![]()
وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تكون الحرب على إيران قصيرة، لكن الصراع دخل شهره السادس من دون مؤشرات واضحة على نهايته. وبين الضغوط الاقتصادية، واستنزاف بعض القدرات العسكرية الأميركية، وتداعيات الحرب على حلفاء واشنطن، يجد ترمب نفسه أمام خيارات أكثر صعوبة مما كانت عليه في بداية المواجهة.
وبعد يوم واحد من إعلان ترمب الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط، قال إن القتال قد يستمر من أربعة إلى خمسة أسابيع. لكن بعد مرور ستة أشهر، لا تبدو نهاية الصراع قريبة، فيما تحولت الحرب إلى واحد من أكبر التحديات التي تواجه ولاية ترمب الثانية.
وألحقت الحرب أضرارًا بشعبية ترمب في الداخل، كما أثرت في موقع الولايات المتحدة بالشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، يبدو أن قدرة الرئيس الأميركي على التحكم في مسار المواجهة أصبحت أكثر محدودية، بعدما أظهر القادة الإيرانيون قدرة على تحمل القصف المكثف، ومواصلة الضغط على القوات الأميركية وحلفائها باستخدام وسائل منخفضة التكلفة، بينها الألغام والطائرات المسيّرة.
مضيق هرمز.. الاختبار الأصعب
في هذه المرحلة، يواجه ترمب معضلة رئيسية تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، مع محاولة تجنب تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها لنفسه. فالرئيس الأميركي، بحسب منتقديه، لا يريد أن تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق، خصوصًا في ظل حساسيته تجاه ارتفاع الأسعار وتأثيرها على الناخبين.
كما أن امتناعه، حتى الآن، عن اللجوء إلى بعض أكثر الخيارات العسكرية خطورة ضد إيران يضيّق بدوره هامش المناورة أمام الإدارة الأميركية.
وقالت سوزان مالوني، الخبيرة في العلاقات الأميركية الإيرانية بمعهد بروكينغز لصحيفة “واشنطن بوست”، إن الولايات المتحدة أصبحت في وضع أضعف بكثير، معتبرة أن استعادة النفوذ الذي فقدته خلال الحرب ستكون مهمة صعبة.
وأضافت أن الصراع يأتي ضمن مجموعة أوسع من التطورات التي ساهمت، في رأيها، في تراجع مصداقية الولايات المتحدة وقدراتها في الشرق الأوسط، إلى جانب تأثير ذلك في تعامل واشنطن مع خصومها في مناطق أخرى من العالم.
وفي المقابل، حاول ترمب التأكيد على أن إيران تواجه ضغوطًا متزايدة، مشيرًا إلى الحصار البحري الأميركي والعقوبات المشددة المفروضة على طهران، وقال إن هذه الإجراءات بدأت تضغط على الاقتصاد الإيراني.
كما قلل من تأثير الحرب على حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب أكثر من خُمس إمدادات النفط العالمية.
وقال ترمب للصحفيين في المكتب البيضاوي إن إيران أصبحت في وضع اقتصادي صعب، مضيفًا أن قدراتها العسكرية باتت “محدودة للغاية”. كما تحدث عن عبور زوارق وسفن أميركية للمضيق، مؤكدًا أن ذلك لا يعني انتهاء المواجهة مع الجيش الإيراني، لكنه اعتبر أن المضيق “مفتوح“.
لكن البيانات المتعلقة بحركة الملاحة ترسم صورة أكثر تعقيدًا. ففي الفترة التي سبقت الحرب، كانت أكثر من 100 سفينة تعبر مضيق هرمز يوميًا في المتوسط. أما خلال هذا الأسبوع، فلم يتجاوز العدد خمس سفن في أحد الأيام، وفقًا لشركة “كيبلر” المتخصصة في تتبع حركة السلع والشحن.
ويقول مسؤولون أميركيون إن عدد السفن الفعلي قد يكون أكبر، لأن بعض الناقلات والسفن التجارية تعمد إلى إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال لتجنب رصدها واستهدافها. ومع ذلك، لا تزال إمدادات النفط محدودة، بينما ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ترمب يراهن على نتائج الحرب
يؤكد ترمب وحلفاؤه أن الولايات المتحدة وجهت ضربة تاريخية إلى القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضرارًا كبيرة بقدرة طهران على تطوير برنامجها النووي.
ويستند أنصار الإدارة الأميركية إلى المرحلة الأولى من الحرب، التي شهدت ضربات واسعة النطاق استهدفت منشآت وقوات إيرانية، إلى جانب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، باعتبارها مؤشرات على حجم الضربة التي تلقتها طهران.
لكن بعد ستة أشهر من الحرب التي قال ترمب إنه شنها لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي والضغط على النظام الإيراني، لا يزال النظام في طهران قائمًا، كما تحتفظ إيران بالقدرة على مهاجمة قواعد أميركية ومصالح حلفاء واشنطن في المنطقة.
وهنا تظهر مشكلة أخرى أمام الرئيس الأميركي، تتمثل في استنزاف بعض مخزونات وزارة الدفاع الأميركية، بالتزامن مع استمرار الحرب.
استنزاف الترسانة الأميركية
لا تقتصر تداعيات الحرب على إيران نفسها، إذ تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على مخزوناتها العسكرية.
وبحسب تقارير صحفية، فقد خسرت الولايات المتحدة نسبة كبيرة من طائراتها المسيّرة من طراز “ريبر”، التي تتراوح تكلفة الطائرة الواحدة منها بين 30 و50 مليون دولار، وتستخدم في عمليات المراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف.
