المرأة السودانية و الصمود وسط رماد الحرب

المرأة السودانية و الصمود وسط رماد الحرب

Loading

لم يكن أبريل من عام ٢٠٢٣ مجرد انشقاق في جدار الزمن، بل كان زلزالاً عصف بأركان الحياة في السودان، ومذ أطلت رأس تلك الحرب اللعينة وضراوتها تحرق الأخضر واليابس، وتلقي بظلالها القاتمة على تفاصيل الوجود. وفي قلب هذه المأساة، وحيث تنصهر الآمال وتتداعى الطمأنينة، وقفت المرأة السودانية موقفاً تجاوز حدود الاحتمال البشري، لتسطر بدموعها ودماء قلبها ملحمة من الجسارة والصمود عزّ نظيرها في التاريخ الحديث.
تراجيديا المعاناة: من وهج البيوت إلى صقيع الشتات
لقد رمت هذه الحرب الضروس بجريرتها الثقيلة على عاتق المرأة، فكانت خط الدفاع الأول والضحية الأبرز في آن واحد. تجرعت مرارة النزوح واللجوء، فخرجت من مخادعها آمنة لتفترش العراء وتلتحف السماء، تسوق خطاها نحو المجهول. وعبر طرقات الموت الموحشة، حيث يتربص الفناء في كل زاوية، شهدت عيناها أهوالاً تشيب لها الولدان؛ من قتل بالحريق طال الأنفس البريئة، إلى موت في الطريق نال من وهن الأجساد العطشى والجائعة.
ولم تقف دناءة الحرب عند هذا الحد، بل استُخدمت جسد المرأة كساحة لتصفية الحسابات عبر جرائم الاغتصاب والتشريد القسري، في محاولة بائسة لكسر كبريائها وعنفوانها. غير أن تلك النفس الأبية، المستمدة من إرث الكنداكات الممتد عبر آلاف السنين، أبت أن تنكسر، وظلت متماسكة رغم تفاقم الإفرازات النفسية والاجتماعية والجسدية لهذه المحنة الممتدة إلى يومنا هذا.
عاتق ثقيل: الرعاية والتربية في زمن المسغبة
في وقت تخلت فيه الأرض عن استقرارها، بقيت المرأة السودانية الوتد الذي يمسك خيمة الأسرة من الانهيار. لم تكتفِ بالبقاء، بل تحولت إلى درع واقٍ لعائلتها. تحمل اليوم همّ الرعاية والتربية في أشد الظروف قسوة:
تداوي الجراح بما توفر من قليل الكساء والدواء.
تبث الطمأنينة في نفوس الأطفال والكهول وهي ترتعد خوفاً عليهم لا على نفسها.
تدير شؤون الحياة من لا شيء، مستبدلةً رفاهية الاستقرار بلقمة عيش مغموسة بمرارة الكفاح اليومي في معسكرات اللجوء ومراكز الإيواء.
سراب الوعود الغربية: المنظمات وحججها الواهية
وفي المقابل، يقف المجتمع الدولي ومنظماته الغربية موقف المتفرج الذي يتقن صناعة البلاغة الجوفاء. أعوام تمر وهذه المنظمات تغدق الوعود تلو الوعود بوقف الحرب، وكبح نزيف الدم السوداني المسفوك، والحد من تداعياتها الكارثية. ولكن، ما إن تذوب الوعود في كؤوس الواقع، حتى تتبدى سراباً يحسبه الظمآن ماءً.
لقد تخلفت تلك المنظمات عن التزاماتها الإنسانية والأخلاقية، متدثرة بحجج واهية وأعذار بيروقراطية ساقطة، تارةً بالتحجج بـ (صعوبة الوصول والمسارات الآمنة) ، وتارةً بـ (نقص التمويل)، في ازدواجية معايير فاضحة تكشف زيف الشعارات البراقة عن حقوق الإنسان وحماية المستضعفين.
إن الدموع التي تذرفها أمهات السودان لم تجد من يمسحها من وراء البحار، بل جففها الصبر، وغسلها الإيمان بعدالة القضية.
ستبقى النخلة وإن عصف الريح
إن صمود المرأة السودانية في هذه الحرب ليس مجرد حالة عابرة، بل هو حقيقة تاريخية راسخة تثبت أن وعاء القيم السودانية لا ينضب. إنها تدفع اليوم ثمن حرب لم تخترها، لكنها تصنع بصلابتها فجر الإنقاذ القادم  وليس  بانقاذ البشير  وستبقى المرأة السودانية، رغم أنف الحريق والتشريد والخذلان الدولي، رمزاً للعطاء الباذخ، والجسارة التي لا تلين، ونخلة سامقة تضرب بجذورها في أعماق الأرض، وتشرئب برأسها نحو الحرية والسلام والعدالة، مهما طال ليل الظلم والعدوان.
آسيا  المدني
الأول من يوليو ٢٠٢٣