![]()
تُشكّل المدرسة الرسمية في لبنان ملاذًا أساسيًا لآلاف العائلات محدودة الدخل، التي تجد فيها ضمانة لحق أبنائها في التعليم وسط الظروف الاقتصادية الضاغطة.
لكن، مع انطلاقة العام الدراسي، تواجه المدارس الرسمية وطلابها تحديات تنظيمية وميدانية، تتداخل فيها مساعي وزارة التربية والتعليم العالي لتنظيم الموارد البشرية والمالية مع الأضرار الجسيمة التي خلّفها العدوان الإسرائيلي، فضلًا عن الفاقد التعليمي المتراكم.
وبحسب النشرة الإحصائية للمركز التربوي للبحوث والإنماء للعام الدراسي 2024–2025، بلغ عدد المدارس الرسمية 1221 مدرسة، تمثّل نحو 43% من مدارس التعليم العام المشمولة بالإحصاء. وضمت 294 ألفًا و726 تلميذًا، أي نحو 28.5% من مجموع التلامذة الوارد في النشرة، فيما بلغ عدد أفراد الهيئتين التعليمية والإدارية في القطاع الرسمي 34 ألفًا و608.
أزمة الأساتذة تربك انتظام الدراسة
عشية انطلاقة العام الدراسي الحالي، تأخر إلحاق أساتذة من فئتي “المستعان بهم” والمتعاقدين على نفقة صناديق المدارس بمراكز عملهم، إلى حين استكمال دراسة الحاجات والإجراءات القانونية. وقدّرت رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي عدد المتأثرين بنحو 3500 أستاذ.
وأوضحت الوزارة، في بيان بشأن تأخير التحاق المتعاقدين والمستعان بهم، أن الإجراءات مؤقتة ولا تهدف إلى تقليص الكادر التعليمي، وإنما إلى تنظيم الموارد البشرية وفق الحاجات التربوية والأصول القانونية. وربطت التأخير بعدم اكتمال تسجيل التلامذة، وبالنزوح الذي أوجد نقصًا في المعلمين بمدارس وفائضًا في أخرى، ما يستدعي إعادة توزيعهم.
لكن الأساتذة وجدوا القرار مجحفًا، ولا سيما في ظل حاجة المدارس إليهم. وبحسب رابطة المتعاقدين، اضطرت مدارس إلى تقليص دوامها حتى العاشرة والنصف أو الحادية عشرة صباحًا، فيما بقيت صفوف من دون بعض المواد الأساسية.
ونظّمت الرابطة وقفة تضامنية أمام وزارة التربية في بيروت، كما تحرّكت رئيستها نسرين شاهين أمام مدارس لنقل مطالب الطلاب والأهالي. ونشر مديرون وأساتذة وأهالٍ تسجيلات تظهر، بحسب الرابطة، انعكاسات تأخير التحاق المعلمين على انتظام الدراسة، مطالبين بمعالجة الملف.
وفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، نفّذت رابطة معلمي التعليم الأساسي الرسمي إضرابًا في المدارس الرسمية بدوامَيها الصباحي والمسائي، احتجاجًا على تأخر إلحاق المعلمين، ثم أعلنت استمراره في اليوم التالي.
ولاحقًا، صدر تعميم لتنظيم توزيع الحصص وأنصبة المعلمين، يبدأ باستكمال أنصبة مدرّسي الملاك والمتعاقدين على حساب الموازنة، ثم توزيع الحصص المتبقية بحسب الحاجة على المتعاقدين السابقين على نفقة الصناديق والمستعان بهم. ويربط التعميم استكمال التعاقد بدراسة الحاجات ورفعها وفق الأصول، من دون أن يعني صدوره وحده اكتمال عودة جميع الأساتذة وانتظام الدوام.
دمج وتجميع المدارس يثير الغضب
بالتوازي مع أزمة الأساتذة، أثار إقفال بعض المدارس الرسمية وتجميع طلابها في مدارس أخرى اعتراضات في عدد من المناطق اللبنانية، ودفع نوابًا وفاعليات محلية إلى مطالبة وزارة التربية بمراجعة قراراتها.
