![]()
في قريتنا التي تتكون من مجموعة أحياء، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية، وتتوارث الأجيال الحكايات والمواقف، وتظل قصص الجدات حاضرة في الذاكرة، حكايات لا تنتهي بانتهاء أحداثها، بل تبقى دروسًا تتجدد كلما أعادت الحياة إنتاج الأخطاء نفسها في صور مختلفة.
ومن بين تلك الحكايات، قصة امرأة من جداتنا، كانت حكمتها أوسع من غضب الرجال من حولها، وبصيرتها أبعد من أحكامهم المتعجلة. قصة تختصرها عبارة قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقًا: امرأة أحكم من الرجال.
شاحنة من وادي حلفا إلى المحس
في إحدى أحياء القرية، زوّجت امرأة ابنتها لرجل يسكن حيًّا آخر من أحياء القرية نفسها. ومضت الأيام في هدوء، حتى جاء يوم خرجت فيه الفتاة مع نساء الحي لقضاء واجب اجتماعي.
وبعد أن فرغن من واجبهن، وفي طريق عودتهن، صادفهن سائق شاحنة «لوري» قادمًا من وادي حلفا إلى منطقة المحس. ومن باب المروءة وفضل الظهر، حملهن في شاحنته إلى وجهتهن، تيسيرًا لهن ومساعدةً على إكمال طريق العودة.
كان تصرفًا يدخل في باب النجدة والتعاون، وهي قيم عرفها أهل المنطقة، حيث اعتاد الناس أن يساعد بعضهم بعضًا في مشقة الطريق، وأن يقدموا العون للمحتاج دون أن ينتظروا مقابلًا.
لكن ما كان في ظاهره موقفًا عابرًا، تحوّل إلى أزمة داخل البيوت، لا بسبب ما فعله السائق، وإنما بسبب الطريقة التي استقبل بها بعض الأزواج الخبر.
حين غاب العقل وحضر الغضب
ما إن علم أزواج النساء بما حدث، حتى اشتعل الغضب في نفوسهم، وغاب التروي، ولم يُمنح المجال للسؤال أو التحقق أو الاستماع إلى رواية النساء. كان الحكم أسرع من التفكير، وكانت الأيدي أسرع من الكلمات.
فانهالوا على زوجاتهم ضربًا، وكأن مجرد ركوبهن مع سائق شاحنة في طريق عام يكفي لإدانتهن، وكأن الشك أصبح دليلًا، والغضب مبررًا للعقاب.
لم يتوقفوا ليسألوا: لماذا ركبن الشاحنة؟ وهل كان الأمر مجرد مساعدة في الطريق؟ وهل ثمة ما يستدعي كل هذا الغضب؟
لقد اختصروا المسافة بين الخبر والعقوبة، وأسقطوا من حساباتهم أبسط قواعد العدل: أن يسمع الإنسان قبل أن يحكم، وأن يتثبت قبل أن يتهم، وأن الكرامة لا يجوز أن تكون ضحية للانفعال.
وحدها ابنة المرأة الحكيمة لم تتعرض لما تعرضت له الأخريات.
وهنا بدأت الحكاية تأخذ منحى آخر، فالمسألة لم تعد مجرد رجال غضبوا على زوجاتهم، بل أصبحت سؤالًا عن العدالة، وعن المعايير التي تحكم تصرفات الناس، وعن الفارق بين الغيرة التي تحفظ المودة، والغيرة التي تتحول إلى ظلم وإهانة.
الجدة التي رأت ما لم يره الرجال
حين علمت الأم بما جرى، لم يكن موقفها عاديًا. لقد رأت في الحادثة خللًا يتجاوز تفاصيلها المباشرة، ورأت كيف يمكن لسوء التقدير أن يحوّل واقعة بسيطة إلى جرح في الكرامة، وأن يجعل المرأة تدفع ثمن شكوك لم تُتح لها فرصة تفنيدها.
كانت ابنتها قد نجت من الضرب الذي طال رفيقاتها، لكن الأم لم تنظر إلى المسألة من زاوية النجاة وحدها؛ بل أرادت أن تفهم ما الذي يعنيه هذا الاستثناء، وكيف يمكن أن يُقرأ داخل مجتمع تحكمه أحيانًا المقارنات والظنون.
وفي موقف لافت، طلبت من زوجها أن يطلّق ابنتها، في تعبير عن رفضها لما كشفته الحادثة من اختلال في ميزان التعامل، وعن إدراكها أن بقاء المرأة في علاقة لا تُصان فيها كرامتها قد يجعلها عرضة لمزيد من الأذى.
