة – في كونها أزمة أنظمة حكم متعاقبة فحسب، بل هي أزمة تأسيس دولة وطنية حديثة ظلّت تتحرك بين الانتقال والثورة والانقلاب، دون أن تبلغ بعدُ مرحلة الاستقرار الدستوري والمؤسسي النهائي، بما انعكس مباشرة على شرعية الدولة ومشروعها الوطني في بناء وتأسيس الشرعية السياسية.
وحيث تناولت المقالة السابقة (أولًا) الانتقال في 21 أكتوبر 1964م، (ثانيًا) الانتقال المرتبط بالانتفاضة الشعبية في 07 مارس – 06 أبريل 1985م، فإن هذه المقالة تتجه إلى تحليل مرحلتي الانتقال عبر المراسيم الدستورية (1989م –1998م)، ثم الانتقال المرتبط بثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م، من حيث أثرهما في شرعية الدولة ومسار بناء المشروع الوطني.
وفي هذا السياق، يبرز الاختراق الأمني–الاستخباراتي في السودان، باعتباره أحد الأبعاد البنيوية المصاحبة لمسار تشكّل الدولة السودانية منذ الاستقلال عام 1956م، لا بوصفه أحداثًا عابرة أو طارئة، بل كجزء أصيل من طبيعة الأزمة نفسها. إذ ظلّ الجهاز الأمني، منذ نشأته في إطار وزارة الداخلية، جهازًا متداخل الوظائف ومتشابك الأدوار، يتأثر بإرثه التاريخي وبنيته المؤسسية، وبما تراكم داخله من مسارات التسييس وإعادة التموضع، ثم لاحقًا باستقلاليته التدريجية عن وزارة الداخلية في مراحل لاحقة، فضلًا عن تفاعله مع شبكات أمنية واستخباراتية إقليمية ودولية، نشطت في محيطه الجيوسياسي، الأمر الذي انعكس على طبيعة استقلاليته، وعلى قدرة الدولة في بناء جهاز أمني وطني مهني–احترافي مستقل، وعلى ترسيخ شرعية دستورية مستقرة تفصل بين المجال الأمني والمجال السياسي.
ومن ثم، يصبح هذا البُعد مدخلًا ضروريًا، لفهم المراحل اللاحقة التي تتناول تطور الدولة السودانية بين 1969م وما بعدها، وكيف أعاد هذا التشابك البنيوي الداخلي–الإقليمي–الدولي، تشكيل علاقة الدولة بالأمن والسلطة والشرعية.
(ثالثاً) المراسيم الدستورية التأسيسية لبناء نظام ثورة الإنقاذ الوطني 1989م – 1998م:
——————————–
في سياق التحولات السياسية الحادة التي شهدها السودان، نفّذ مجموعة من ضباط الجيش السوداني، في فجر يوم الثلاثين من يونيو 1989م، انقلابًا عسكريًا أطاح بالحكومة الديمقراطية الثالثة (1985م–1989م)، معلنين قيام ثورة الإنقاذ الوطني. ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان مرحلة جديدة اتسمت باندماج السلطة العسكرية مع المشروع الأيديولوجي للحركة الإسلامية، لتتشكل بنية حكم مركبة جمعت بين القوة العسكرية والتنظيم المدني-الأيديولوجي.
وقد تأسّس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني (1989م–1993م)، بوصفه السلطة السيادية العليا آنذاك (مجلس السيادة)، برئاسة العميد عمر حسن أحمد البشير، وعضوية خمسة عشر ضابطًا، كان من أبرزهم: الزبير محمد صالح، وعبد الرحيم محمد حسين، وبكري حسن صالح، وعوض بن عوف، وإبراهيم شمس الدين، وفيصل مدني مختار، ومحمد الأمين خليفة، وصلاح كرار، وعثمان محمد الحسن، وإبراهيم نايل إيدام، وسليمان محمد سليمان، والتيجاني آدم الطاهر، وفيصل أبو صالح، فضلًا عن ثلاثة ضباط جنوبيين هم: بيويو كوان، ودومنيك كاسيانو، ومارتن ملوال. وقد وفّر هذا التشكيل الغطاءَ العسكري للنظام الجديد بوصفه انقلابًا هجينًا مدنيًا-عسكريًا، مارس بموجبه السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأحكم حظر النشاط السياسي.
