![]()
بدون تردد..
هادية صباح الخير تكتب!!!
: هل تصبح «قفة العيش والعلاج» أولوية والي كسلا لإنقاذ المواطن من الضائقة المعيشية؟
ليس أصعب على المواطن من أن يواجه غلاء المعيشة بجيبٍ أنهكته الأعباء، ومرضٍ ينتظر العلاج، وأسرةٍ تتطلع إلى قوت يومها في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة. وفي مثل هذه الأوقات، لا تُقاس مسؤولية القيادة بكثرة الاجتماعات وحدها، بل بقدرتها على تحويل القرارات إلى حلول تلامس حياة الناس وتخفف عنهم وطأة المعاناة.
من هنا، يكتسب تدخل والي ولاية كسلا لمعالجة قضية الأطباء وإنهاء الإضراب واستئناف العمل بقسم الطوارئ في مستشفى كسلا التعليمي أهمية تتجاوز حدود الأزمة نفسها؛ فالقضية لم تكن مجرد خلاف مهني أو مستحقات مالية، بل ارتبطت مباشرة بحق المواطن في الوصول إلى الخدمة الطبية، خصوصاً أصحاب الحالات الحرجة والأسر التي لا تحتمل الانتظار.
إن إنهاء الإضراب يمثل خطوة مهمة، لكن الأهم هو ضمان عدم عودة الأزمة، عبر معالجة أسبابها، والوفاء باستحقاقات الكوادر الطبية، وتوفير متطلبات العمل داخل المستشفيات. فاستقرار الطبيب جزء من استقرار الخدمة الصحية، والمواطن هو المستفيد الأول عندما تتوفر بيئة مناسبة للعلاج والرعاية.
ولكن، هل يكفي إنقاذ الطوارئ اليوم ما لم نُنقذ المواطن من فاتورة المعيشة والعلاج غداً؟
هنا نصل إلى الملف الأكثر إلحاحاً في حياة الناس: قفة العيش والعلاج. وهما، في تقديري، من أهم ملفات الدعم المجتمعي التي تستحق أن تتصدر أولويات العمل التنفيذي بولاية كسلا؛ لأن الغذاء والدواء ليسا من الكماليات، بل أساس الحياة الكريمة، وأول ما تتأثر به الأسر محدودة الدخل والشرائح الضعيفة عندما تضيق الأحوال الاقتصادية.
والاجتماعات التي عقدها الوالي بشأن إنشاء مجمعات وتعاونيات غذائية في محليات الولاية تفتح الباب أمام مسار عملي يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية، إذا تُرجمت إلى برامج واضحة، وأسعار مناسبة، وآليات رقابة تضمن وصول السلع إلى مستحقيها، بعيداً عن المضاربات والاحتكار واستغلال حاجة المواطنين.
إن أهمية هذه المجمعات والتعاونيات لا تكمن في عددها أو في الإعلان عن قيامها، وإنما في قدرتها على إحداث فرق حقيقي في ميزانية الأسرة: أن يجد المواطن احتياجاته الأساسية بسعر أقل، وأن تتمكن الأسرة محدودة الدخل من توفير الغذاء دون أن تضطر إلى الاستغناء عن الدواء، أو تأجيل علاج مريض، أو تحميل نفسها ديوناً جديدة.
ولكي تحقق هذه المبادرة أهدافها، فإن المطلوب هو أن تشمل محليات ولاية كسلا كافة، وفق خريطة واضحة للاحتياجات، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر هشاشة، والعاملين محدودي الدخل، والأسر المتأثرة بالحرب والنزوح، إلى جانب إشراك الجهات ذات الصلة والقطاع الخاص والمبادرات المجتمعية في توفير السلع الأساسية بأسعار مخفضة.
كما أن ملف العلاج يحتاج إلى مسار موازٍ لا يقل أهمية، يقوم على تعزيز الشراكات مع المؤسسات الصحية والصناديق المجتمعية والجهات الداعمة، وتيسير الحصول على الدواء والفحوصات والخدمات الضرورية، خاصة للفئات التي لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج. فليس من المقبول أن تنجح الجهود في توفير الغذاء، بينما تظل كلفة الدواء عبئاً يعجز المواطن عن مواجهته.
وأحسب أن تدخل الوالي في قضية الأطباء، إلى جانب التحرك نحو إنشاء المجمعات والتعاونيات الغذائية، يعكس إدراكاً لأهمية الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن. لكن قيمة هذا التحرك ستتحدد بما يتحقق على الأرض، وبمدى استمرار المتابعة، وسرعة التنفيذ، ووضوح النتائج.
فالناس لا ينتظرون الوعود بقدر ما ينتظرون أثراً يلمسونه في الأسواق والمستشفيات؛ انخفاضاً في كلفة احتياجاتهم، وتيسيراً في الوصول إلى العلاج، وخدمات مستقرة لا تتوقف كلما تعثرت الإجراءات أو تأخرت المستحقات.
والسؤال الذي أضعه أمام حكومة ولاية كسلا: هل تتحول قفة العيش والعلاج إلى مشروع دعم مجتمعي مستدام يصل إلى كل المحليات، أم تظل المعالجات رهينة الأزمات الطارئة؟
إن المرحلة تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع، وإلى آلية متابعة تعلن ما أُنجز وما تعثر، وتمنح المواطن حقه في معرفة نتائج المبادرات التي تُطرح باسمه ومن أجل تخفيف معاناته.
فالوالي الذي يتدخل لمعالجة أزمة في المستشفى، ثم يسعى إلى إيجاد منافذ لتخفيف كلفة الغذاء، يضع يده على ملفين يمسان جوهر حياة المواطن. ويبقى الرهان أن تتكامل هذه الجهود في خطة واضحة تجعل كرامة الإنسان وصحته وحق أسرته في الغذاء أولوية لا تتراجع.
بدون تردد أقولها: قفة العيش والعلاج ليستا ملفين هامشيين، بل معيار حقيقي لمدى اقتراب السياسات من وجع المواطن. ونجاح أي مبادرة لا يُقاس بما يُقال في قاعات الاجتماعات، وإنما بما يتبقى في جيب المواطن، وبما يجده على مائدة أسرته، وبقدرته على علاج مريضه دون أن يختار بين الدواء وقوت يومة
: نريد أن يرى مواطن كسلا أثر هذه الجهود في سعر السلع، وتوفر الدواء، واستقرار المستشفيات، وأن تمتد ثمارها إلى جميع المحليات، فلا تظل المبادرات حبيسة الاجتماعات، ولا تبقى المعاناة أكبر من الحلول.
قفة المعيشة مسؤولية، والعلاج حق، وحماية الأسواق واجب. فهل تكون هذه الملفات عنوان المرحلة المقبلة في كسلا؟
هادية صباح الخير
The post بدون تردد.. هادية صباح الخير تكتب!!! : هل تصبح «قفة العيش والعلاج» أولوية والي كسلا لإنقاذ المواطن من الضائقة المعيشية؟ first appeared on مسار ميديا.