لم يكن جوهر موقفها أن الطلاق هو الحل لكل خلاف، ولا أن اختلاف المعاملة وحده يكفي لاتخاذ قرار كهذا، بل إن الحكاية تكشف عن امرأة أدركت خطورة أن يصبح العنف أمرًا مقبولًا، وأن تتحول كرامة الزوجة إلى أمر يخضع لمزاج الزوج وغضبه.
لقد كانت ترى أن البيت الذي تُستدعى فيه اليد قبل الكلمة، ويُعامل فيه الشك كأنه حقيقة، يحتاج إلى مراجعة أعمق من مجرد اعتذار عابر.
وهنا ظهرت حكمتها؛ لم تنشغل بتبرير ما فعله الرجال، ولم تعتبر ضرب النساء أمرًا يمكن تجاوزه باسم العرف أو الغيرة، بل وقفت عند أصل المشكلة: كيف يُسمح للغضب أن يتقدم على العدل، وللشك أن يتقدم على الحقيقة؟
أين العدل؟
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الحكاية تُروى عن شاحنة عبرت الطريق، بل عن غضب كاد يعبر عتبات البيوت، لولا أن امرأة أوقفته بسؤال واحد: أين العدل؟
لم تطلب لابنتها نجاةً مؤقتة من أذى عابر، بل بيتًا لا تُستدعى فيه اليد قبل الكلمة، ولا يُعامل فيه الشك كأنه حقيقة. كانت تدرك أن الكرامة لا تُقاس بالنجاة من العنف، بل برفضه من جذوره، وأن الصمت قد يكون موقفًا يضع الظلم أمام مرآته.
ومنذ ذلك الحين، بقي سؤالها في ذاكرة القرية شاهدًا على أن الغيرة لا تبرر الإهانة، وأن المروءة لا ينبغي أن تتحول إلى تهمة، وأن الحكمة، وإن خفت صوتها أمام الغضب، أبقى أثرًا وأبعد مدى.
وهكذا انتصرت امرأة لم ترفع يدًا ولا صوتًا؛ أعادت إلى الحق اسمه، وإلى الخوف حدوده، وإلى الكرامة مكانها.
حكمة الجدة ودرس القرية
إن هذه الحكاية ليست مجرد قصة نساء حملتهن شاحنة من وادي حلفا إلى منطقة المحس، ولا قصة رجال غضبوا حين علموا بالأمر، بل هي مرآة لواقع اجتماعي تتكرر فيه الأخطاء حين يغيب التروي، ويُساء فهم المروءة، وتُستبدل الثقة بالشك.
كم من خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة هادئة، وكم من بيت كان يمكن أن يظل مستقرًا لو سبق السؤالُ الضربَ، وكم من امرأة تعرضت للظلم لأن أحدًا لم يمنحها فرصة لتروي ما حدث!
لقد كانت جداتنا، بما امتلكن من خبرة الحياة وفهم طبائع الناس، يقدمن أحيانًا دروسًا لا تحتاج إلى مدارس ولا إلى مجالس حكماء. كنّ يقرأن المجتمع من تفاصيله الصغيرة، ويدركن أن وراء كل تصرف حكاية، وأن الحكم على الناس يحتاج إلى عدل وتثبت، لا إلى غضب وانفعال.
ولذلك، فإن استعادة هذه القصة اليوم ليست دعوة إلى انتصار النساء على الرجال، ولا انتقاصًا من مكانة الرجل، بل تذكير بأن الحكمة مسؤولية إنسانية، وأن الغيرة لا تبرر العنف، وأن العرف لا ينبغي أن يصبح غطاءً للظلم.
امرأة أحكم من الرجال؛ ليست عبارة تنتقص من الرجال، بل شهادة لموقف أثبتت فيه امرأة أن رجاحة العقل لا تُقاس بالقوة أو المكانة الاجتماعية، وإنما بالقدرة على رؤية الخلل، ومواجهة الظلم، والتفكير في العواقب حين يستسلم الآخرون للغضب.
فالحكمة لا تُقاس بمن يرفع صوته أكثر، ولا بمن يملك سلطة العقاب، وإنما بمن يتوقف ليسأل، ويتأنى قبل أن يحكم، ويضع العدل فوق الانفعال.
وتبقى حكاية تلك المرأة من قريتنا شاهدًا على أن بعض الجدات لم يكنّ مجرد حافظات للحكايات، بل كنّ قارئات بارعات للمجتمع، يعرفن أن الخطأ حين يقع يمكن إصلاحه، أما حين يتحول إلى عادة، ويجد من يبرره، فإنه يصبح جرحًا يتوارثه الناس جيلًا بعد جيل.
رحم الله زمن الجدات، حين كانت الحكمة تُولد من التجربة، وكان الموقف الواحد كافيًا ليعلّم الرجال والنساء درسًا لا تمحوه الأيام.