وعند إمعان النظر في الميول الفكرية والأيديولوجية للضباط المنفذين للانقلاب، يتضح جليًا أن الغالبية العظمى منهم ارتبطت بالحركة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور/ حسن عبدالله الترابي، مما منح المجلس العسكري طابعًا عسكريًا-إسلاميًا واضح المعالم. فقد مثّل عمر حسن أحمد البشير وبكري حسن صالح محورًا عسكريًا-تنفيذيًا- صلباً وظّف الإسلاميين حليفًا استراتيجيًا، في حين كان الزبير محمد صالح وإبراهيم شمس الدين ومحمد الأمين خليفة من أبرز الضباط المرتبطين مباشرةً بالمشروع الإسلامي، إذ تبنّوا خطابًا سياسيًا متشددًا في إدارة الدولة وأجهزتها الأمنية. أما الضباط الجنوبيون الثلاثة فقد اقتصر حضورهم على البُعد الرمزي الدال على شمولية تشكيل المجلس، وظلّت توجهاتهم وظيفية-عسكرية أكثر منها أيديولوجية.
وبذلك، شكّل مجلس قيادة الإنقاذ الوطني تحالفًا عسكريًا-إسلاميًا متماسكًا، أمّن فيه الضباطُ القوةَ التنفيذية، بينما أمدّت الحركةُ الإسلامية المشروعَ الانقلابي بإطاره الأيديولوجي والتنظيمي. وهو ما أسّس لبنية حكم مركبة أعادت صياغة الدولة على أسس أيديولوجية مغلقة أحادية التوجه، وكرّست اندماج السلطة التنفيذية مع الأجهزة الأمنية والتنظيمية في إطار مشروع شامل لإعادة إنتاج السلطة.
وانطلاقًا من هذا التأسيس الأولي لبنية السلطة الانقلابية-الاسلامية التوجه، انتقلت الدولة السودانية تدريجيًا إلى مرحلة أكثر تركيبًا وتماسكًا في إعادة بناء مؤسساتها، عبر ما عُرف بالمراسيم الدستورية التأسيسية التي حكمت مسار تطور نظام الإنقاذ خلال الفترة (1989م–1998م)، وشكّلت الإطار الفعلي لإعادة هندسة الدولة سياسيًا ودستوريًا وإداريًا. ولم تكن تلك المرحلة انتقالًا ديمقراطيًا بالمفهوم التقليدي، بل كانت مسارًا لإعادة بناء الدولة عبر منظومة متكاملة من المراسيم الدستورية والقوانين الاستثنائية ذات الطابع التأسيسي، التي أعادت تشكيل بنية الحكم والعدالة والأمن والإدارة العامة على نحو جذري. وقد شملت هذه المنظومة، على سبيل المثال لا الحصر: قانون بيع الأموال المرهونة 1990م، والقوانين الجنائية 1991م، وقوانين الجوازات والهجرة والجنسية السودانية 1994م، إضافةً إلى قوانين تنظيم وإعادة هيكلة القوات النظامية (الجيش، الشرطة، جهاز الأمن والمخابرات الوطني.
ومثّلت هذه القوانين على سبيل المثال في جوهرها، أداةً مركزية في تمكين السلطة الجديدة، وإعادة تعريف وظائف الدولة وحدود تدخلها؛ ليس فقط عبر إعادة توزيع السلطة بين مؤسساتها، بل أيضًا من خلال إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القانون والسيادة، وبين الانتماء والهوية السياسية. ويبرز في هذا الإطار قانون الجنسية السودانية الصادر بمراسيم دستورية مؤقتة، بإعتباره أحد أهم هذه الأدوات التشريعية التأسيسية في إعادة تعريف مفهوم (السوداني قانونيًا وسياسيًا)؛ إذ لم يقتصر أثره على تنظيم الرابطة القانونية بين الفرد والدولة، بل امتد إلى الركن الشخصي للدولة بمفهومه الدستوري الدقيق، أي تحديد من تسري عليه أحكام السيادة الوطنية؟ ومن يُعدّ جزءًا من الجماعة السياسية المؤسِّسة للدولة؟. ومن ثَمَّ، لم تعد الجنسية مجرد وضع قانوني إجرائي، بل أصبحت تعبيرًا عن فلسفة الدولة في تعريف ذاتها، وضبط حدود انتمائها، وتحديد علاقتها بمجالها الإقليمي والسيادي.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أن قانون الجنسية السودانية لعام 1957م، مع تعديلاته الجوهرية لعام 1972م، قد شكّل الإطار القانوني الوطني المؤسِّس لمفهوم المواطنة في مرحلة ما بعد الاستقلال 1956م، حيث استند في بنائه المعياري إلى معايير الإقامة التاريخية المستقرة داخل حدود إقليم السودان، والارتباط بالمجال الجغرافي للدولة، والاستمرارية داخل حدودها السياسية المعترف بها دوليًا. وبذلك، أسّس لمفهوم المواطنة بوصفها انتماءً سياديًا إلى دولة وطنية حديثة ذات حدود محددة المعالم، وربط بصورة مباشرة بين الانتماء القانوني والسيادة الإقليمية، وحدّد العلاقة بين الفرد والدولة ضمن إطار قانوني يعكس فلسفة الدولة الوطنية الحديثة في تأسيس رابطة المواطنة على معيار السيادة الإقليمية.
