تحالف مكة في طهران والتفويض المصري.. كيف تتحرك عواصم المنطقة لاحتواء التصعيد؟

تحالف مكة في طهران والتفويض المصري.. كيف تتحرك عواصم المنطقة لاحتواء التصعيد؟

Loading

تستضيف طهران اجتماعًا لدول تحالف مكة، فيما يمنح البرلمان المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضًا لدعم السعودية دفاعيًا، وتكثّف الدوحة جهود الوساطة. عناوين تختصر حراكًا أوسع في عواصم المنطقة، يمكن قراءته في سياقين متوازيين: مساعٍ لاحتواء الأزمة ونزع فتيل مواجهة وشيكة، أو استعدادات لاحتمال تصعيد عسكري جديد بما يحمله من تداعيات وارتدادات إقليمية.

واختُتمت محادثات دول تحالف مكة، السعودية وتركيا وباكستان، في طهران ببيانات أكدت مواصلة التشاور والتعاون والتنسيق، من دون مناقشة الملف النووي الإيراني، الذي يمثل إحدى أبرز عقد الصراع بين طهران وواشنطن، بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين إيرانيين.

ويتقاطع ذلك مع بيان سعودي يحثّ على فتح قنوات التفاوض لمنع تجدد التصعيد العسكري، في إشارة إلى أن جهود الرياض وحلفائها تتركز حاليًا على إعادة الإيرانيين والأميركيين إلى طاولة المفاوضات، ولو عبر الوساطة. ويتسق هذا التوجه مع المساعي القطرية المكثفة لاحتواء الأزمة.

وفي خضم هذه التحركات، يكتسب التفويض البرلماني المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات دفاعية لدعم السعودية أهمية إقليمية، في ظل مخاوف من أن يؤدي اتساع المواجهة إلى تصعيد إضافي في اليمن، خصوصًا إذا اشتعلت جبهة مضيق هرمز.



اجتماع سابق للدول الأعضاء في حلف مكة الدفاعي – غيتي
كيف استقبلت إيران مبادرات جيرانها للحوار والوساطة؟ وما الشكل الذي قد يتخذه التصعيد الجديد في المنطقة، وما الذي سيميزه عن الجولات السابقة؟ وما السيناريوهات المتاحة أمام دول المنطقة لتجنب التصعيد أو تخفيف آثاره إذا تجددت المواجهة؟

تحركات اللحظة الأخيرة لاحتواء الأزمة


اجتماع مفاجئ واستباقي، ربما جاء في اللحظات الأخيرة قبل احتمال تجدد المواجهة. ثلاثة من أبرز المسؤولين العسكريين والأمنيين في تحالف مكة، هم وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس جهاز المخابرات التركي، يجتمعون في طهران، وسط ما يوصف بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وغموض بشأن خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه إيران.

وفي ظل هذه الأجواء، لم يعد السؤال لدى كثيرين مقتصرًا على احتمال شنّ واشنطن هجومًا جديدًا، بل بات يشمل توقيته ونطاقه.

وتبدو الزيارة محاولة لإعادة ترتيب الأوراق؛ فالتحالف الذي نشأ تحسبًا لسيناريوهات خطرة، من بينها احتمال أن تبادر طهران إلى رد واسع يستهدف جوارها الخليجي، يتحرك الآن لنزع فتيل الأزمة انطلاقًا من إيران، بحثًا عن مخرج من أزمة تتعقد وتتسع.

وتؤكد المواقف الصادرة عن الخارجية السعودية هذا التوجه، فيما تشير الخارجية الإيرانية إلى أن التوسع الإسرائيلي وتداعيات أي عمل عسكري يستهدف طهران مطروحان على طاولة البحث.

أما الهدف الأبعد، فيتمثل في الرهان على تأسيس آلية أمنية إقليمية.

وقبل يوم واحد من اجتماع طهران، زار وفد قطري العاصمة الإيرانية، في تحرك يعكس مساعي الدوحة لتجنب عودة الحرب بصورة أشد من السابق.

وفي السياق نفسه، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من التصعيد، مؤكدًا ضرورة تجنيب المنطقة مواجهة عسكرية واسعة النطاق، سواء عبر هجوم جديد على إيران أو رد إيراني يستهدف دول الجوار.

واللافت أن دول الخليج التي تعرضت للقصف والاستهداف هي نفسها التي تبادر إلى التحرك، وسط مخاوف من أن تجد نفسها من دون غطاء دفاعي أميركي كافٍ. فمنذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط، تعرضت هذه الدول لهجمات، وردّت بخطوات محسوبة لتجنب الانجرار إلى حرب لم تكن طرفًا فيها، لكن الصراع اتسع لاحقًا.

وفي المقابل، تبرز عوامل أخرى قد تدفع نحو التصعيد، من بينها دور الحوثيين وصلاتهم بطهران، إلى جانب حسابات ترمب الداخلية، في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من تراجع حظوظ حزبه في انتخابات التجديد النصفي، فضلًا عن الضغوط السياسية التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقد تدفع هذه الضغوط بعض الأطراف إلى اللجوء إلى التصعيد العسكري.

