بغداد تتحرك لمنع استهداف دول الجوار.. هل تنجح خطة الحكومة العراقية؟

بغداد تتحرك لمنع استهداف دول الجوار.. هل تنجح خطة الحكومة العراقية؟

Loading

تحركات أمنية وعسكرية وقانونية تقودها الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في استهداف دول الجوار، بالتزامن مع ضغوط سياسية على الفصائل المسلحة ومحاولات لإبقاء العراق بعيدًا عن الصراع الإقليمي المتصاعد.

وبات ملف حصر السلاح بيد الدولة من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة العراقية، في ظل مساعٍ متواصلة لبسط سيادة الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ هجمات ضد دول الجوار.

وتتحرك الحكومة على أكثر من مسار، سياسي وأمني وقانوني، في محاولة لاحتواء الفصائل المسلحة ومنع انخراط العراق في مواجهة إقليمية أوسع، وسط انقسام بين جماعات تتجاوب مع التوجه الحكومي وأخرى ترفضه أو تتحداه.

وفي ظل هذه المساعي، تبرز إيران بوصفها طرفًا يمكن أن يؤدي دورًا في التهدئة، لكن طبيعة العلاقة بين طهران والفصائل المسلحة تطرح تساؤلات حول مدى استعدادها للتخلي عن إحدى أوراق نفوذها في المنطقة، خصوصًا في ظل التصعيد المستمر.

غرفة عمليات على الحدود مع السعودية والكويت

منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو/ أيار الماضي، وضع علي الزيدي مسارًا لتعزيز احتكار الدولة للاستخدام الشرعي للقوة وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية.

وترى الحكومة أن وضع البلاد في ظل تداعيات الحرب في المنطقة لا يسمح بانزلاقها إلى مواجهة إقليمية بعد أن استهدفت فصائل مسلحة بعض دول الجوار ومنها السعودية التي ردت بقصف استهدف مناطق عدة في أرجاء البلاد.

وفي أحدث خطواتها الأمنية، أعلنت القوات المسلحة العراقية تشكيل قيادة عمليات عسكرية جديدة لضبط الأمن والاستقرار في صحراء بادية محافظة المثنى، قرب الحدود مع السعودية والكويت، موضحة أن ذلك يهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار جنوب غربي البلاد.

وبحسب مصدر أمني عراقي، فإن التشكيل الجديد يستهدف أيضًا منع تكرار سيناريو استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات انطلاقًا من الحدود الجنوبية، والحيلولة دون تحول أي ردود خارجية على تلك الهجمات إلى ضربات داخل العراق تضع البلاد أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا.

وجاء التركيز على البادية الجنوبية بعد تلقي الزيدي تقارير استخبارية كشفت عن وجود مناطق في البادية تعاني من ثغرات أمنية استغلتها جماعات مسلحة للتحرك بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية.

وبحسب المصدر نفسه، استخدمت بعض الفصائل هذه المناطق لنقل أو إخفاء تجهيزات مرتبطة بالطائرات المسيرة، فضلًا عن الاستفادة من المواقع النائية في عمليات عسكرية استهدفت دولًا مجاورة.

وهذا التشكيل الجديد سبقته إجراءات حكومية أخرى للضغط على الفصائل المسلحة، منها ما أعلنته وزارة الداخلية عن منع انطلاق أي طائرة مسيرة دون موافقات رسمية وإغلاق عشرات المقرات التي وصفتها بالوهمية وتدعي صلتها بالحشد الشعبي، كما أعلنت إنشاء بنك معلومات لستة ملايين قطعة من السلاح.

وأصدرت السلطات كذلك أوامر إلى الحواجز الأمنية بإجراء عمليات تفتيش دقيقة للعجلات المدنية والعسكرية، بما فيها العجلات التابعة للفصائل المسلحة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي مركبة تتحرك من دون أوامر رسمية أو تنقل أسلحة ومواد محظورة أو أموالًا.

الفصائل تعيد انتشارها

في المقابل، تشير المعطيات الواردة من العراق إلى أن الفصائل المسلحة تعيد رسم خريطة انتشارها الميداني, حيث أخلت مقرات، ونقلت كميات من الأسلحة والمعدات الحساسة، كما نقلت عددًا من القيادات والعناصر إلى مواقع بديلة, وباشرت الاعتماد على  مكاتب صغيرة مخفية فيما لجأت بعض التشكيلات إلى الانتشار داخل معسكرات تابعة للقوات الأمنية والجيش.

ويُنظر إلى إعادة التموضع هذه باعتبارها مؤشرًا على استمرار مخاوف الفصائل من احتمال تعرضها لضربات جديدة، فضلًا عن كونها تحولًا في أسلوب انتشارها الميداني، إذ أصبحت تعتمد على تكتيك يهدف إلى تقليل الخسائر البشرية والمادية في حال تكرار الضربات الجوية، لكنه في المقابل يزيد من تعقيد مهمة الأجهزة الأمنية والاستخبارية في تتبع تحركاتها.

وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية والعسكرية، استخدمت الحكومة العراقية الورقة القانونية للضغط على الفصائل، وهددت السلطات بمعاملة الفصائل وفق قانون مكافحة الإرهاب إذا لم تسلم سلاحها بحلول الثلاثين من سبتمبر/ أيلول المقبل.