وفي هذا الإطار التاسيسي للدولة السودانية 1956م، جاء قانون الجنسية السودانية لعام 1957م في جانب جوهري منه متجاوزًا للإشكاليات البنيوية التي أثارها قانون تعريف السوداني لعام 1948م، الذي صِيغ في سياق استعماري لم تُحسم فيه بصورة وطنية مستقلة مسألةُ الركنين الشخصي والإقليمي للدولة. فقد ارتبط ذلك القانون في أبعاده الجوهرية باعتبارات الإدارة الاستعمارية، وحدّد الإقليم المُكسِب للجنسية السودانية بتاريخ الحادي والثلاثين من ديسمبر 1897م، في إحالة مباشرة إلى سياقات سياسية تخص طبيعة العلاقة المصرية-السودانية في ظل الحكم الثنائي الأنجلو-مصري وتوازناته الإقليمية الحساسة.
وفي المقابل، أعاد قانون الجنسية السودانية 1957م تأسيس مفهوم الجنسية ضمن مرجعية وطنية مستقلة، إذ ربط الإقليم المُكسِب للجنسية بتاريخ الأول من يناير 1924م، في إحالة رمزية دالة إلى ثورة اللواء الأبيض التي قادها عدد من ضباط قوات دفاع السودان والمثقفين السودانيين في الخرطوم في مواجهة مباشرة مع المستعمر، بوصفها إحدى المحطات التأسيسية الكبرى في مسار تشكّل الوعي الوطني السوداني الحديث. وقد ارتبطت هذه الثورة بأسماء لامعة في تاريخ النضال الوطني، في مقدمتها: علي عبد اللطيف، الضابط والمفكر الذي صاغ أول عريضة سياسية تطالب بحقوق السودانيين؛ وعبيد حاج الأمين، أحد أبرز القيادات التنظيمية لجمعية اللواء الأبيض؛ وعبد الفضيل الماظ، الضابط الذي قاد المواجهة المسلحة الشهيرة في مواجهة القوات البريطانية؛ وصالح عبد القادر، وكيل الجمعية وأحد مؤسسيها؛ وزكي عبد السيد، القاضي الشرعي بمدينة سنار والعضو البارز في قيادتها الفكرية والتنظيمية. يُضاف إلى هؤلاء شخصيات أسهمت في توسيع قاعدة الجمعية بين المدنيين والعسكريين، من بينهم: حسن صالح المطبعجي، وحسين محمد شريف، والأمين هساي. وقد عكست هذه الإحالة التاريخية محاولةً جادة لتأسيس مفهوم الجنسية السودانية على ذاكرة وطنية سيادية راسخة، مستقلة عن الإرث الاستعماري السابق، ومنحازة إلى هوية وطنية متماسكة تستمد شرعيتها من تاريخ النضال السوداني نحو الاستقلال والسيادة. وقد أبقت تعديلات عام 1972م على هذا التحديد الزمني للإقليم المُكسِب للجنسية كما أرساه قانون 1957م، بما يعكس استمرارية المرجعية الوطنية ذاتها في تعريف رابطة المواطنة خلال تلك المرحلة.
إلا أن التحولات الانتقالية الثورية التي أعقبت عام 1989م، في سياق المراسيم الدستورية التأسيسية لنظام الإنقاذ خلال الفترة (1989م–1998م)، أعادت النظر بصورة جوهرية في هذا الإطار المرجعي الوطني التاريخي، ضمن رؤية جديدة لمفهوم الانتماء والسيادة. فقد جاءت مرحلة المراسيم الدستورية تلك في سياق إقليمي أكثر انفتاحًا، اتسع فيه نطاق الحركة السكانية وتصاعدت الهجرات العابرة للحدود، وتداخلت فيه الاعتبارات القانونية والأمنية والسياسية والديمغرافية مع تصورات أيديولوجية ذات نزعة عابرة للحدود القومية، قلّلت في بعض جوانبها من مركزية الحدود السياسية التقليدية في تعريف مفهوم الانتماء الوطني، مستندةً في ذلك إلى مبدأ أيديولوجي أحادي النظر، يرى أن الرابطة الدينية تعلو على الحدود السياسية وتتخطى قيود الجغرافيا السياسية للدولة الوطنية.
