![]()
اسمان متشابهان على بطاقة اقتراع واحدة.. كيف يتحول مرشح إضافي إلى وسيلة لإرباك الناخبين، ومتى تصبح الحيلة الانتخابية جريمة؟
شهدت أروقة السياسة الأميركية فصلًا جديدًا من الصراع المحموم حول انتخابات مجلس الشيوخ، بعدما صعّدت وزارة العدل في إدارة الرئيس دونالد ترمب تحقيقًا جنائيًا بشأن اتهامات بتجنيد أشخاص مرتبطين بحملة ديمقراطية “مرشحًا مفسدًا”، يحمل اسمًا يكاد يطابق اسم المرشح الجمهوري في ولاية ألاسكا.
وتسلط هذه الخطوة الضوء مجددًا على تكتيك سياسي قديم يُستخدم منذ عقود لتشتيت الأصوات، وتثير جدلًا حول حدود الممارسات الانتخابية، واستغلال الثغرات في أنظمة التصويت، وتوظيف الأجهزة الحكومية في النزاعات الحزبية.
ماذا حدث في ألاسكا؟
قبل أقل من أسبوع من الانتخابات النصفية الأميركية، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن أشخاصًا على صلة بحملة الديمقراطية ماري بيلتولا لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وباللجنة الديمقراطية لحملات مجلس الشيوخ، جندوا مرشحًا للسباق يحمل اسمًا يكاد يطابق اسم السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان، الذي تنافسه بيلتولا. وبحسب التقرير، هدفت الخطة إلى سحب أصوات من السيناتور الحالي ومساعدة بيلتولا على الفوز.
ولطالما شكّ الجمهوريون في ألاسكا في أن الديمقراطيين هم من دفعوا بترشح سوليفان الثاني. واتخذت إدارة ترمب خطوة غير مألوفة في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، برفع دعوى قضائية تسعى إلى منع التصديق على نتائج السباق إذا خسر السيناتور الجمهوري في ظروف تعزوها الوزارة إلى التباس لدى الناخبين.
المرشحة الديمقراطية لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي ماري بيلتولا- غيتي
وبحسب “نيويورك تايمز”، أظهرت رسائل نصية واتصالات داخلية صلات بين حملة بيلتولا وجهود تجنيد سوليفان الثاني. وأعقب التقرير مطالبة ترمب بملاحقة بيلتولا وحملتها قضائيًا، وإصدار وزارة العدل سلسلة جديدة من مذكرات الاستدعاء ضمن تحقيق جنائي قائم منذ أشهر.
ومن جهتها، نفت بيلتولا علمها بجهود تجنيد المرشح الآخر، كما نفت اللجنة الديمقراطية لحملات مجلس الشيوخ صلتها بهذه الجهود.
وزارة العدل في بازار الانتخابات
يرى منتقدون أن ترمب حوّل وزارة العدل إلى امتداد لحملته السياسية الشخصية، مستهدفًا خصومه عبر التحقيقات وتوجيه الاتهامات، ومتدخلًا في العملية الانتخابية على نحو غير مألوف في التاريخ الحديث. فلطالما تجنبت الوزارة اتخاذ إجراءات تحقيق علنية في القضايا الحساسة سياسيًا قبيل الانتخابات، خشية التأثير في نتائجها. إلا أن الأسابيع الأخيرة شهدت تكثيفًا لهذه الإجراءات، بما في ذلك تفتيش منزل النائبة الديمقراطية إلهان عمر.
ومن جانبها، دافعت وزارة العدل عن توقيت التحقيقات، مؤكدة في بيان صدر الأربعاء أنها تتبع الحقائق والقانون، ولا تلتزم بأي جدول زمني سياسي لأي طرف.
وفي هذا السياق، تنقل وكالة أسوشيتد برس عن جاستن ليفيت، المسؤول السابق في وزارة العدل والأستاذ في كلية الحقوق بجامعة “لويولا ماريمونت” في لوس أنجلوس، تشكيكه في الأساس القانوني للتدخل الفيدرالي، بالنظر إلى شيوع استقطاب الحملات الانتخابية مرشحين يُعرفون بـ”المفسدين” أو دعمهم، بهدف تشتيت أصوات المنافسين.
وبحسب ليفيت، قد تكون هذه الممارسات مثيرة للاستياء، لكنها متكررة، ولم يُكشف في القضية عن سلوك يمثل انتهاكًا للقانون الفيدرالي.