كما تراجعت مخزونات أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتطورة، وفي مقدمتها منظومات “باتريوت”، التي تستخدم لحماية إسرائيل وأوكرانيا والقواعد والقوات الأميركية في مناطق مختلفة من العالم.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تزداد حساسية الإدارة تجاه التداعيات الاقتصادية للحرب. فبعض الناخبين الذين دعموا ترمب بسبب تعهده خلال حملته الانتخابية لعام 2024 بتجنب التورط في حروب جديدة بالشرق الأوسط، بدأوا يتساءلون عن المدة التي ستستمر فيها الحرب، وعن تأثيرها في أسعار الوقود والسلع.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز/إبسوس هذا الأسبوع أن نسبة تأييد ترامب بلغت 33%، فيما أشار الاستطلاع إلى تراجع الدعم للحرب بين الجمهوريين، رغم بقاء التأييد لها داخل الحزب عند 69%.
الاقتصاد يقيّد قرارات ترمب
وأظهر ترمب حساسية واضحة تجاه تأثير الحرب في الأسواق والاقتصاد الأميركي. ففي يونيو/حزيران، وبعد توقيعه اتفاق سلام مؤقتًا مع طهران انهار لاحقًا، قال إن الحديث عن السلام ينعكس إيجابًا على أسواق الأسهم.
وبرر آنذاك قراره بالتوصل إلى الاتفاق بأنه لم يكن يريد أن يرى “كارثة اقتصادية”.
وتبدو هذه المخاوف الاقتصادية مؤثرة أيضًا في سياسة الإدارة تجاه إيران. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت هذا الأسبوع ما وصفه بـ”يوم النصر الاقتصادي” ضد طهران، محذرًا الدول والشركات من مخاطر التعرض لعقوبات أميركية إذا واصلت التعامل التجاري مع إيران.
لكن بيسنت خفف في الوقت نفسه من حدة التهديدات، مشيرًا إلى أن العقوبات لن تُفرض بشكل فوري، ومبررًا ذلك بالقول إنه لا يريد “تدمير النظام المالي العالمي”.
ويرى ريتشارد نيفيو، الذي شارك في وضع نظام العقوبات على إيران خلال إدارة الرئيس باراك أوباما قبل الاتفاق النووي عام 2015، أن طهران ربما التقطت هذه الإشارة.
وقال نيفيو إن الحرب وجهت للإيرانيين رسالة واضحة مفادها أن هناك حدودًا لما تكون الولايات المتحدة مستعدة للقيام به.
وأضاف أن الضغط الاقتصادي لا يزال أداة مهمة، لكن الحرب كشفت في الوقت ذاته حدود كل من الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية.
وتابع أن الخطر يتمثل في أن تستنتج إيران أن بإمكانها تحمل الضغوط العسكرية الحالية، معتبرًا أن واشنطن قد تخسر في هذه الحالة نفوذها الاقتصادي، إلى جانب تراجع نفوذها على المستويات الأخرى.
تداعيات الحرب تصل إلى روسيا وأوروبا
ولا تتوقف آثار الحرب عند حدود الشرق الأوسط، إذ تشير معلومات استخباراتية أميركية حديثة إلى أن الكرملين ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها أضعف بسبب انشغالها بالحرب مع إيران.
وبحسب مصدرين مطلعين، قد يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذلك فرصة لزيادة الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها في أوروبا.
وجاءت هذه التقييمات قبل زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو يوم الثلاثاء، حيث حذر، وفق أحد المصادر، نظيره الروسي من تصعيد الموقف في أوكرانيا، مؤكدًا أن مثل هذه الخطوة ستكون ذات نتائج عكسية.
ولم تعلق وكالة الاستخبارات المركزية على تفاصيل المحادثات، فيما قال ترمب يوم الخميس إن بوتين “لن يهاجم أي منطقة تابعة لحلف الناتو”.
الحلفاء بدأوا حساباتهم الخاصة
وأدت الضغوط العسكرية الأميركية إلى تغيير حسابات بعض حلفاء واشنطن أيضًا.
فقد دفعت المخاوف المتعلقة بنقص الأسلحة والأنظمة الدفاعية بعض الدول إلى التريث في تقديم مساعدات إضافية لأوكرانيا أو حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وسط رغبة متزايدة في الاحتفاظ بمخزونات عسكرية تكفي للدفاع عن أراضيها في حال تراجعت قدرة واشنطن على تقديم الدعم.
ومن بين الأمثلة على ذلك طلب أوكرانيا بطاريات “باتريوت” من اليونان، لكن أثينا رفضت الطلب مؤخرًا، ونقلت بدلًا من ذلك إحدى المنظومات إلى جزيرة كريت، بالقرب من قاعدة أميركية هناك، بعد تصاعد التهديدات المرتبطة بالحرب مع إيران.
وفي منطقة الخليج العربي، حيث حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي لعقود، يدرس البنتاغون إمكانية سحب بعض القوات بدلًا من إعادة بناء جميع القواعد التي تعرضت لأضرار خلال الحرب.
ويرى نيت سوانسون، الذي تولى ملف إيران في مجلس الأمن القومي خلال إدارة جو بايدن واستمر في منصبه خلال النصف الأول من إدارة ترمب، أن حلفاء واشنطن سيتعاملون مع الوضع بحذر أكبر.
وقال إن الوجود العسكري الأميركي على أراضي هذه الدول تسبب في أضرار سياسية وأمنية لها خلال الأشهر الستة الماضية، معتبرًا أن وجود القوات الأميركية أصبح، من وجهة نظر بعض هذه الدول، مبررًا للهجمات عليها، بينما لم تكن واشنطن قادرة دائمًا على توفير الحماية الكاملة لها.
وأضاف أن الولايات المتحدة لن تعود، على الأرجح، إلى موقع “القوة المهيمنة الوحيدة” في الشرق الأوسط الذي تمتعت به خلال السنوات الماضية.
