بعد علي الطاهر.. لماذا تتصاعد الغارات الإسرائيلية على مدينة النبطية؟

بعد علي الطاهر.. لماذا تتصاعد الغارات الإسرائيلية على مدينة النبطية؟

Loading

بعد إعلان الجيش الإسرائيلي فرض ما وصفها بـ”السيطرة العملياتية” على مرتفعات علي الطاهر المطلة على النبطية جنوب لبنان، يبرز سؤال أساسي حول المرحلة التالية: لماذا باتت النبطية ومحيطها تحت ضغط متزايد من الغارات الإسرائيلية؟

ويتضح أن الاستهدافات الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة لم تتركز في نقطة واحدة، بل توزعت على مناطق عدة داخل النبطية ومحيطها، من النبطية الفوقا وميفدون وكفرتبنيت إلى كفررمان وعربصاليم، وصولاً إلى طريق سجد-الريحان والكفور.

ولم تقتصر الاستهدافات على مواقع وطرق، إذ طالت أيضاً منشآت مدنية، من بينها مستشفى غندور ومبنى يضم مكاتب حكومية تابعة لوزارتي المالية والزراعة.

وإلى الشمال الغربي من النبطية، تقع بلدة دير الزهراني التي شهدت بدورها إنذارات بالإخلاء وحركة نزوح، ما يرسم نطاقًا جغرافيًا للضغط الإسرائيلي يتجاوز نقطة محددة، ويمتد إلى المدينة وبعض مداخلها والبلدات المحيطة بها.

لماذا النبطية تحديداً؟

مدينة النبطية ليست منطقة حدودية، بل تقع في الداخل الجنوبي اللبناني، خلف مجموعة من البلدات والمرتفعات الأقرب إلى خطوط المواجهة، ومنها مرتفعات علي الطاهر.

كما تقع النبطية بالقرب من جبل الريحان وإقليم التفاح، وترتبط بشبكة واسعة من الطرق التي تصل مناطق الجنوب بعضها ببعض، وهو ما يجعل موقعها مهمًا من الناحية الجغرافية واللوجستية.

فمن جهة الشمال والغرب، ترتبط النبطية بمحور الزهراني، ومنه باتجاه صيدا والساحل، كما تتصل بطرق تؤدي نحو صور. وفي الاتجاه الجنوبي، تمتد المحاور نحو وادي الحجير وبلدات القطاع الأوسط، بينما تتجه الطرق شرقًا نحو مرجعيون، وشمالاً شرقيًا نحو إقليم التفاح وجبل الريحان.

ولا تتوقف أهمية هذه الشبكة عند حدود الجنوب، إذ تتصل الطرق الداخلية الممتدة عبر مرجعيون وحاصبيا بمناطق البقاع الغربي.

وبذلك، تقع النبطية عند نقطة تتقاطع حولها عدة اتجاهات داخل الجنوب اللبناني وعمقه، ما يجعل الضغط على طرقها ومداخلها مؤثرًا في حركة التنقل والربط بين عدد كبير من المناطق، وليس داخل المدينة وحدها.

النبطية.. مركز خدمي يتجاوز حدود المدينة

الأهمية الجغرافية ليست العامل الوحيد الذي يفسر حساسية النبطية. فالمدينة هي مركز محافظة النبطية ومركز القضاء، وتؤدي دوراً يتجاوز حدودها البلدية، باعتبارها واحدة من أبرز مدن جبل عامل.

وتضم النبطية أسواقًا ومستشفيات ومؤسسات تعليمية ودوائر رسمية ومرافق خدمية يعتمد عليها سكان عدد كبير من البلدات والقرى المحيطة.

وهذا البعد الخدمي يفسر جانبًا من حساسية استهداف المرافق الموجودة داخل المدينة، إذ إن تعطيل مستشفى أو إدارة حكومية أو طريق رئيسي لا ينعكس على سكان المنطقة المستهدفة وحدهم، بل يمكن أن يؤثر في نطاق أوسع من القرى التي تعتمد على النبطية مركزاً للخدمات والعمل والتجارة.

ثقل سياسي واجتماعي في جنوب لبنان

إلى جانب موقعها الجغرافي ودورها الخدمي، تحمل النبطية أيضًا ثقلاً سياسيًا واجتماعيًا في الجنوب اللبناني، وتُعد من أبرز مناطق الحضور الشعبي والسياسي لحزب الله وحركة أمل.

ومن هنا، فإن ما يجري في محيطها بعد التطورات المرتبطة بمرتفعات علي الطاهر يكتسب أهمية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، خصوصاً مع استمرار الغارات والضغط على الطرق والبلدات المحيطة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود توجه إسرائيلي لاجتياح النبطية أو احتلالها، إذ لا توجد، حتى الآن، معطيات مؤكدة تثبت وجود مثل هذا المخطط.

في المقابل، فإن استمرار الاستهدافات والضغط على المدينة ومحيطها يضع واحدة من أهم عقد الداخل الجنوبي اللبناني تحت التهديد، ليس فقط باعتبارها موقعًا جغرافيًا، وإنما أيضًا بوصفها مركز ثقل سكاني وخدمي وسياسي.

ويأتي ذلك في ظل توسع المنطقة التي تحاول إسرائيل فرض نفوذ عسكري عليها تدريجيًا، وفق ما شهدته الأشهر الماضية، وما يثيره هذا المسار من مخاوف بشأن انتقال الضغط من المناطق الأقرب إلى الحدود نحو العمق اللبناني، تحت ذريعة نزع السلاح.

“السيطرة بالنار” بدلًا من الاحتلال المباشر

وفي هذا السياق، أوضح محمد الصمادي، محلل الشؤون العسكرية في التلفزيون العربي، أن مدينة النبطية تقع ضمن محافظة النبطية في القطاعين الأوسط والشرقي، غير أن أهميتها لا تقتصر على موقعها الجغرافي، بل تتداخل فيها الأبعاد الديمغرافية والمذهبية مع الأبعاد السياسية والاجتماعية والعسكرية.

وأشار إلى أن الحديث عن سقوط النبطية لا ينبغي أن يُفهم فقط كاحتمال لدخول الدبابات أو وحدات المشاة الإسرائيلية إليها، بل هناك سيناريو أخطر يتمثل في إسقاط المدينة وظيفيًا من دون احتلال مباشر.

وأضاف أن إسرائيل، وفق تقديره، تسعى إلى شل الحركة والضغط على المؤسسات عبر سلسلة من الغارات المتواصلة، إذ تضرب الأطراف وتسيطر على المرتفعات، وبعد أن أحكمت قبضتها على مرتفعات علي الطاهر، بات هدفها إبقاء المدينة تحت تهديد جوي واستخباري دائم، عبر خنق محيطها وتحجيم مركزها.

وختم الصمادي بأن الاحتلال التقليدي مكلف بالنسبة لإسرائيل، بينما تعتمد اليوم على ما يسميه “السيطرة بالنار”، أي الضغط المستمر عبر القصف والتهديد، وهو أسلوب أقل كلفة عسكريًا وأكثر مرونة سياسيًا.