وقد تجلّى هذا التوجه الأيديولوجي بصورة مباشرة على الصعيد التشريعي في تعديل التحديد الزمني للإقليم المُكسِب للجنسية السودانية الذي أرساه قانون 1957م، إذ جرى بموجب قانون الجنسية السودانية لعام 1994م الصادر بمرسوم دستوري مؤقت تحويل تاريخ الإقليم المرجعي من الأول من يناير 1924م إلى الأول من يناير 1956م، وهو تاريخ إعلان استقلال السودان ونيله سيادته الوطنية الكاملة. وقد جاء هذا التعديل في ظاهره معبِّرًا عن ربط رابطة المواطنة باللحظة الدستورية المؤسِّسة للدولة المستقلة، بيد أن قراءته في ضوء السياق العام لمرحلة المراسيم الدستورية المؤقتة (1989م–1998م) ذاتها، وما اتسمت به من توسع ملحوظ في منح الجنسية السودانية لجماعات ذات امتدادات عرقية وقبلية عابرة للحدود الإقليمية، تكشف أنه لم يكن مجرد تعديل تقني في التأريخ، بل انطوى على أثر بنيوي عميق في إعادة تعريف نطاق الانتماء القانوني للدولة السودانية. ذلك أن تقليص الفترة الزمنية المرجعية من 1924م إلى 1956م، في غياب ضوابط مؤسسية صارمة، أسهم عمليًا في توسيع دائرة المؤهلين للحصول على الجنسية السودانية من خلال الارتباط بإقليم الدولة، بما انعكس على البنية الديمغرافية لمفهوم المواطنة السودانية، وأعاد تشكيل الركن الشخصي للدولة في سياق سياسي وأيديولوجي بالغ الحساسية.
وفي هذا السياق التشريعي القائم على المراسيم الدستورية المؤقتة، لم تعد الجنسية تُفهم فقط باعتبارها رابطةً قانونية مرتبطة بالإقليم والسيادة الوطنية، بل أُعيد توظيفها ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة المجال السياسي والاجتماعي. وقد تجلّى ذلك عمليًا في التوسع في منح الجنسية السودانية لشرائح وجماعات ذات امتدادات عرقية وقبلية وإثنية عابرة للحدود الإقليمية مع دول الجوار، دون أن يكون ذلك في جميع الأحوال مندرجًا ضمن تصور مؤسسي متكامل لإدارة التعدد الإثني والثقافي المركّب الذي يميز النسيج الاجتماعي السوداني، أو منبثقًا من سياسة وطنية شاملة تستحضر الآثار البنيوية للتحولات الديمغرافية على مفهوم المواطنة وتوازنات الدولة الداخلية. وقد امتدت هذه السمة التشريعية لتطال مجالات متعددة تتصل مباشرة بجوهر الدولة وهويتها؛ إذ وُظِّفت المراسيم الدستورية المؤقتة أداةً لتنظيم مسائل بالغة الحساسية، تشمل الهوية الوطنية والسيادة الإقليمية والانتماء القانوني من جهة، والبنية الاقتصادية للدولة من جهة أخرى، كما يتجلى في قانون بيع الأموال المرهونة لعام 1990م نموذجًا دالًا على هذا التوجه. وقد أفضى ذلك إلى منح السلطة التنفيذية صلاحيات تقديرية مرنة في إعادة تعريف شروط الانتماء القانوني، وإعادة ترتيب موازين العلاقة بين الدولة والمجتمع، خارج الأطر الدستورية الراسخة التي تكفل الرقابة والتوازن بين السلطات.
