![]()
بدون تردد!!
هادية صباح الخير تكتب…
اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية…
حين يصبح الاختلاف سبباً للإساءة.. ماذا تبقى لنا من أخلاق الحرب والسلم؟
لم أستطع أن أمرّ على ما حدث للزميلة والإعلامية انتصار تقلاوي مروراً عابراً.
ليس لأنني أريد أن أضع نفسي في معسكر ضد معسكر، ولا لأنني أقول إن الإعلامي لا يخطئ أو إن رأيه فوق النقد، ولكن لأنني شعرت أن القضية تجاوزت حدود الاختلاف في الرأي، ودخلت إلى مساحة أخطر بكثير: مساحة المساس بالإنسان وكرامته.
والله، إن أكثر ما يخيفني في هذه الحرب ليس فقط ما فعلته بالمدن والبيوت والاقتصاد، وإنما ما بدأت تفعله في بعض النفوس.
لقد فقدنا أشياء كثيرة بسبب الحرب، فلا ينبغي أن نفقد معها المروءة، والتسامح، واحترام الآخر، وحفظ اللسان.
فالخلاف سنة الحياة.
وأنا وأنت يمكن أن نختلف في السياسة، في الموقف، في تقييم المسؤول، في الإدارة الأهلية، في أداء الحكومة، بل يمكن أن نختلف في كل شيء تقريباً.
لكن هل يعني ذلك أن يتحول اختلافنا إلى إساءة؟
هل يعني أن نبحث عن ثغرة في حياة الإنسان لنطعن من خلالها في كرامته؟
هل يصبح الرأي المخالف جريمة تستحق التشهير؟
لا.. ألف لا.
ماذا فعلت انتصار؟
السؤال الذي يجب أن نطرحه بهدوء هو:
ماذا قالت انتصار حتى تستحق كل هذا الهجوم؟
إذا كان رأيها حول الإدارة الأهلية أو أي قضية عامة قد أغضب البعض، فهذه طبيعة النقاش العام.
الإعلامي يقول رأيه، والمواطن يرد عليه، والمسؤول يوضح، والخبير يناقش، والمجتمع يحكم على الأفكار.
هكذا تُدار المجتمعات.
أما أن نترك الفكرة ونذهب إلى صاحبها، ونترك الحجة ونبحث عن الإساءة، فهنا نكون قد خسرنا جوهر القضية.
قد أختلف مع انتصار.
وقد يختلف معها صديق رمضان.
وقد يختلف معها أبو بكر سيدنا أو غيرهما.
وهذا حق الجميع.
لكن ليس من حق أحد أن يصادر حقها في التعبير أو يحاول إسقاطها معنوياً لأنها قالت ما لا يوافق هواه.
والأهم أن الاختلاف مع رأيها لا يعني أنها استهدفت مجموعة، ولا يعني أنها تحمل أجندة ضد مجتمع أو قبيلة.
إن كانت هناك معلومة خاطئة، فلتُصحح.
وإن كان هناك تحليل غير دقيق، فلنناقشه.
وإن كان هناك رأي نراه خطأ، فلنرد عليه بالحجة.
الفكرة تُهزم بالفكرة.. لا بإهانة صاحبها.
كسلا التي عرفتها ليست هكذا
وأنا هنا أكتب من واقع تجربة شخصية.
حين وفدت إلى كسلا، لم أشعر يوماً أنني غريبة.
لم أشعر أنني بحاجة إلى أن أكون هدندوية أو حلنقية أو هوساوية أو بني عامر أو نوبية حتى أكون مقبولة.
وجدت كسلا أوسع من كل هذه المسميات.
وجدت فيها أهلاً يحتوون القادم إليهم.
ولهذا كنت دائماً أرى أن شباب كسلا هم أبناء الجبل.. أبناء الثبات والمروءة والكرم.
وكنت أعتقد أن هذه المدينة، التي جمعت مكونات الشرق والسودان، ستكون من أكثر الأماكن قدرة على إدارة الاختلاف بحكمة.
لذلك كان مؤلماً بالنسبة لي أن أرى خلافاً حول رأي إعلامية يتحول إلى حديث عن امرأة وسمعتها وشخصها.
هذه ليست كسلا التي أحببتها.
يا أبناء الشرق.. لا تجعلوا الحرب تهزم أخلاقنا
صديق رمضان كتب في عموده عن حزنه على ما وصلت إليه الخلافات، وسأل عن القيم والأخلاق والمروءة والتسامح.
وأنا أضم صوتي إلى هذا السؤال، لكنني أضيف إليه سؤالاً آخر:
ماذا سنورث لأبنائنا إذا أصبحوا يروننا نختلف بالإساءة، وننتقد بالتشهير، ونرد على الرأي بمحاولة كسر صاحبه؟
الأطفال والشباب يراقبون.
ما نكتبه اليوم على صفحاتنا ليس كلاماً عابراً؛ هناك جيل يتعلم منا كيف يختلف، وكيف يحاور، وكيف يحترم المرأة، وكيف يتعامل مع خصمه.
فإذا علمنا أبناءنا أن المختلف معنا عدو، وأن المرأة التي تقول رأياً لا يعجبنا يجوز النيل منها، فنحن لا نعالج أزمة اليوم، وإنما نصنع أزمة الغد.
والذكاء الاصطناعي ليس رخصة للتشهير
أما ما أُثير بشأن استخدام صور مصطنعة أو معالجة بالذكاء الاصطناعي للإساءة إلى انتصار، فهذه نقطة أخطر من مجرد خلاف عابر.
