![]()
طُويت صفحة فيلق العمال المصري، المعروف اختصارًا بـ”الفيلق المصري“، الذي أُجبر أفراده على المشاركة في الحرب العالمية الأولى، وغابت الحقيقة تحت مظلة صحف تسيطر عليها السلطة الإنكليزية، وفي ظل أمية الفلاحين التي منعتهم من تسجيل تجربتهم.
لم تبقَ سوى الروايات الشفهية والقليل من الدلائل والوثائق المكتوبة، فيما دُفنت الحقيقة مع من ماتوا في أراضي المعارك، ووُوروا في مقابر جماعية من دون شواهد قبور.
فما قصة الفيلق المصري؟
في أغسطس/ آب 1914، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، فأصدر مجلس الوزراء المصري قرارًا بإسناد مهمة الدفاع عن مصر إلى القوات العسكرية البريطانية المهيمنة على الأراضي المصرية منذ عام 1882.
ويلفت شكري مجاهد، أحد أحفاد الفلاحين ومترجم كتاب “فرقة العمال المصرية“، إلى أن البريطانيين وجدوا، مع بدء الحرب العالمية، أنهم لا يستطيعون إدارتها على المستويين القتالي واللوجستي، فقرروا الاستعانة بأبناء المستعمرات.
وبحسب ما يقول، راح الإنكليز يقدمون الإغراءات للمصريين للانضمام إلى الفرق المختلفة، ومنها فرقة العمال المصرية.
وحاول الباحث كابل أندرسون، مؤلف كتاب “فرقة العمال المصرية“، جمع وإحصاء أعداد المصريين الذين شاركوا في تلك الفرقة.
وبعد البحث في الكتب والمصادر القليلة المتاحة، توصل إلى تقدير يفيد بمشاركة نحو 500 ألف مصري في الحرب العالمية الأولى بين عامي 1915 و1921.
ويشير الدكتور محمد أبو الغار، مؤلف كتاب “الفيلق المصري“، إلى ما دوّنه سعد زغلول في مذكراته، إذ شاهد أفرادًا من الشرطة المصرية يلقون القبض على فلاحين، ولدى سؤاله عنهم علم أنهم يُؤخذون إلى الفيلق المصري.
فبعدما تحولت أوروبا إلى ساحة حرب كبيرة، أرسل اللورد بلفور، وزير الخارجية البريطاني، إلى المندوب السامي البريطاني يطلب منه تجهيز قوة مدنية من الفلاحين المصريين للقيام بالأعمال المساعدة للجيش البريطاني، فيما عُرف لاحقًا باسم فيلق العمال المصري.
ويشير أبو الغار إلى أن قبضة السلطة كانت أقوى في الصعيد، ولذلك كان إحضار الفلاحين منه أسهل مقارنة بالوجه البحري.
فالأخير، وفق ما يوضح، شهد قدرًا أكبر بعض الشيء من المقاومة والحرية وانتشار التعليم.
وبينما بدأ الأمر بالطلب والإغراء، انتهى إلى فرض التجنيد، بحسب شكري مجاهد.
ويقول: “هل كان من الممكن أن يأخذوا 4% من سكان مصر؟ لا، كان من المستحيل أن يجمعوا ذلك العدد بصورة طوعية”.
“قوائم التغريبة”.. العمدة يختار من يرحل
بدأت الصحف الموالية للاحتلال البريطاني الترويج لمزايا الالتحاق بالفيلق، وإقناع الأهالي بأن حياتهم ستصبح أفضل بانضمامهم إلى العمل في معاونة الجيش البريطاني.
واجتمع الفقر الشديد مع الدعاية الكاذبة لإقناع عدد قليل من المصريين بالتطوع للالتحاق بالفيلق، إلا أن كل تلك الإغراءات لم تجدِ نفعًا.
وعلى الأثر، قررت السلطة الإنكليزية أنه لم يعد أمام المصريين مجال للاختيار، وأن الالتحاق بالفيلق المصري يجب أن يصبح إجباريًا.