وتشير “أسوشيتد برس” إلى أن جهات مرتبطة بترمب والجمهوريين لجأت أيضًا إلى هذا التكتيك؛ ففي سباق مجلس الشيوخ بولاية أوهايو، حثت مجموعة مرتبطة بحملة ترمب الناخبين على دعم مرشح اشتراكي لسحب أصوات من المنافس الديمقراطي. وفي نيفادا، عملت جهة مرتبطة بالجمهوريين على دعم مرشحة مستقلة لمنصب الحاكم تُدعى دانييل فورد، تحمل اسم العائلة نفسه للمرشح الديمقراطي المنافس للحاكم الجمهوري. كما حاول حلفاء ترمب إقناع كانييه ويست بالترشح في انتخابات عام 2020 عن طرف ثالث.
وكشف تقرير “نيويورك تايمز” عن جهود تعود إلى عام 2025 لإدراج شخص آخر يحمل اسم “دان سوليفان” في بطاقة اقتراع ألاسكا، وعن مساهمة مالية من منظمة سياسية تدعم بيلتولا، التي أعلنت ترشحها في يناير/ كانون الثاني 2026.
وفي المقابل، خلال سعي بيلتولا لإعادة انتخابها لعضوية مجلس النواب عام 2024، دعم الجمهوريون بقاء اسم سجين في نيويورك، مسجل كديمقراطي، ضمن قائمة مرشحي ألاسكا، بما قد يشتت أصواتها. وخسرت بيلتولا ذلك السباق.
نظام عرضة للتلاعب؟
وفي مقابلة أجرتها “أسوشيتد برس”، أوضح المحامي جيسون تورتشينسكي، المسؤول السابق في وزارة العدل، أن تقرير “نيويورك تايمز” يشير إلى احتمال وقوع مخالفات تتعلق بتمويل العملية. لكنه رأى أن القضية الأهم تكمن في نظام ألاسكا الانتخابي، الذي يجمع انتخابات تمهيدية مفتوحة وانتخابات عامة بالتصويت التفضيلي، معتبرًا أنه عرضة للتلاعب.
ويتيح النظام للمرشحين المستوفين للشروط التقدم للانتخابات التمهيدية برسوم تسجيل قدرها 100 دولار، ويتأهل أصحاب المراكز الأربعة الأولى إلى الانتخابات العامة. ويقول تورتشينسكي: “هذا مثال صارخ على كيفية استغلال أنظمة التصويت التفضيلي من قبل أطراف مختلفة”.
شكّ الجمهوريون في ألاسكا في أن الديمقراطيين هم من دفعوا بترشح سوليفان الثاني – غيتي
ويشير تورتشينسكي إلى أن الوصول إلى بطاقة الاقتراع في أنظمة أخرى قد يتطلب نيل ترشيح حزب مؤهل، أو جمع عشرات الآلاف من التوقيعات، بحسب الولاية وطريقة الترشح.
ومع ذلك، يرى المدافعون عن نظام ألاسكا أنه أكثر حصانة ضد تشتيت الأصوات؛ إذ يستطيع الناخب ترتيب المرشحين اللذين يحملان اسم “سوليفان” بحسب الأفضلية، من دون ترتيب بيلتولا، وهو ما تحث عليه حملة السيناتور الجمهوري. وإذا استُبعد خياره الأول أثناء الفرز، ينتقل صوته إلى خياره التالي الذي لا يزال في السباق.
أما في أنظمة التصويت التي يختار فيها الناخب مرشحًا واحدًا، فقد يأتي دعم مرشح من حزب ثالث على حساب مرشح أقرب إليه سياسيًا. وهذا ما يفسر قلق الجمهوريين من مرشحي “الحزب الليبرتاري”، ودعمهم في حالات أخرى جهود مرشحي “حزب الخضر” للوصول إلى بطاقات الاقتراع.
الجذور التاريخية وحيل البطاقات المضللة
استخدام الأسماء المتطابقة حيلة قديمة في الانتخابات الأميركية. ووفق مقال نشره موقع “ذا كونفرزيشن”، كانت الانتخابات تُجرى خلال معظم القرن التاسع عشر ببطاقات تصممها الأحزاب وتطبعها، من دون بطاقات رسمية تطبعها الدولة.
وكان إدراج اسم مرشح منافس على بطاقة حزب ما كفيلًا بتحويل أصوات إلى الخصم، ولذلك كان الناخبون يُحذّرون من “البطاقات المزيفة”. ومع انتشار اعتماد البطاقات الحكومية بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، انحسرت هذه الممارسة، لكن محاولات تضليل الناخبين لم تتوقف.