وقد أفضى ذلك كله إلى إعادة تشكيل جزئي للبنية الديمغرافية ومفهوم الانتماء القانوني، في ظل تداخل اعتبارات الأمن والسياسة والديمغرافيا مع الاعتبارات الأيديولوجية، أكثر من كونه نتاجًا لرؤية تأسيسية متماسكة لإدارة التنوع الوطني بوصفه عنصرًا بنيويًا في الدولة. ومن ثَمَّ، فإن هذه التحولات لم تكن مجرد تعديلات قانونية تقنية، بل مثّلت إعادة تشكيل لمفهوم المواطنة ذاته، وانعكست بصورة مباشرة على العلاقة بين الهوية القانونية للدولة وواقعها الاجتماعي والثقافي المتعدد، وأعادت فتح سؤال الانتماء الوطني في سياق أكثر تعقيدًا مما عرفته مرحلة ما بعد الاستقلال. وبهذا المعنى، تحوّلت الجنسية من أداة قانونية لتنظيم الانتماء الوطني داخل حدود الدولة الوطنية إلى أداة سياسية-تأسيسية ذات أثر مباشر على إعادة تشكيل البنية الديمغرافية وإعادة تعريف المجال الاجتماعي والسياسي للدولة، بما جعل من منظومة قوانين الجنسية والجوازات والهجرة خلال تسعينيات القرن العشرين جزءًا من مشروع أشمل لإعادة تأسيس الدولة نفسها عبر توظيف القانون أداةً مركزية لإعادة إنتاج السلطة، وإعادة تعريف الهوية والانتماء، وضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ مما جعل من مسألة الجنسية أحد المفاتيح البنيوية الكبرى لفهم تحولات الدولة السودانية في تلك الحِقبة 1989م – 2019م، وما ترتّب عليها لاحقًا من تعقيدات متشعبة متصلة بالهوية والسيادة والمواطنة وإدارة التنوع الوطني.
وفي هذا السياق، بدأت مرحلة الانتقال الانقلابي لنظام الإنقاذ 1989م بتأسيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني (1989م–1993م) بوصفه السلطة السيادية العليا للدولة في لحظتها التأسيسية الأولى، برئاسة الفريق أول عمر حسن أحمد البشير، وعضوية عدد من الضباط الذين شكّلوا البنية العسكرية الصلبة للنظام الناشئ، وفي مقدمتهم: الزبير محمد صالح، وعبد الرحيم محمد حسين، وبكري حسن صالح، وعوض بن عوف، وآخرون. وقد عكس هذا التشكيل العسكري في جوهره الطابعَ المؤسِّس للسلطة الجديدة، التي ارتكزت في لحظتها الأولى على القوة العسكرية بوصفها الرافعة الأساسية لإعادة هندسة الدولة وضبط مساراتها السياسية والمؤسسية.
وفي موازاة ذلك، برزت البنية التنظيمية المدنية–الأيديولوجية للحركة الإسلامية بقيادة الدكتور/ حسن عبد الله الترابي، بوصفها شريكًا محوريًا في صياغة التوجه العام للدولة وإعادة هندسة مؤسساتها الفكرية والتشريعية، الأمر الذي منح النظام الانقلابي 1989م منذ بدايته طابعًا مركبًا يجمع بين السلطة العسكرية من جهة، والقيادة التنظيمية المدنية–الأيديولوجية من جهة أخرى، في صيغة حُكم وسُلطة تتداخل فيها الوظائف السياسية والتنظيمية والتكنوقراطية.
وعلى هذا الأساس، لم تكن الدولة 1989م تُدار عبر حكومة مدنية مستقلة تقليدية، بل عبر بنية حكم مركبة، تتداخل فيها العسكري بالمدني التنظيمي والتكنوقراطي، حيث برزت نُخبة مدنية صلبه مؤثرة داخل مفاصل الدولة، تولّت إدارة القطاعات الاستراتيجية وصياغة السياسات العامة، ومن أبرزها: الدكتور/ حسن عبدالله الترابي: العقل المؤسس للمشروع الأيديولوجي والتشريعي وإعادة هندسة الدولة؛ وعلي عثمان محمد طه: فاعل دستوري وتنفيذي مركزي في إدارة الدولة وإعادة توزيع السلطة؛ والدكتور/ علي الحاج محمد: وزير تخطيط واقتصاد وشخصية تنظيمية مؤثرة؛ الدكتور/ مجذوب الخليفة: تولّى وزارات ومهام تنفيذية متعددة؛ الدكتور/ عبد الوهاب عثمان: وزير المالية والتخطيط الاقتصادي؛ الدكتور/ عبد الرحيم حمدي: وزير للمالية لمراحل مختلفة وصاحب توجهات اقتصادية مؤثرة في إعادة هيكلة الاقتصاد؛ الدكتور/ عوض الجاز: من الكوادر الاسلامية الصلبة وشغل وزير الطاقة والتعدين؛ الدكتور/ غازي صلاح الدين: فاعل سياسي وتنفيذي في مجالات الإعلام والخارجية لاحقًا؛ الدكتور/ نافع علي نافع: كادر إسلامي صلب وفاعل تنظيمي–تنفيذي مؤثر في إدارة الدولة والأجهزة.
