المسلمي البشير الكباشي يكتب: ما بعد بارا: كيف أعادت عمليات شمال كردفان رسم مركز الثقل العملياتي في الحرب؟

المسلمي البشير الكباشي يكتب: ما بعد بارا: كيف أعادت عمليات شمال كردفان رسم مركز الثقل العملياتي في الحرب؟

Loading

المسلمي البشير الكباشي يكتب: ما بعد بارا: كيف أعادت عمليات شمال كردفان رسم مركز الثقل العملياتي في الحرب؟
إنّ العمليات العسكرية الواسعة التي شهدتها ولاية شمال كردفان بالأمس، والتي انتهت بسيطرة الجيش السوداني على المثلث الحيوي الممتد من جبرة الشيخ شمالاً، وأم سيالة جنوباً، وبارا غرباً، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد استعادة لمدن ذائعة الصيت في كرٍّ وفرِّ حرب الكرامة، وإنما باعتبارها تحولاً عملياتياً يعيد رسم مركز الثقل العسكري في الغرب الأوسط من السودان.
فالقتال في هذه المنطقة يتجاوز في أهميته السيطرة على المدن إلى السيطرة على شبكة من الطرق والمحاور والممرات الاستراتيجية التي ظلت، طوال الحرب، تتحكم في حركة القوات، ومسارات الإمداد، وإيقاع العمليات العسكرية، بل وتؤثر بصورة مباشرة في تطورات الموقف الميداني برمته.
وتحتل مدينة بارا موقعاً محورياً على المثلث الذي يربط أم درمان شرقاً، والأبيض جنوباً، ودارفور غرباً، الأمر الذي يجعل السيطرة عليها تعني، بدرجة كبيرة، التحكم في حركة القوات والإمدادات بين وسط السودان وغربه. كما تدفع هذه السيطرة بخطوط إمداد قوات الدعم السريع إلى التراجع نحو أم بادر وحمرة الشيخ في أقصى شمال غرب ولاية شمال كردفان.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة لأن السيطرة على طريق الصادرات، الممتد بين الأبيض وبارا وجبرة الشيخ وأم درمان، تعني عملياً رفع مستوى التأمين على مدينة الأبيض، وفتح خط إمداد مباشر ومستقر بينها وبين العاصمة، بما يضع حداً لحالة التهديد التي أحاطت بالمدينة خلال الأسابيع الماضية، حين بدا أنها محاصرة من معظم الاتجاهات، ولم يبق لها سوى منفذها الشرقي عبر ولاية النيل الأبيض.
وفي المقابل، لم تقتصر خسائر قوات الدعم السريع على فقدان هذه المدن، بل تجاوزتها إلى فقدان أهم قواعدها الخلفية في شمال كردفان. فقد مثلت هذه المناطق مراكز لتجميع القوات القادمة من دارفور، ومستودعات للذخائر والعربات القتالية، ونقاط انطلاق رئيسية للهجمات باتجاه الأبيض جنوباً، أو على امتداد طريق الصادرات شرقاً نحو أم درمان. وبخروجها من سيطرتها، فقدت القوات المتمردة إحدى أهم منصاتها العملياتية في هذا القطاع.
أما جبرة الشيخ، التي تمثل الضلع الشمالي للمثلث، فتكتسب أهميتها من كونها عقدة اتصال تربط شمال كردفان بشرق دارفور. والسيطرة عليها تعرقل أي محاولة للالتفاف على بارا من جهتها الشمالية الشرقية، كما تعزز قدرة الجيش على التحكم في خطوط إمداد قوات الدعم السريع القادمة من حمرة الشيخ وأم بادر، وما وراءهما حتى منطقة كربة الحِتان.
وقد ظل هذا المحور، منذ اندلاع الحرب، أحد أكثر مسارات الإمداد نشاطاً وحيوية، ولذلك ظللنا نشير إلى أن السيطرة عليه تمثل شرطاً أساسياً لإضعاف القدرات اللوجستية لقوات الدعم السريع. ومع ذلك، فإن استمرار هذا الأثر مرهون بمواصلة التقدم وعدم الاكتفاء بالمكاسب الحالية، لاسيما أنّ هذه المناطق احتضنت بنية لوجستية متقدمة، شملت مهابط للطائرات، ومستودعات للوقود والذخائر، ومراكز للتدريب، ارتبط بعضها بمحور الزرق وما وراءه حتى الحدود التشادية.