ويذكر كابل أندرسون أن المقاولين وجدوا صعوبة في تأمين العدد المطلوب من العمال، فاستعانوا بنظام إدارة القرى التابع لوزارة الداخلية.
وكان رئيس القرية أو العمدة يؤدي دور حلقة الوصل بين المقاولين والعمال، وعليه ضمان توفير عدد معين من العمال كل شهر، بأي وسيلة ممكنة.
ويشرح مجاهد أن “هؤلاء العمال اتُبع معهم أسلوب الإغراء في بادئ الأمر، ولما لم يفلح، استُخدمت القسوة، فجمعوهم في مراكز ثم شحنوهم كما تُشحن البضاعة في السفن”.
وتعرّض الفلاحون المصريون، الذين لم يركب كثير منهم البحر من قبل، لهجمات الجيش الألماني بغواصاته وسفنه، وفق ما يضيف.
أما “قوائم التغريبة“، كما أسماها الفلاحون، فكانت تخطها يد العمدة، إذ تحكمت أهواؤه في مصائر رجال القرية، وحركتها الرشوة والمحسوبية والمكائد والأحقاد.
وكان مصير كل من لا يستطيع دفع الضريبة الباهظة التي فرضها العمد للإعفاء من السفر، الترحيل مع الفيلق إلى بلاد الموت والحرب.
“من أبى الختم منهم، ضربوه حتى يختم. وفي أغلب المراكز ختّام يصنع الأختام لمن يُكرَهون على التطوع. ولقد حدثت حوادث كثيرة بين الأهالي والحكام بسبب هذا الخطف، قُتل وجُرح فيها الكثيرون”.
الزعيم المصري سعد زغلول في مذكراته
وعند الغروب، بينما يحمل الفلاحون فؤوسهم على أكتافهم عائدين إلى منازلهم، كان التوقيت مثاليًا لاصطيادهم قسرًا وتكبيلهم بالحبال واقتيادهم في طوابير من المخطوفين يحركها الكرباج والعصا.
ويلفت كابل أندرسون إلى أن العمال كانوا يُقيّدون بعضهم ببعض، ثم يُقتادون سيرًا على الأقدام من قراهم إلى أقرب مركز في المنطقة.
ويشير إلى أن “من اجتاز الفحوصات انضم إلى فيلق العمال المصري”.
الصحافي سلامة موسى في مذكراته
ويروي شكري مجاهد أنه تعرّف إلى قصة فرقة العمال المصرية على مراحل. فقد كان يعلم أن جده سافر إلى مارسيليا وعمل هناك، كما ذهب إلى مكان ما في تركيا للعمل أيضًا.
ويشير إلى أن جده ربما ذهب إلى فلسطين كذلك، لكنه لم يكن يعرف السبب، ولم يسمع باسم فرقة العمال المصرية قبل أن يُعرض عليه الكتاب.
ويوضح كابل أندرسون أن الفلاحين قاوموا التجنيد الإجباري بطرق مختلفة، كان أولها المقاومة الفردية، فيما كانت مقاومة الأسرة الشكل الأكثر شيوعًا.
خلف الجبهات.. ماذا فعل المصريون؟
عمل المصريون في الفيلق في مجالات البناء ومعاونة الجيش الإنكليزي، فشاركوا في مد السكك الحديدية وحفر الخنادق وبناء المعسكرات والمنشآت.
كما عملوا في حمل المؤن ونقل البضائع في الموانئ. وشهدت مذكرات الجنود الإنكليز وخطاباتهم بقدرة العمال المصريين على العمل بكدّ والتحمل، وتنفيذهم مهام لم يكن العمال الفرنسيون والإيطاليون يقوون عليها.
كانت أعمالًا شاقة لا يخففها عنهم سوى أغاني الحنين إلى بلادهم، التي بقيت في الذاكرة المصرية حتى يومنا هذا. ولا يزال المصريون يدندنون بعضها باعتبارها أغنيات تراثية، من دون أن يعرفوا أنها كلمات كُتبت بالدم والدموع.