كما تشكلت إلى جانب ذلك طبقة تكنوقراطية مدنية، تولّت إدارة قطاعات الاقتصاد والمالية والتعليم والإدارة العامة، ضمن منظومة عُرفت لاحقًا بسياسات (التمكين)، بما جعل الإدارة العامة جزءًا من مشروع إعادة تشكيل الدولة وإمتلاكها، لا مجرد جهاز محايد لإدارة الشأن العام.
ثم انتقلت هذه البنية تدريجيًا إلى مرحلة إعادة الترتيب المؤسسي (1993م – 1998م)، حيث جرى تفكيك مجلس قيادة الثورة تدريجيًا، وتعزيز مركزية رئاسة الجمهورية بقيادة عمر البشير رئيساً في مؤسسة رأس الدولة، مع إعادة توزيع السلطة داخل مؤسسات الدولة، وصولًا إلى تقنين البناء السياسي الانقلابي الآيديولوجي في دستور 1998م، الذي مثّل تتويجًا للمراسيم الدستورية التأسيسية، وشرعن مركزية السلطة التنفيذية واندماجها المتزايد مع البنية الأمنية والتنظيمية والبيروقراطية للدولة. وبذلك، يمكن توصيف المرحلة 1989م – 1998م بأنها مرحلة (المراسيم الدستورية التأسيسية لبناء نظام ثورة الإنقاذ الوطني 1989م – 1998م)، ذات البنية المركبة التي جمعت بين العسكري والمدني التنظيمي والتكنوقراطي، في إطار مشروع شامل لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها ووظائفها.
وللمقالة بقية، نواصل فيها الحديث عن ثورة الثامن عشر من ديسمبر 2018م وما أفضت إليه من سقوط نظام الإنقاذ في الحادي عشر من أبريل 2019م، باعتبارها المرحلة الأكثر تعبيرًا عن التراكم التاريخي العميق لنماذج الانتقال السياسي والانقلابات الهجينة المدنية-العسكرية التي عرفها السودان منذ ثورة أكتوبر 1964م، مرورًا بانتفاضة أبريل 1985م، والمراسيم الدستورية الانتقالية لمرحلة الإنقاذ (1989م–1998م)، وصولًا إلى المرحلة الانتقالية التي أعقبت اتفاقية السلام الشامل (2005م–2011م). فقد مثّلت هذه المرحلة خلاصةً متراكمة لأزمات الشرعية السياسية المتجددة، وإشكاليات تداخل المؤسسة العسكرية مع المجال السياسي المدني، واستمرار حضور بنى الدولة العميقة وتحكمها في مسارات التحول، وتعثر تأسيس دولة دستورية حديثة قائمة على الفصل الحقيقي بين السلطات وسيادة القانون.
وتتميز هذه المرحلة، فضلًا عن ذلك، بسمة بنيوية بالغة الأهمية، تتمثل في تعاظم الاختراقات الأمنية والاستخباراتية ذات الأبعاد الإقليمية والدولية داخل بنية الدولة السودانية ومساراتها الانتقالية، بما جعل الصراع على السلطة متشابكًا مع شبكات التأثير الخارجي والمصالح الجيوسياسية المتنافسة، ومُقيَّدًا بها في آنٍ واحد. ولهذا كله، يُمثّل تناول هذه المرحلة مدخلًا أساسيًا لا غنى عنه لفهم أزمة الشرعية والسيادة وبناء الدولة الوطنية في السودان في صورتها الأشد تعقيدًا وتركيبًا، والأكثر كشفًا عن عمق التحديات البنيوية التي تواجه مسار الانتقال الديمقراطي في هذا البلد، الذي طال معاناة أهله، وتشعّبت أزماته، وبات استحقاق الدولة الوطنية الحديثة فيه رهينًا بإرادة سياسية جامعة تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
فريق شرطة (حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحامي واستشاري القانون والموثق
12/ 05 / 2026م
The post الفريق شرطة.د.الطيب عبدالجليل يكتب..السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (18) الانقلابات الهجينة المدنية–العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية(8) first appeared on مسار ميديا.