وتعود أمثلة الدفع بمرشح يحمل اسم منافسه إلى عام 1946 على الأقل، حين خاض جوزيف روسو، عضو مجلس مدينة بوسطن، انتخابات تمهيدية ديمقراطية لشغل مقعد في الكونغرس، ليجد نفسه في مواجهة عامل نظافة يحمل الاسم نفسه. وبحسب الرواية التي أوردها المقال، دفع أحد مساعدي مرشح ثالث في السباق، هو جون إف كينيدي، مالًا للعامل كي يترشح. وانتهت الانتخابات بفوز كينيدي.
“مرشحون مفسدون” لتضخيم الرسائل
لا يكون الهدف من بعض “المرشحين المفسدين” حصد الأصوات بالضرورة؛ فقد يشاركون أحيانًا لتضخيم رسالة معينة، كما يوضح مقال ذا كونفرزيشن.
ففي عام 1978، خاض الجمهوري كارول كامبل انتخابات لشغل مقعد شاغر في مجلس النواب عن منطقة في شمال غربي ولاية ساوث كارولاينا. وكان منافسه ماكس هيلر، رئيس بلدية غرينفيل واللاجئ اليهودي الفار من النمسا الخاضعة للحكم النازي.
وقبل أيام من الانتخابات، عقد دون سبروس، وهو مرشح مستقل يخوض الانتخابات لأول مرة، مؤتمرًا صحفيًا هاجم فيه هيلر بسبب ديانته، معتبرًا أنه لم يوضح للناخبين أنه ليس مسيحيًا، وأنه أقل أهلية لتمثيل الناخبين المسيحيين.
تعتمد ولاية ألاسكا نظام التصويت التفضيلي في الانتخابات العامة – غيتي
ورغم أن كامبل أدان هذه التصريحات، وحصل سبروس على 1693 صوتًا فقط، فقد خسر هيلر السباق. ولم تظهر الادعاءات بأن سبروس كان “واجهة” لخدمة كامبل إلا بعد سنوات، وظلت غير مثبتة، لكنها لاحقت كامبل عندما ترشح لمنصب الحاكم عام 1986.
وبحسب تحليل “ذا كونفرزيشن”، لم يكن تأثير سبروس المحتمل مقتصرًا على الأصوات التي حصدها، وإنما امتد إلى نشر رسالة معادية للسامية لم يكن كامبل ليوجهها مباشرة.
مرشحون لا يعلمون بترشحهم
وهناك نوع مختلف من التلاعب يتجاوز تجنيد المرشحين إلى إدراج أسمائهم على قوائم الاقتراع من دون علمهم. ففي مقاطعة أوكلاند بولاية ميشيغان عام 2010، أدرج مسؤولان ديمقراطيان أسماء مرشحين تحت لافتة “حزب الشاي” في ثلاثة سباقات انتخابية، من دون علم أصحابها.
وفي هذه الحالة، وُجهت إلى المسؤولين اتهامات بشهادة الزور والتزوير، تتعلق بتزوير التوقيعات، لا بمجرد استراتيجية تشتيت الأصوات. فحتى عندما لا تتناول قوانين الانتخابات مثل هذه المخططات تحديدًا، يمكن ملاحقة الأفعال المصاحبة لها بموجب قوانين التزوير وشهادة الزور.
وفي فلوريدا عام 2020، واجه عضو مجلس شيوخ الولاية الديمقراطي خوسيه خافيير رودريغيز مرشحًا مستقلًا يحمل اسم “أليكس رودريغيز”. وحصل الأخير على 6382 صوتًا، فيما خسر السيناتور الديمقراطي مقعده لصالح منافسته الجمهورية إليانا غارسيا بفارق 32 صوتًا فقط.
وحُكم لاحقًا على السيناتور الجمهوري السابق في الولاية فرانك أرتيلس بالسجن 60 يومًا، بعد إدانته في قضية تجنيد المرشح الآخر وتمويله، بتهم شملت تقديم مساهمات انتخابية تتجاوز السقف القانوني والتآمر لتقديمها والإدلاء بإقرار كاذب تحت القسم. ونفت غارسيا علمها بالمخطط.
وبالعودة إلى معركة ألاسكا، تنقل “أسوشيتد برس” عن المدير التنفيذي لمركز ابتكار وأبحاث الانتخابات في واشنطن، ديفيد بيكر، توقعه أن يرفض القضاء دعوى وزارة العدل الرامية إلى وقف التصديق على النتائج. ويدعو بيكر إلى تعاون الحزبين داخل الكونغرس لتنظيم هذه الممارسات، بحيث يمتنع الطرفان عنها.