وفي ظل هذه المعطيات، تسعى دول المنطقة، والخليج تحديدًا، إلى احتواء الأزمة عبر التحالفات الدفاعية والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.


تقرير: زياد بركات | قراءة: عبدالله ولد سيديا

رسائل تحذير من كلفة التصعيد في المنطقة


يشير رئيس مركز القرن العربي للدراسات، سعد بن عمر، إلى أن أهمية الاجتماع تتجاوز نتائجه المعلنة، بالنظر إلى توقيته وطبيعة الدول المشاركة فيه. فتركيا وباكستان ترتبطان بحدود مباشرة مع إيران، وأي تطورات داخلها يمكن أن تنعكس على أمن الدول المجاورة واستقرارها.

ويرى بن عمر، في حديث إلى التلفزيون العربي من الرياض، أن اجتماع القيادات الأمنية والعسكرية في طهران، قبيل الموعد الذي حددته واشنطن لاحتمال شن حملة عسكرية جديدة على إيران، يعكس مخاوف إقليمية جدية من اتساع دائرة المواجهة.

ويضيف أن دول التحالف تسعى إلى منع اندلاع حرب لن تقتصر تداعياتها على إيران، بل ستمتد إلى مختلف الأطراف في المنطقة.

وفي هذا الإطار، لا يقتصر التحرك على البحث عن أرضيات مشتركة مع طهران، بل يتضمن أيضًا توجيه رسائل تحذير من كلفة التصعيد. ويعتبر بن عمر أن استمرار رفض التفاهم قد يقود إلى تداعيات أوسع، مشيرًا إلى احتمال لجوء تركيا وباكستان إلى إغلاق حدودهما مع إيران واتخاذ إجراءات اقتصادية في حال اندلاع الحرب.

ويضع بن عمر استئناف المفاوضات الإيرانية الأميركية ضمن أولويات التحرك السعودي، إلى جانب مطالبة طهران بسحب مستشاريها من اليمن، وهو مطلب قال إنه يحظى بدعم.

ويرى أن هذه المطالب تعكس سعي الرياض إلى تجنيب المنطقة مواجهة جديدة، مع التشكيك في أن تكون التصريحات الإيرانية وحدها كافية لإثبات وجود قرار فعلي بالتهدئة.


“اجتماع طهران يمثل مؤشرًا إيجابيًا”


من جهته، يعتبر مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، مصدق بور، أن الاجتماع يأتي في سياق مخاوف مشتركة من تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ويقول، في حديث إلى التلفزيون العربي من طهران، إن فكرة إنشاء نظام أمني ودفاعي إقليمي ليست جديدة؛ إذ سبق أن طُرحت تصورات لإقامة إطار يتجاوز التنسيق السياسي إلى اتفاقيات للدفاع المشترك، لكن ظروف الحرب والتأثيرات الخارجية حالت دون تحقيقها.

ويضيف مصدق بور أن تجاوب طهران مع الاجتماع يمثل مؤشرًا إيجابيًا، مشيرًا إلى أن المخاوف الإيرانية لا تقتصر على احتمال تعرضها لهجمات جديدة، بل تشمل أيضًا احتمال تشكّل تحالف إقليمي إلى جانب الولايات المتحدة.



وفي قراءته للمشهد، يرى بور أن أهداف واشنطن تتجاوز إيران، معتبرًا أن إضعاف دول المنطقة وتدمير مواردها قد يصبان في مصلحة إسرائيل. كما يحذر من أن استهداف المنشآت النفطية سيشكل خطأً استراتيجيًا، بالنظر إلى التداعيات المحتملة على اقتصادات المنطقة واستقرارها.

ويشدد على أن أي إطار أمني إقليمي لن يكون مستدامًا ما لم تشارك فيه دول المنطقة نفسها، بما فيها مختلف دول الخليج. كما يرى ضرورة ألا تقتصر التفاهمات على ملفات بعينها، مثل اليمن، بل أن تشمل القضايا المشتركة المؤثرة في أمن المنطقة.


الوساطة القطرية.. مسار موازٍ للتحركات الأمنية


تزامن اجتماع تحالف مكة مع زيارة وفد قطري إلى طهران، في تحرك يعكس استمرار الجهود الرامية إلى منع تجدد الحرب وفتح قنوات اتصال بين الأطراف المعنية.

ويرى الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، نايف النابت، أنه لا يمكن الجزم بوجود تنسيق كامل بين المسارين القطري والأمني، لكنه يشدد على ضرورة النظر إليهما ضمن سياق إقليمي واحد، بالنظر إلى تقارب توقيتهما والهدف المشترك المتمثل في احتواء الأزمة.

وبحسب النابت، تكمن أهمية اجتماع تحالف مكة في أنه ينقل الجهود من نطاق الوساطة الدبلوماسية إلى مستوى المصالح الأمنية المباشرة. فالدول التي عززت استعداداتها الدفاعية تحاول في الوقت نفسه التواصل مع إيران لتجنب مواجهة قد تهدد أمن المنطقة بأكملها.