ويشير أبو الغار إلى “فيلق الجمال“، إذ صودرت معظم جمال مصر تقريبًا برفقة الجمّالين، لاستخدامها في نقل المؤن والحاجيات.
ويتحدث عن صعوبة الرحلات التي كانت الجمال تخوضها وصولًا إلى فلسطين وسوريا ولبنان، لافتًا إلى تعرضها لغارات جوية أودت بحياة كثيرين.
ويتوقف عند مشاركة المصريين في بناء خط للسكك الحديدية يمتد من قناة السويس إلى خانيونس ومنها إلى القدس، ثم وُصل هذا الخط بآخر قديم أنشأته الدولة العثمانية.
وسمح الخط، بحسب كابل أندرسون، بالسفر من مصر إلى فلسطين وسوريا. كما يشير الباحث إلى بناء خط أنابيب لنقل المياه من قناة السويس إلى سوريا.
وفي هذا السياق، ذكر إدموند ألنبي، المندوب السامي البريطاني في مصر، أنه تابع فرقة العمال المصرية منذ اليوم الأول من القتال.
وأضاف: “كانت تسير وراءهم في زحفهم، وتعمل بهمة ونشاط ونجاح في تحسين الطرق. وقد كانت بعض فصائل الفرقة تعمل في خطنا الأصلي، وبهذا فإن مصر مسؤولة إلى حد كبير عن نجاح الحلفاء في فلسطين”.
وبرأي مجاهد، كان الفارق بين البريطاني والمصري في تلك الحرب أن البريطاني حمل السلاح، أي إنه أدى “دور القاتل الهادم”، فيما حمل المصري أدوات البناء والإنشاء، فشق الطرق وبنى السكك الحديدية والمآوي التي تحمي من القتل.
عندما رفض المصريون، جرى إجبارهم من خلال العمدة والمأمور، وأُبعد الفلاح عن أسرته وضد رغبته ليذهب إلى مكان صعب وخطر. وبعد ذلك أُجبر على تقديم حماره وجمله، اللذين كان ينقل عليهما ما ينتجه، إلى القوات المحاربة”.
توماس راسل، حكمدار القاهرة، في مذكراته
وفي بغداد، حيث كان البريطانيون يحتلون العراق، نظم المصريون، الذين بلغ عددهم نحو ألف، قوات الشرطة، بحسب كابل أندرسون.
ويرى الباحث أن تلك نقطة مهمة، فالمصريون لم يكونوا جنودًا مقاتلين، ولم يحملوا السلاح أو يتدربوا على استخدامه، وإنما عملوا خلف الجنود وأدوا المهام اللوجستية.
رصاص وجلد ومجاعات
ويؤكد مجاهد أن المصري، رغم ذهابه لمعاونة البريطاني، لم يُعامل معاملة رفيق السلاح، ولا حتى معاملة التابع الذي يستحق الشكر على الخدمة التي يقدمها.
يقول عبد الحميد محمد حسن، وهو أحد فلاحي فرقة العمال، في رسالة له: “مكثنا هناك ثلاثة شهور، ثم تظلمنا بسبب الإجازات، فأطلق الإنكليز الرصاص علينا لقمعنا”.
وينبّه مجاهد إلى أثر غياب الفلاحين عن الأراضي الزراعية في المحاصيل، وكذلك إلى أوضاع العمال بالأجرة وأسرهم، متسائلًا عمن كان سيعيل تلك الأسر بعد أخذ أبنائها إلى الفيلق.
ويؤكد أن هذا الواقع كان أحد مظاهر لا إنسانية البريطانيين، الذين لم يكترثوا بمصير الأسرة حين يُنتزع منها معيلها الوحيد.