وبحسابات الربح والخسارة، يمكن استخلاص ثلاث نتائج رئيسية:
• أولاً: خسرت قوات الدعم السريع عمقها اللوجستي الأهم في شمال كردفان.
• ثانياً: انكمش هامش حرية الحركة بين دارفور ووسط السودان، بعد فقدان أهم محاور الربط في هذه المنطقة.
• ثالثاً: تراجع مستوى التهديد الذي كان موجهاً إلى مدينة الأبيض من جهة الشمال ،والشمال الشرقي ، نتيجة فقدان قوات الدعم السريع أهم قواعد انطلاقها نحو المدينة.
وبالنظر إلى المشهد بعد هذه العمليات، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات المهمة:
• تأمين مدينة الأبيض بدرجة كبيرة مقارنة بالفترة السابقة.
• استقرار خطوط الإمداد القادمة إليها من الشمال والشرق.
• انتقال الجيش، في هذا القطاع، من وضع الدفاع إلى المبادأة الهجومية، بما يزيد الضغط على ما تبقى من مناطق انتشار قوات الدعم السريع في غرب وجنوب كردفان.
غير أن تثبيت هذه المكاسب يتطلب المحافظة على السيطرة الكاملة على المدن المستعادة، ومواصلة الضغط العملياتي في اتجاهين متوازيين: الأول نحو حمرة الشيخ وأم بادر وكَربة الحِتان شمالاً وغرباً، والثاني نحو المزروب وأم صميمة والنهود والفولة وصولاً إلى بابنوسة في غرب كردفان.
فإذا تمكن الجيش من تحقيق ذلك، فإنه يكون قد أحكم سيطرته على أهم خطوط الإمداد التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. غير أن هذه المرحلة تستوجب، قبل كل شيء، إحباط أي هجمات معاكسة قد تسعى إلى استعادة بعض المواقع المحررة أو إرباك خطوط الإمداد الجديدة التي أتاحتها عمليات الأمس.
وإذا استقرت هذه المكاسب الميدانية، فمن المرجح أن تنتقل المعارك تدريجياً نحو غرب كردفان وتخوم دارفور، حيث لن تكون الأولوية للسيطرة على المدن بقدر ما ستكون للسيطرة على محاور الحركة، وعقد الطرق، وشبكات الإمداد التي تشكل العصب الحقيقي لاستمرار العمليات العسكرية.
وسياسياً، فإن ترسيخ هذه المكاسب من شأنه أن يعزز موقف الحكومة السودانية، ويوسع هامش المناورة لديها في أي مسار تفاوضي أو ضغوط خارجية. فمن الملاحظ أن كل تقدم ميداني يحققه الجيش يعقبه حراك سياسي ودبلوماسي خارجي يهدف، بدرجات متفاوتة، إلى الحد من تأثير تلك المكاسب على ميزان القوى.
ويرتبط ذلك، في تقديري، بهدفين رئيسيين تسعى إليهما الأطراف الداعمة لقوات الدعم السريع: أولهما الإبقاء على القدرة العسكرية للقوات بما يسمح لها بالحضور طرفاً مؤثراً في أي عملية تفاوضية؛ وثانيهما الحفاظ على قدر من التوازن الميداني بما يبقي أدوات الضغط السياسي قائمة، إذ كلما اختل ميزان القوة بصورة حاسمة لمصلحة الجيش ،تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في مسار الصراع.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام الجيش السوداني لا يتمثل في تحقيق الانتصارات الميدانية فحسب، وإنما في استثمار الزخم العملياتي الناتج عنها، وتحويله إلى مكاسب استراتيجية مستدامة تسهم في تقصير أمد الحرب، وفرض معادلات جديدة في الميدان وعلى طاولة السياسة في آن واحد.