ورغم ذلك، تحدت جماعات مسلحة قرار الحكومة بل لوحت بزيادة ترسانتها من الأسلحة.

قاليباف في بغداد

التحركات الأمنية تزامنت مع ضغوط سياسية مارسها الإطار التنسيقي على الجماعات المسلحة للحفاظ على التهدئة وعدم جر العراق إلى الصراع الإقليمي.

وفي هذا السياق، كان من المقرر أن يتوجه وفد من الإطار التنسيقي إلى طهران لبحث عدد من الملفات، قبل إلغاء الزيارة، ليصل بدلًا من ذلك رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد ويشارك في اجتماع للإطار التنسيقي.

ورغم دعوات التهدئة، توعدت حركة النجباء بالرد على القصف السعودي والأميركي الذي استهدف مواقع في العراق، رافضة الحديث عن التعويضات، ورافعة شعار الصواريخ لا ترد إلا بالصواريخ.

وجاءت هذه التهديدات رغم إعلان فصائل مسلحة تأجيل الرد على القصف السعودي، استجابة لدعوة وجهها زعيم منظمة بدر.

كما أن الجماعات المسلحة تمثل بالنسبة إلى طهران إحدى أوراق النفوذ في المنطقة، ما يجعل مهمة الحكومة في فرض احتكار الدولة للسلاح أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل التصعيد الإقليمي الراهن.

وبينما تسعى بغداد إلى تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام أراضيها ضد دول الجوار، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح حكومة علي الزيدي في إبعاد العراق عن الصراع الإقليمي، أم تصطدم بجدار الفصائل المسلحة وداعميها المحليين والإقليميين؟

اختبار حاسم للحكومة العراقية

من جانبه، أوضح أستاذ العلوم السياسية عمار البهادلي أن المهلة التي منحها رئيس الوزراء للفصائل المسلحة، والبالغة خمسين يومًا وتنتهي في 30 سبتمبر/ أيلول، تمثل اختبارًا حاسمًا للحكومة العراقية. وقد وصف السيد الزيدي هذا اليوم بأنه سيكون “كرنفال السيادة الوطنية”، بما يعني إنهاء ملف طالما أثقل كاهل دوائر صنع القرار السياسي والعسكري.

وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من بغداد أن زيارة الوفد الإيراني إلى العراق تكشف طبيعة العلاقة الوثيقة بين الفصائل المسلحة وإيران، وهي علاقة تقوم على ثلاثة مستويات: عقائدي، أمني، ومحور المقاومة.

وأشار البهادلي إلى أن حكومة الزبيدي تواجه اختبارًا مصيريًا حتى نهاية سبتمبر: هل ستنجح في جعل قرار السلم والحرب بيد الدولة وحدها، أم سيبقى القرار موزعًا بين الحكومة والفصائل المسلحة، بما يهدد وحدة السيادة؟

وأوضح أن الحكومة العراقية سارت في أكثر من مسار متوازن؛ فهي اعتمدت على الجانب السياسي، ثم القانوني، وأيضًا العسكري والأمني. ومن أبرز خطواتها في هذه المرحلة حصر الصلاحيات بيد مكتب القائد العام للقوات المسلحة، لضمان أن يكون القرار العسكري والأمني قرارًا سياديًا خالصًا لرئيس الوزراء، دون مشاركة أو تقاسم من أي جهة أخرى.

كما بيّن أن المسار القانوني يجرّم حمل السلاح خارج إطار الدولة، ويخضعه للمادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب، سواء داخل العراق أو تجاه دول إقليمية ودولية.

أما المسار الثالث فهو التفاوضي، حيث تسعى الحكومة عبر الجانب الإيراني إلى تنشيط الدبلوماسية السياسية والعسكرية لإقناع بعض الفصائل بالتخلي عن السلاح، رغم أن هناك فصيلين ما زالا حتى الآن يرفضون ذلك.

السعودية تنتظر ترجمة القرارات إلى واقع

وبشأن سؤال حول ما إذا كانت السعودية تعتبر الإجراءات التي تتخذها الحكومة العراقية خطوات جدية، قال المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي: “السعودية ودول الخليج، ونحن كمراقبين، نتمنى للحكومة العراقية كل التوفيق، وأعتقد أن المملكة لا تشك في صدقية ما تعلنه الحكومة”.

وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من الرياض أن الحكومة العراقية تبذل جهودًا على المستويات القانونية والسياسية والحوارية مع مختلف الأطراف العراقية، بهدف تجنّب أي أزمات داخلية.

وتابع اليامي قائلاً إن نجاح الحكومة العراقية في إقناع ما وصفها بـ”حكومة الميليشيات” يبقى أمرًا مشكوكًا فيه، مشددًا على أن دول الخليج تريد أن تتحول تصريحات الحكومة الوطنية العراقية وقراراتها إلى واقع ملموس على الأرض، بحيث لا تتكرر الاعتداءات مستقبلًا على الأراضي السعودية أو الكويتية أو غيرها من دول المنطقة.