ويشير إلى أن مشاركة قيادات أمنية وعسكرية رفيعة من السعودية وتركيا وباكستان تتيح فرصة لفهم الموقف الإيراني بصورة أوضح، وقياس مدى استعداد طهران للتعاون في الملفات الأمنية. كما يمكن أن تسهم هذه التحركات في تهيئة بيئة إقليمية تساعد على إنجاح المساعي الدبلوماسية وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع.

وفي ظل انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، يبرز دور الوساطة في منع انقطاع الاتصالات واستمرار تبادل الرسائل، حتى عندما تبدو فرص التوصل إلى اتفاق محدودة.

ويؤكد النابت أن الوساطة القطرية والباكستانية تكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة؛ لأنها تتيح استمرار الحوار وتقريب وجهات النظر، وتساعد على إبقاء الخيارات الدبلوماسية قائمة حتى في حال تعثر المفاوضات.

ويرى أن استمرار الحوار الإقليمي يظل ضرورة حتى إذا تجددت الضربات الأميركية على إيران، لأن التفاهمات الثنائية بين الأطراف الدولية لا تكفي وحدها لضمان أمن المنطقة. فالدول الإقليمية معنية مباشرة بمناقشة التهديدات التي تواجهها، ووضع ترتيبات أمنية تأخذ في الحسبان مصالحها ومخاوفها.

ويحذر النابت من أن تعثر المفاوضات لا ينبغي أن يؤدي إلى التخلي عن الوساطة، بل يجعل استمرارها أكثر أهمية لتقليل احتمالات التصعيد ومنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع.


القاهرة والرياض.. دعم دفاعي وحسابات إقليمية


بالتوازي مع التحركات في طهران، منح البرلمان المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضًا باتخاذ إجراءات دفاعية لدعم السعودية إذا طلبت ذلك، في خطوة تعكس أهمية أمن المملكة والخليج في الحسابات المصرية.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير فوزي العشماوي، أن التفويض يحمل دلالة سياسية وأمنية مهمة، ويؤكد استعداد القاهرة لتقديم دعم معنوي ومادي وعسكري لحماية أمن السعودية وسلامة أراضيها.

ويشير العشماوي، في حديث إلى التلفزيون العربي من القاهرة، إلى أن التفويض يأتي في سياق التزام مصر بأمن المملكة والخليج عمومًا، مستحضرًا تفويضًا سابقًا في سياق ليبيا عام 2020.

ويعتبر أن هذه الخطوة لا تتعارض مع استمرار المساعي الدبلوماسية، بل يمكن أن تسهم في تعزيز الردع بالتوازي مع الجهود الرامية إلى منع الحرب.

وفي هذا الإطار، يشدد العشماوي على أن التحركات الإقليمية ينبغي ألا تقتصر على الضغط على إيران، بل يجب أن تشمل التواصل مع الولايات المتحدة لإيصال المخاوف الأمنية لدول المنطقة ومصالحها، والحيلولة دون اتخاذ قرارات عسكرية قد تكون لها تداعيات واسعة على الخليج.

ويعتبر أن اجتماع القيادات الأمنية والعسكرية في طهران يمثل فرصة لانتزاع قدر أكبر من المرونة من الجانب الإيراني، بالتوازي مع توجيه رسائل إلى واشنطن بشأن مخاطر أي تصعيد جديد.

لكن العشماوي يميز بين الدعم الدفاعي والانخراط في حرب إقليمية، موضحًا أن التفويض، وفق قراءته، لا يشكل في حد ذاته قرارًا بإرسال قوات برية أو تنفيذ عمليات هجومية أو التدخل في الشأن اليمني.

ويرى أن أي مشاركة مصرية محتملة ينبغي أن تركز على مساعدة السعودية في حماية مجالها الجوي وأراضيها وسكانها ومنشآتها ومؤسساتها، وفقًا للظروف وبالتنسيق بين الجانبين.

ويؤكد أن القاهرة لا ترغب في الانخراط في صراعات لا تخدم أمنها القومي، مستشهدًا بتجارب إقليمية أظهرت أن بدء التدخلات العسكرية قد يكون أسهل من تحديد نهايتها وتكاليفها وتبعاتها.

في المقابل، يلفت العشماوي إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة إلى مصر، بالنظر إلى ارتباطهما بأمن الملاحة وقناة السويس، التي تمثل مصلحة اقتصادية وأمنية حيوية للقاهرة.

ويشير إلى وجود تنسيق مصري سعودي لتأمين البحر الأحمر والملاحة فيه، معتبرًا أن القاهرة تسعى إلى الموازنة بين حماية مصالحها ومساندة الدول العربية من جهة، وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية مفتوحة من جهة أخرى.

كما يدعو إلى تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ويرى أن وجود قوة عربية مشتركة كان يمكن أن يتيح التعامل مع ملفات إقليمية، بينها اليمن، ضمن إطار جماعي بدلًا من تحرك الدول بصورة منفردة.