![]()
يشهد التصعيد بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين تحركات إقليمية متزايدة، في ظل اتساع المخاوف من تداعيات المواجهة على أمن المنطقة واستقرارها، وسط مساعٍ للبحث عن مقاربات تحدّ من التصعيد، وتمنع اتساع رقعة الحرب.
وتبرز مصر ضمن الأطراف التي أعلنت دعمها للسعودية، إذ تعهّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعدم السماح بالمساس بأمن المملكة، مؤكدًا استعداد القاهرة لاتخاذ ما يلزم لحمايتها والدفاع عنها.
مصر تتعهد بالدفاع عن السعودية
وفي الوقت نفسه، شددت مصر على أنها لا تسعى إلى الحرب أو شن هجمات، بل إلى التحرك في إطار الدفاع، داعية أطراف المنطقة إلى العمل على وقف الحرب الدائرة.
وفي سياق التحركات الإقليمية، تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن عرض إسرائيلي لتقديم الدعم للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، بالتزامن مع تلميحات إلى احتمال استئناف مساعي تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب.
ووصف ترمب هذا المسار بأنه أصبح “أقرب من أي وقت مضى”، على حد تعبيره.
في المقابل، يبرز “حلف مكة” بوصفه إطارًا دفاعيًا مشتركًا انضمت إليه السعودية، وسط ترقب لمدى انعكاسه على التعامل مع التصعيد، في ظل عدم ظهور مفاعيله العملية حتى الآن.
أما إيران، التي تخوض مواجهة مع الولايات المتحدة، فتطرح نفسها مجددًا وسيطًا بين السعودية وجماعة أنصار الله الحوثيين، في تحرك يأتي وسط مشهد إقليمي شديد التوتر، تتداخل فيه المواجهات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية.
ما دلالات الموقف المصري من التصعيد؟
وفي هذا الإطار، قال اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، إن خطاب الرئيس المصري شكّل تحولًا نوعيًا من التضامن التقليدي إلى مستوى عملي دفاعي، مع مراعاة التوازن بين المصالح المصرية والأمن القومي الخليجي. وأوضح أن السيسي شدد على أن أي تحرك سيكون دفاعيًا لا هجوميًا، واضعًا قيودًا سياسية واضحة على طبيعة المشاركة.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من القاهرة أن الرسالة الأولى موجهة للحوثيين وإيران، مفادها أن أي تصعيد ضد السعودية سيرفع الكلفة عليهم وقد يدفع إلى تشكيل تحالف عربي أو إقليمي واسع. أما الرسالة الثانية فهي تأكيد لموقف مصر بأنها تتحرك في إطار الدفاع عن السعودية، وليس الهجوم، رغم احتمال اختلاف تفسير إيران لذلك.
وأشار عبد الواحد إلى أن تصريحات السيسي تحمل دلالات إستراتيجية، أبرزها ربط الأمن القومي المصري بالأمن الخليجي، خصوصًا في البحر الأحمر الذي يشكل نقطة تقاطع مصالح بين القاهرة والرياض، فمصر تسعى لتأمين باب المندب، فيما تركز السعودية على حماية الساحل الغربي وموانئها وضمان أمن الطاقة.
ولفت إلى أن التهديدات المشتركة تأتي في ظل خلل بتوازن القوى في الشرق الأوسط، ما يجعل التعاون المصري – السعودي عاملًا لإعادة التوازن الإقليمي.
كما شدد على البعد القانوني في خطاب السيسي، إذ أوضح أن مشاركة مصر مشروطة بطلب رسمي من السعودية، انسجامًا مع قواعد القانون الدولي التي لا تجيز استخدام القوة إلا بقرار من مجلس الأمن، أو بطلب من الدولة المعنية، أو وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع عن النفس.
وختم عبد الواحد بالإشارة إلى أن البرلمان المصري سيجتمع الأحد لمناقشة التفويض، حيث يتطلب الأمر موافقة مجلس الدفاع الوطني أولًا، ثم تصويت البرلمان بأغلبية الثلثين، موضحًا أن أي تحرك سيكون داخل الأراضي السعودية، بينما المشاركة في اليمن تستلزم موافقة الحكومة اليمنية، وهو ما لم يُذكر في خطاب السيسي.
هل يشكل الدعم المصري تحولًا في موازين القوى؟
من جهته، قال سليمان العقيلي، الكاتب السياسي وعضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، إن مصر لم تعد بمعزل عن التطورات الجارية، معتبرًا أن ما يحدث اليوم سيعيد رسم موازين القوى والعلاقات داخل المنطقة ومع العالم.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من الرياض أن المواجهة الراهنة تمثل “معركة فاصلة على الوجود العربي”، تشمل السعودية ومصر والخليج، مشيدًا بالقرار الإستراتيجي المصري الذي وصفه بالتحول النوعي من المواقف السياسية التقليدية إلى العمل الميداني.
