بعد 100 يوم.. كيف غيّر مضيق هرمز حسابات الحرب والاقتصاد والصفقات؟

بعد 100 يوم.. كيف غيّر مضيق هرمز حسابات الحرب والاقتصاد والصفقات؟

Loading

يدخل العالم اليوم المئة الأولى من واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة، حيث يواصل مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، العمل تحت وطأة اضطراب غير مسبوق في حركة الملاحة البحرية، ما انعكس بشكل مباشر على استقرار أسواق النفط العالمية وتدفقات التجارة الدولية وتوقعات أسعار الفائدة والتضخم.

وبحسب تقديرات وتحليلات صادرة عن مؤسسات مالية ومراكز بحثية دولية، بينها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، فإن الأزمة التي بدأت مع اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026، اتخذت شكل تعطيل فعلي وممتد لحركة الملاحة، نتيجة الإجراءات الأمنية المكثفة والتصعيد العسكري والتحذيرات المتبادلة.


أزمة مضيق هرمز تطورت عبر 5 مراحل رئيسية


وأدى ذلك إلى تراجع حاد في حركة السفن وارتفاع منسوب المخاطر في ممر يتدفق عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ليصبح نقطة ارتكاز رئيسية في تسعير المخاطر الجيوسياسية، وتحويل العمليات العسكرية التي رُوّج لها في البداية على أنها “حملة خاطفة” إلى استنزاف ممتد.

وتكشف القراءة التحليلية للأيام الـ100 الماضية أن الأزمة تطورت عبر 5 مراحل رئيسية؛ بدأت بمرحلة “صدمة الحصار والمفاجأة العسكرية” في أواخر فبراير/ شباط، حيث أحدث الهجوم المباغت وإعلان إغلاق المضيق حالة ذهول وتوقف مفاجئ لحركة الشحن، لتدخل الأزمة سريعًا خلال مارس/ آذار مرحلتها الثانية المتمثلة في “بلوغ الذروة وتصاعد التهديدات”، مع تدفق الحشود العسكرية الأميركية وارتفاع كلفة العمليات إلى مستويات قياسية وسط مؤشرات على احتمال انفجار حرب شاملة.

هذا الانسداد قاد القوى الدولية إلى المرحلة الثالثة، وهي “البحث عن المسارات البديلة وضغوط الكلفة”، عبر محاولات متسارعة لتفعيل خطوط الأنابيب البرية والاعتماد على مرافئ بديلة، وهي مسارات كشفت الأرقام عجزها عن تعويض خُمس النفط العالمي رغم تكلفتها المرتفعة.

وانتقلت الأزمة في مايو/ أيار الماضي إلى المرحلة الرابعة، وهي “التهدئة الهشة والمناورة الملاحية”، عقب هدنة 8 أبريل/ نيسان برعاية باكستانية، حيث شهدت هذه المرحلة تحولًا استراتيجيًا بقيادة بريطانيا وفرنسا اللتين تزعمتا تحالفًا دوليًا يضم أكثر من 40 دولة لتنسيق مهمة دفاعية لحماية الملاحة فور تثبيت وقف إطلاق نار مستدام، وهو ما تُرجم ميدانيًا بتحريك المدمرة البريطانية “دراغون” وزيادة التمويل بـ115 مليون جنيه إسترليني، بالتوازي مع وصول حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” إلى جيبوتي.

هذا التحشيد الغربي قوبل بردع إيراني مقابل وحرب أعصاب معقدة، تمثلت في تحذيرات حاسمة من طهران وعرض للقوة عبر مناورات برية للحرس الثوري، وإعلان جاهزية غواصات “غدير” الخفيفة وزوارق سريعة هجومية، ما جعل العبور الفعلي يقتصر على ناقلات تتحرك في “وضع التخفي”.

ووصولًا إلى المرحلة الخامسة والحالية مع إتمام الـ100 يوم، وهي مرحلة “التطبيع مع الأزمة والتعايش الإجباري”، والتي تحول فيها التعطيل الفعلي للمضيق من حدث طارئ إلى متغير شبه ثابت تدمجه البنوك المركزية وشركات التأمين وصناع القرار ضمن حسابات التضخم وأسعار الفائدة، بانتظار تسوية سياسية شاملة.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ برعاية باكستانية ودولية في 8 أبريل/ نيسان الفائت، والحديث المتكرر من واشنطن وطهران عن تفاهمات لفتح الممر، لا يزال الواقع الميداني يشير إلى استمرار الاضطراب وتراجع حركة العبور وارتفاع المخاطر التشغيلية.

وتشير بيانات تتبع السفن عبر الأقمار الصناعية إلى فجوة مستمرة بين الإعلانات السياسية والواقع الميداني، مع استمرار تراجع حركة العبور وارتفاع المخاطر رغم الحديث عن تفاهمات لإعادة فتح الممر.


اضطراب أسواق الطاقة


اقتصاديًا، امتدت تداعيات الأزمة إلى أسواق الطاقة والعملات والمعادن، إذ شهد النفط تقلبات حادة وارتفاعات متكررة خلال فترات التوتر، فيما استفاد الذهب من حالة عدم اليقين مسجلًا طلبًا استثماريًا مرتفعًا باعتباره ملاذًا آمنًا في ظل مخاوف التضخم واضطراب أسواق الطاقة. 

في المقابل، تحرك الدولار ضمن نطاق متقلب بين دعم صفة الملاذ الآمن وضغوط التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار النفط، ما انعكس على الأسعار العالمية ورفع كلفة الطاقة والنقل والشحن.

سياسيًا، تصطدم المفاوضات بجدار معقد يهدف إلى تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم بشروط متبادلة شديدة التعقيد، إذ تصر الإدارة الأميركية بقيادة ترمب على التفكيك الكامل للمنشآت النووية الإيرانية والتخلص من اليورانيوم المخصب، بينما تتمسك طهران بحقها في البرنامج النووي السلمي وتربط أي تقدم بالإفراج عن 24 مليار دولار من أموالها المجمدة في الخارج، في ظل تشابك الجبهات الميدانية.

ومع بلوغ الأزمة مئويتها الأولى، تواصل الولايات المتحدة تشديد الضغوط الاقتصادية عبر فرض عقوبات جديدة شملت 15 كيانًا و8 سفن متورطة في نقل النفط الإيراني، ما يعكس حالة جمود دبلوماسي متصاعد، في وقت يظل فيه مضيق هرمز بؤرة توتر عالمية تضغط على الاقتصاد الدولي وتفرض كلفة متزايدة على أسواق الطاقة والنقل والتأمين، بانتظار تسوية سياسية قادرة على فتح الممر وإنهاء حالة الشلل الجزئي التي يعيشها النظام التجاري العالمي.