وفي السياق عينه، يلفت أبو الغار إلى أن الفلاحين هربوا وتركوا أراضيهم حتى لا يأخذهم الإنكليز إلى الحرب، فحدثت مجاعات في مناطق من شمال الدلتا، ليس فقط بسبب تراجع الزراعة، وإنما أيضًا لأن الإنكليز وضعوا أيديهم على جزء كبير من المحاصيل.
“أُطلق عياران في الهواء أولًا، ثم عياران عند موطئ أقدامهم. فلما لم يردعهم ذلك، أمر الضباط بإطلاق النار عليهم، فقُتل خمسة وأصيب تسعة أو عشرة. ولم ينتهِ الأمر إلا بذلك. كان منظرًا فظيعًا، وكان أثر منظر الدم على المصريين فوريًا، حتى إن ضباطنا ولّوا ظهورهم كي لا يروا المنظر”.
الضابط الإنكليزي فريد كارت في مذكراته
ويعلّق كابل أندرسون بأن محكمة العمل المصرية تشير إلى أسباب أخرى دفعت الناس إلى الاحتجاج عام 1919، وربما كان بعض هؤلاء المتظاهرين من مؤيدي سعد زغلول.
ويرى أن ثورة 1919 كانت معقدة ومتنوعة ودقيقة، مضيفًا: “لا يمكن أن نفكر في الأمة المصرية باعتبارها كيانًا واحدًا وفاعلًا واحدًا اتحد وعمل في انسجام تام”.
فسكان المدن، وإن كانوا يعانون من الفقر مثل سكان الريف، لم يكونوا خاضعين لسطوة عمدة يتحكم في أقدارهم.
أما من كان يرفض التطوع ويقاوم رجال الشرطة، فكان مصيره القتل لمجرد أنه قال لا للسلطة.
ويرصد الأرشيف البريطاني 35 واقعة عنف أدت إلى مقتل 23 مصريًا واعتقال 85 آخرين عام 1918. وتقتصر هذه الحصيلة على الوقائع التي وثقتها سجلات الاحتلال البريطاني.
ويوضح أبو الغار أن ثورة الريف أسهمت في نجاح ثورة 1919، إذ شهدت المناطق الريفية عنفًا وانتقامًا شديدين من الإنكليز على أيدي من أُخذوا إلى الحرب وعادوا أواخر عام 1918، وهم يشعرون بالحنق على الاحتلال والسلطات المحلية.
وحصلت حينها اعتداءات على مراكز الشرطة والعمد في القرى، وسقط قتلى وخرجت مظاهرات في القرى الصغيرة، وفق ما يضيف.
وحين اشتعلت شرارة ثورة 1919 في القاهرة، انتقلت الاحتجاجات إلى الريف المصري. وكان من أولى صورها منع ترحيل الفلاحين إلى الفيلق وتحريرهم من محابسهم، قبل نقلهم في قطارات الترحيل داخل عربات المواشي.
وهاجم الفلاحون في مختلف أنحاء مصر وسائل المواصلات، وقطعوا خطوط السكك الحديدية وأعمدة التلغراف والهاتف، كما هاجموا مراكز الإنكليز.
وكانت الثورة في الريف والصعيد أشد عنفًا منها في المدن؛ فالريف كان يثأر لأبنائه.
بلغ تعداد مصر آنذاك نحو 12 مليون نسمة، وكان لغياب أكثر من 4% من السكان في الفيلق، وجميعهم من الرجال ومعظمهم من الفلاحين، أثر سلبي في بنية المجتمع؛ إذ زاد الفقر والجوع والأمراض، وانتشرت الرذيلة وارتفعت معدلات الجريمة، كما رصد الكاتب صلاح عيسى في كتابه “رجال ريّا وسكينة”.
ووفقًا لمحاضر التحقيقات، التحق عدد من رجال ذلك التشكيل العصابي بالفيلق، وعند عودتهم ارتكبوا جرائم لم تشهد مصر مثيلًا لبشاعتها من قبل.
الإجابات وأكثر في الحلقة المرفقة من برنامج “مذكرات”.