ومن جهتها، قالت الوزارة إن ما يجري يندرج ضمن تجميع المدارس والثانويات، وفق معايير تشمل أعداد التلامذة، وتوافر مدرسة بديلة وقدرتها الاستيعابية، والمسافة وظروف الوصول والأوضاع الأمنية والجغرافية.
وأوضحت، في بيان صدر في 16 أكتوبر، أنها تتابع العمل مع الجهات المحلية والنواب والفاعليات لمعالجة أوضاع مدارس تضم أعدادًا قليلة من التلامذة، أو يتعذر عليها دفع إيجاراتها بعد إقرار قانون الإيجار الجديد.
وأشار البيان إلى إيجاد حلول لعدد من المدارس والثانويات، مع استمرار العمل لتسوية الإيجارات مع المالكين أو تأمين أعداد إضافية من التلامذة. ومن بين هذه الحالات مدرسة دون بوسكو في قضاء جبيل، التي قالت الوزارة إن مساعي نواب المنطقة والبلدية والأهالي أثمرت إعفاءها من الإيجار لهذا العام، مع تعهد بزيادة فترة السماح.
الفاقد التعليمي والعدوان الإسرائيلي
ويعاني طلاب في المدارس الرسمية من فاقد تعليمي متراكم، نتيجة الأزمات المتلاحقة التي أدت إلى إغلاق المدارس وتقليص أيام التدريس، وحرمتهم من استكمال المناهج المقررة.
وقد أضاف العدوان الإسرائيلي أعباء جديدة إلى هذا الواقع، من تدمير مبانٍ مدرسية إلى نزوح التلامذة والمعلمين وتحويل مدارس إلى مراكز إيواء. وفي بعض مدارس الجنوب، فرضت الأضرار العودة إلى صفوف مؤقتة أو مبانٍ لم تكتمل تجهيزاتها، فيما تقاسمت عائلات نازحة وتلامذة مباني مدارس أخرى.
طفل يتابع دراسته عبر هاتف بمساعدة امرأة نازحة في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في الدكوانة، 25 مارس 2026 – غيتي
وأظهر تقرير لليونيسف صدر في سبتمبر/ أيلول 2026، استنادًا إلى بيانات وزارة التربية، أن 436 مرفقًا تعليميًا من أصل 1089 شملها التقييم تأثرت باعتداء واحد على الأقل منذ 2 مارس، بينها 37 مرفقًا دُمّرت. وأفاد بأن نحو 100 ألف متعلم لم يتمكنوا من العودة إلى مدارسهم بسبب الأضرار والدمار وانعدام الأمان أو النزوح.
وفي عرض أحدث لوزارة التربية، في 13 أكتوبر، تحدثت الوزيرة ريما كرامي عن 39 منشأة تعليمية مدمّرة، ما يعكس استمرار أثر الحرب على إمكان استئناف الدراسة.
فجوات التعلّم وخطة التعافي
في ظل هذا الواقع، تُظهر نتائج لبنان في البرنامج الدولي لتقييم الطلاب “بيزا” لعام 2025، التي نشرها المركز التربوي للبحوث والإنماء، فجوة في أداء الطلاب في القراءة والعلوم والرياضيات مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وأشارت وزيرة التربية، في اجتماع الشركاء في 13 أكتوبر، إلى أن نتائج التقييم التشخيصي الوطني واختبارات “بيزا” تكشف فجوات أساسية في التعليم الرسمي، كان كثير منها موجودًا قبل الحرب وازدادت الحاجة إلى معالجته بعدها.
ومع انطلاقة العام الدراسي، اعتمدت الوزارة برنامجًا للتعافي التعليمي يستهدف المفاهيم والكفايات التأسيسية في اللغات والرياضيات لدى تلامذة الصف الثاني حتى السادس الأساسي. ويتضمن أسبوعين للتقويم التشخيصي، تليهما ثمانية أسابيع للتدخل التعليمي، مع ترتيب خاص للصف الثاني يخصص أربعة أسابيع للتدخل وأربعة لتجريب المناهج الجديدة. وتُنفّذ أنشطة البرنامج ضمن توزيع الحصص الدراسية، وفق حاجات التلامذة.
يتوقف تعويض ما فات التلامذة على استقرار يومهم الدراسي ومتابعة تقدّمهم داخل الصف
