![]()
في 5 يوليو/ تموز 2022، أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل المواطن محمد فاتح خلف الدهام وشخص مدني آخر لم تتمكّن من تحديد هويته، برصاص عناصر من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” خلال مداهمة منزل في قرية الزر شرقي دير الزور في اليوم السابق.
ووصفت الواقعة بأنّها انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان يستوجب محاسبة مرتكبيه، لكنّ تحقيقًا لفريق “إنسايت” التابع لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية كشف أنّ جنودًا من القوات الخاصة البريطانية “إس إيه إس” هم من أطلقوا النار، وأنّ العملية السرية أعقبتها تحقيقات في القتل العمد استمرت نحو ثلاث سنوات وانتهت من دون توجيه اتهامات.
تحرك بريطاني كردي
واستند التحقيق إلى شهادات ووثائق مسرّبة ومعلومات من مصادر مفتوحة، لإعادة بناء عملية بدأت ليل 3 يوليو 2022 بهدف اعتقال قائد خلية نائمة لـ”تنظيم الدولة” يحمل الاسم الرمزي “برافو وان”، بعدما راقبت الاستخبارات تحركاته لأسابيع، ضمن حملة لاعتقال قادة التنظيم ونقلهم إلى سجون كردية لاستجوابهم بشأن نشاطه ومخططات هجمات محتملة في الغرب.
وتحرّكت القوة البريطانية بمساندة نحو 24 جنديًا كرديًا، من قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، ومروحية هجومية وطائرات مسيّرة، لكنها اضطرت إلى تغيير خطتها بعدما غادر المستهدف منزله برفقة ثلاثة أشخاص وتنقّلوا بين مبنى حددته الاستخبارات الكردية مخزنًا للأسلحة وحقل قريب، فيما تلقّت القوة معلومات عن مشاركته في هجوم قتل جنديًا كرديًا في اليوم نفسه.
تعطل الاتصالات
وبحسب شهادات الجنود، سمعوا رصاصًا يمر فوق رؤوسهم فور ترجلهم، من دون أن يتمكنوا من تحديد مصدره، ثم انقسمت المجموعة وفرّ اثنان وتعذّر تعقّبهما بعد تعطّل الاتصالات مع المروحية، بينما بقي شخصان قال الجنود إنّهما رفضا الاستسلام وتحرّكا في الحقل وانبطحا مرارًا في أوضاع بدت لهم شبيهة بوضعية إطلاق النار، فأطلق أربعة جنود النار عليهما بإذن قائدهم، معتقدين أن حياتهم مهددة.
ولم يعثر الجنود على أسلحة مع القتيلين أو في محيطهما المباشر، لكن المرافقين الأكراد أكدوا لهم أن القيادي “برافو وان” أحدهما، فغادرت القوة قبل أن تتبين المفاجأة في اليوم التالي، إذ يقول التحقيق إن الاستخبارات رصدت المطلوب حيًا في بث مباشر على فيسبوك ينفذ هجومًا على حاجز ويتوعد بالانتقام لرفاقه القتلى، بالتزامن مع انتشار اتهامات بقتل مدنيين نُسبت العملية فيها إلى قوات التحالف الدولي أو “قسد”.
وتتبّع التحقيق هوية القتيلين، أحدهما محمد فاتح خلف الدهام الذي قيل إنه كان في السابعة عشرة وأُفرج عنه من سجن تابع للقوات الكردية قبل مقتله بثلاثة أشهر، والآخر ورد اسمه عبد الله أو عمر وقيل إنّه في الرابعة عشرة من عمره، وأشار إلى صور لمحمد يحمل بندقية كلاشنيكوف ومنشورات رثاء وتقارير محلية تربط الاثنين بالتنظيم، من دون حسم ظروف ارتباطهما بالمستهدف أو إثبات أنهما كانا مسلحين لحظة إطلاق النار.
وبدأت قيادة الوحدة مراجعة داخلية خلص المسؤول عنها، بحسب الصحيفة واستنادًا إلى مشورة قانونية، إلى أنّ الجنود تصرّفوا دفاعًا عن النفس ولا تستدعي الواقعة إجراءً إضافيًا.
لكن مدير القوات الخاصة آنذاك غوين جينكينز أحال القضية إلى الشرطة العسكرية في 15 يوليو، بعد ثلاثة أيام من بث “بي بي سي” تحقيقًا عن عمليات قتل غير مشروع في أفغانستان، كشف أنّ جينكينز تلقّى بلاغًا بشأنها واحتفظ به في خزنة وأبلغ رؤساءه دون إخطار الشرطة العسكرية.
🔺 EXCLUSIVE: How did a secret mission in Syria lead to a crisis within Britain’s special forces? Insight, The Sunday Times investigations team, can reveal the full story behind an SAS operation in Syria in 2022 — and its aftermath https://t.co/AKYZOStnye
— The Times and Sunday Times (@thetimes) October 17, 2026
وفي مكالمة فيديو لاحقة مع جنود العملية السورية، قال لهم إن الإحالة جاءت من أجل “الشفافية”، بحسب شاهدين نقلت عنهما الصحيفة، وطلب منهم مواصلة مهامهم كالمعتاد.
وفتحت الشرطة تحقيقًا شمل الجنود الأربعة الذين أطلقوا النار وقائدهم، مستندة خصوصًا إلى إفاداتهم بعدم العثور على أسلحة، ودرست احتمال أن يكون القتل مخططًا أو أن القوة المستخدمة لم تكن متناسبة مع التهديد، ثم نفذت اعتقالات ومداهمات في بريطانيا وقواعد بسوريا والعراق، وسط ارتباك وتأخيرات وانتقادات من الجنود بشأن احتمال كشف هوياتهم وضعف الدعم القانوني المقدم لهم.
وبعد استجوابهم في بريطانيا، أُعيد الجنود إلى سوريا، وخلال 48 ساعة شاركوا في عملية جديدة خلف “خطوط العدو”، رغم استمرار الاشتباه بهم في القتل العمد، ثم أحالت الشرطة القضية إلى الادعاء العسكري في سبتمبر/ أيلول 2023 سعيًا لتوجيه تهمتين بالقتل إلى كل منهم، قبل إبلاغهم في 30 مايو/ آيار 2025 بعدم توجيه اتهامات، مع إبقاء احتمال مراجعة القرار إذا ظهرت أدلة أو ادعاءات جديدة، دون منحهم إجابة صريحة بشأن صحة تصرفهم في العملية.
وغادر الجنود الخمسة القوات المسلحة لاحقًا، ورووا معاناتهم من ضغوط نفسية وانهيار علاقات ومشكلات مع الكحول ومحاولة انتحار عُدل عنها، إلى جانب استنزاف مدخرات أحدهم في تكاليف المحامين ورفض تأشيرة آخر بسبب إدراج اسمه في قاعدة بيانات للشرطة.
كما قدّم بعضهم شكاوى بشأن قانونية الاعتقالات وطريقة إدارة التحقيق، مؤكدين أنهم يريدون إجراءات عادلة وقواعد اشتباك واضحة دون المطالبة بحصانة من المحاسبة.
وبحسب الصحيفة، أسهمت القضية، إلى جانب تحقيقات أفغانستان وأيرلندا الشمالية، في أزمة ثقة وخروج جنود ذوي خبرة من الوحدة، فيما طلب وزير الدفاع ويس ستريتينغ مراجعة المخاوف المتعلقة بإدارة التحقيق، وأكدت الوزارة حق العسكريين في تحقيقات عادلة ومهنية.