وأشار العقيلي إلى أن الحرب في اليمن تهدد الأمن القومي المصري، بما في ذلك قناة السويس التي ترتبط مباشرة بأمن باب المندب، مؤكدًا أن تحرك القاهرة دفاعًا عن أشقائها هو في جوهره دفاع عن مصالحها الإستراتيجية.
وشدد على أن مصر، باعتبارها صاحبة أقوى جيش عربي، لا يمكن أن تبقى معزولة في هذه اللحظة التاريخية، لافتًا إلى أن المملكة العربية السعودية تمثل خط الدفاع الأول عن أمن الخليج والجزيرة العربية والمشرق، وأن تركها تواجه التهديدات منفردة سيدفعها إلى البحث عن دعم خارجي، وهو ما سينعكس على المنطقة والعالم بأسره.
كيف تنظر جماعة الحوثي إلى احتمال التدخل المصري؟
في المقابل، قال المحلل السياسي أنس القاضي إن جماعة الحوثي لا تنظر إلى مصر باعتبارها دولة عدوة، بل تراها دولة شقيقة، مؤكّدًا حرصها على بقاء الجيش المصري قويًا ودور القاهرة موحدًا في إطار موازنة القوى مع إسرائيل.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من صنعاء، أوضح القاضي أن لدى الحوثيين مقاربة خاصة للتطورات الراهنة، إذ يرون أن الهيمنة الاقتصادية السعودية هي التي دفعت مصر إلى الانخراط في هذا السياق، مشيرًا إلى أن كلمة السيسي جاءت استجابة لطلب من الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان، وليست تعبيرًا عن قناعة مصرية خالصة، بل نتيجة ارتباط اقتصادي مع الرياض.
وأضاف أن التدخل المصري لا يزال حتى الآن محتملًا ولم يتحول إلى واقع، لافتًا إلى أن المعركة الأساسية بالنسبة لصنعاء هي مع السعودية، بهدف إنهاء التدخل العسكري ورفع الحصار عن اليمن.
وأكد أن صنعاء تتعامل مع السعودية باعتبارها الطرف المباشر في التصعيد، فيما ترى أن بقية الأدوار، سواء تحالف مكة أو الدعم الأميركي والإسرائيلي أو الدور المصري المحتمل، لم تعق حتى الآن قدرتها على مواصلة الضغط لإجبار الرياض على التوجه نحو السلام.
وختم القاضي بالقول إنه إذا تطورت هذه الأدوار وأصبحت مؤثرة على العمليات في اليمن، فإن صنعاء ستتبنى مقاربة سياسية وعسكرية جديدة للتعامل مع المستجدات.
ما حدود الدور العسكري المصري المحتمل؟
بدوره، قال مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، إن حدود الدور المصري الذي تحدث عنه السيسي لا تزال غير واضحة، متسائلًا ما إذا كان يشمل إرسال قوات إلى السعودية.
وأوضح أن الرياض تحتاج بالدرجة الأولى إلى دفاعات جوية قادرة على مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الحوثية، بينما لا تمثل القوات البرية أولوية نظرًا لغياب تهديد الغزو البري.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، استبعد قبلان إرسال قوات مصرية إلى اليمن، مشيرًا إلى أن القاهرة لن تتجه على الأرجح نحو هذا الخيار، خاصة أن موقفها تحكمه اعتبارات متعددة. أولها الإرث التاريخي، إذ إن تجربة التدخل المصري في اليمن بين عامي 1962 و1967 تُعد تجربة سلبية، ويُنظر إليها كأحد أسباب هزيمة يونيو 1967، حين كان جزء كبير من الجيش المصري منشغلاً في اليمن أثناء العدوان الإسرائيلي على الدول العربية.
وأضاف أن هناك اعتبارات أخرى تتعلق بتأثر مصر المباشر بتعطل الملاحة في البحر الأحمر، أو بسيطرة الحوثيين على سواحله، خصوصًا مضيق باب المندب، إلى جانب مصالحها الاقتصادية مع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.
كما أشار إلى أن الترابط المتزايد بين ضفتي البحر الأحمر جعل الصراع في باب المندب أكثر شمولاً، بحيث يصعب على مصر عزل نفسها عن تداعياته.
وأكد قبلان أن حجم التدخل المصري سيعتمد على طبيعة الدور الذي ترغب القاهرة في أدائه ومستوى انخراطها، سواء اقتصر على الدفاع عن السعودية أو تجاوز ذلك إلى مشاركة أوسع في الصراع.