التقنية أداة.
يمكن استخدامها في التعليم، والإعلام، والفن، والتوثيق، والإبداع.
لكن تحويلها إلى وسيلة لتشويه إنسان أو النيل من سمعته يفتح باباً أخلاقياً خطيراً.
وهنا أسأل كل من شارك في صناعة أو تداول محتوى مسيء:
لو كانت الصورة تخص أختك أو ابنتك أو زوجتك.. هل كنت سترضى بتداولها؟
إذا كانت الإجابة: لا.
فلماذا نقبل لامرأة أخرى ما لا نقبله لنساء بيوتنا؟
هذه ليست مسألة انتصار وحدها.
هذه مسألة مبدأ.
ما لا نرضاه لأنفسنا لا ينبغي أن نرضاه للآخرين.
انتصار قبل أن تكون إعلامية.. إنسانة
أنا لا أملك أن أزكي إنساناً أمام الناس، ولا أقول إن انتصار لا تخطئ.
هي بشر.
وأنا أخطئ.
وأنت تخطئ.
وكلنا نخطئ.
لكنني أعرف عنها، في حدود ما عايشت ورأيت، مواقف إنسانية وأخوية كثيرة.
وأعرف أنها امرأة لها أسرة وتاريخ وعلاقات ومكانة اجتماعية.
ولذلك فإن استهدافها لا يقف عند حدود منشور أو مقال.
حين تسيء إلى امرأة، فأنت لا تسيء فقط إلى اسم مكتوب على شاشة.
أنت تمس إنسانة لها أهل وأبناء وأصدقاء وذكريات وحياة كاملة.
ومن هنا فإنني أضم صوتي لما أشار إليه الزميل صديق رمضان بشأن مكانة انتصار وأسرتها وانتمائها إلى مجتمع الشرق.
فالشرق الذي نعرفه لم يكن يوماً شرق الإساءة إلى المرأة.
الشرق هو المروءة.
الشرق هو النخوة.
الشرق هو احترام الكبير، ورعاية الضعيف، وحفظ الجيرة، وصون الكرامة.
فلا تجعلوا خلافاً سياسياً أو إعلامياً يمحو كل هذا الإرث الجميل.
إلى أبي بكر سيدنا.. وإلى كل من شارك في السجال
أقولها بمحبة، لا بخصومة:
الفتنة نائمة.. فلا توقظوها.
ليس من مصلحة أحد أن تستمر حالة التراشق.
وليس من مصلحة كسلا أن يتحول الخلاف إلى معركة بين أبناء المجتمع الواحد.
وليس من مصلحة الإعلام أن يصبح الصحفي خائفاً من التعبير عن رأيه خشية أن تتحول كلماته إلى سبب لاستهدافه.
فلنختلف.
لكن فلنختلف كما يختلف أصحاب العقول.
إذا أخطأت انتصار، قولوا لها أخطأت.
وإذا أصابت، قولوا أصبت.
وإذا اختلفتم معها، قدموا حجتكم.
لكن اتركوا المرأة في أمانها وكرامتها.
كسلا أمام امتحان أخلاقي
نحن أمام مرحلة جديدة.
السودان يحتاج إلى البناء.
وكسلا تحتاج إلى الهدوء، والعمل، والتماسك، والإعلام المسؤول.
فهل يعقل أن نطالب المجتمع بالسلام، ونحن لا نستطيع أن نمارس السلام في اختلافاتنا الصغيرة؟
كيف نطالب الشباب بالابتعاد عن العنف، ونحن نقدم لهم نموذجاً يجعل الإساءة وسيلة للرد؟
كيف نريد إعلاماً يبني الوعي، إذا أصبح الإعلامي نفسه هدفاً عندما يكتب رأياً لا يعجب البعض؟
هذه الأسئلة أهم من انتصار ومن صديق ومن هادية ومن أي شخص آخر.
لأن القضية في النهاية ليست قضية أشخاص.
القضية هي: أي مجتمع نريد؟
هل نريد مجتمعاً يخاف فيه الناس من الكلام؟
أم مجتمعاً يختلف فيه الناس وهم مطمئنون إلى أن كرامتهم محفوظة؟
أنا أختار أن أظل مؤمنة بكسلا التي عرفتها.
كسلا التي تتسع للجميع.
كسلا التي لا تسأل القادم إليها عن قبيلته قبل أن تفتح له قلبها.
كسلا التي تعرف أن المرأة ليست خصماً عندما تختلف.
كسلا التي تستطيع أن تقول:
نختلف في الرأي.. لكننا لا نختلف في الإنسانية.
وأقولها للجميع:
لقد أتعبتنا الحرب بما يكفي.
فلا تجعلوا منصات التواصل الاجتماعي جبهة جديدة.
دعونا نختلف، وننتقد، ونسأل، ونحاسب، ونعترض.
لكن دعونا نحفظ للإنسان كرامته.
فالغلط الكبير، للأمانة، ليس أن تختلف مع انتصار تقلاوي.
الغلط الكبير أن تحاول إسقاطها بالإساءة إليها بدلاً من مناقشة رأيها.
فقد تعبنا من الحرب.. فلا تجعلوا أخلاقنا أيضاً ساحة حرب.
The post بدون تردد!! هادية صباح الخير تكتب… اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية… first appeared on مسار ميديا.