![]()
اشتعلت جبهات القتال في اليمن، وتعقد المشهد الميداني مع إعلان القوات الحكومية بدء ما وصفته بـ”الهجوم الإستراتيجي” باتجاه صنعاء، معقل جماعة أنصار الله الحوثيين، والعاصمة اليمنية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه خريطة السيطرة الميدانية تحولات متسارعة، كان أبرزها في المخا على الساحل الغربي، حيث أعلنت القوات الحكومية السيطرة على المدينة الإستراتيجية، بعد أسابيع قليلة من سقوطها بيد أنصار الله الحوثيين.
الحرب في اليمن
وتزامن هذا التطور مع إعلان الحكومة اليمنية السيطرة على ذو باب وباب المندب، إلى جانب مواقع عسكرية مهمة في جبل حبشي بمحافظة تعز.
في المقابل، أعلن أنصار الله الحوثيون، في بيانات منفصلة، تعرض صنعاء لغارات سعودية، مشيرين إلى سقوط قتلى وجرحى جراء القصف.
وعلى الصعيد الإقليمي، أعلن التحالف بقيادة السعودية مشاركة نحو 100 طائرة مقاتلة في الهجوم الحالي، مشيرًا إلى تدمير أكثر من 300 هدف عالي القيمة. ويعكس حجم المشاركة الجوية، وفق ما أعلنه التحالف، رغبة في دعم القوات الحكومية لتحقيق حسم ميداني خلال فترة زمنية محدودة.
أما على المستوى الدولي، فأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو التزام بلاده الدفاعي الكامل تجاه الرياض، مشيرًا إلى أن الحكومة اليمنية والسعودية لن تقبلا بسيطرة أنصار الله الحوثيين على مضيق باب المندب.
ومع تسارع التطورات على مختلف الجبهات، يبرز السؤال بشأن اتجاه الكفة الميدانية في اليمن، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمهد لتحول أكبر في مسار الحرب.
تقدم القوات الحكومية واتساع رقعة المواجهات
وفي هذا الإطار، قال الصحفي والباحث في الشأن اليمني أنور العنسي إن القوات الحكومية تمكنت من اجتياز مضيق باب المندب والتقدم نحو مدينة ذوباب والمناطق الساحلية القريبة منه، قبل أن تواصل زحفها باتجاه مدينة المخا الإستراتيجية.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أوضح أن التطورات حملت مفاجآت عديدة، أبرزها ليس فقط سرعة تقدم الجيش اليمني على مواقع الحوثيين، بل أيضًا الطريقة التي انسحب بها مقاتلو الجماعة من تلك المناطق، سواء إلى الصحراء أو عبر البحر.
وأضاف العنسي أن ما جرى قد يكون بداية لكتابة “السطر الأخير” في المأساة التي فجّرتها الحرب، بعد أن أطلق الحوثيون ما وصفوه بـ”حرب التصعيد” ضد الداخل والخارج على حد سواء.
وأشار إلى أن القوات الحكومية لن تتوقف عند المخا، بل ستواصل تقدمها شمالًا نحو مديرية حيس وربما أبعد منها، في مسعى لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون في هضاب وجبال محافظة تعز.
ورأى أن من المبكر التكهن بنهاية وشيكة لهذه المواجهات خلال أيام أو حتى أسابيع، إذ يتوقف الأمر على قدرة القوات الحكومية، بدعم من سلاح الجو السعودي، على مواصلة التقدم نحو مناطق الحوثيين خارج تعز وصولًا إلى محافظة إب، مع الاستمرار في استنزاف وتشتيت قوات الجماعة في جبهات أخرى، خصوصًا مأرب والجوف، باعتبارهما من أكثر الجبهات حساسية.
“معركة فجر اليمن” وأهداف القوات الحكومية
من جهته، قال أحمد الشهري، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن انطلاق معركة “فجر اليمن” جاء بتكاتف الشعب اليمني والقبائل والجيش تحت عقيدة واحدة وقيادة موحدة، مسنودًا بالتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وبدعم دولي لإنهاء وجود جماعة الحوثي.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من الرياض أن قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإعلان التعبئة والنفير العام يهدف بوضوح إلى دحر الانقلاب واستعادة الشرعية إلى العاصمة صنعاء، وإعادة مؤسسات الدولة المحاصرة من قبل الحوثيين.
وأشار إلى أن الانتصارات المتسارعة، من استعادة باب المندب وذوباب والمخا وصولًا إلى مواقع جبلية في تعز، جاءت بغطاء جوي منظم، ما عزز معنويات القوات الحكومية في ظل حالة التشرذم والانسحاب التي تعيشها جماعة الحوثي.
وأضاف أن المرحلة الحالية تحمل عوامل حاسمة، أبرزها إعادة تشكيل وتأهيل القوات المسلحة اليمنية وتزويدها بالسلاح النوعي، إلى جانب وحدة العقيدة العسكرية بعيدًا عن الانقسامات القبلية والمناطقية، فضلًا عن القناعة الشعبية والقبلية بضرورة إنهاء وجود الحوثيين بعد ما ارتكبوه من انتهاكات بحق اليمنيين واستهدافهم مكة والمدينة داخل السعودية.
وأكد أن هذه الممارسات نزعت عن الجماعة أي غطاء ديني أو قومي، وكشفتها أمام المجتمع الدولي كتهديد مباشر للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في محاولة لتكرار نموذج الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز، حسب قوله.
الحوثيون: ما يحدث “دعاية إعلامية ممنهجة”
في المقابل، قال السفير عبد الله صبري، وكيل وزارة الخارجية في حكومة أنصار الله الحوثيين، إن ما يُعلن عن تقدم القوات الحكومية في اليمن لا يعدو كونه “دعاية إعلامية ممنهجة”، مؤكدًا أن السعودية وحلفاءها اعتادوا على “الكذب والتضليل عبر وسائل الإعلام”.
وأضاف أن أي إنجازات ميدانية حقيقية منذ عام 2021 كانت لصالح قوات الحوثيين، بينما لم يحقق الطرف الآخر أي مكاسب ملموسة على الأرض.
عملية “فجر اليمن”.. إسناد جوي سعودي مكثف والقوات الحكومية تعلن استعادة المخا وتقدمها في عدد من المحاور تقرير: زياد بركات #تقدير_موقف @Rola_Hidar https://t.co/6iJfTSKiIx
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) October 5, 2026
وفي حديثه للتلفزيون العربي من صنعاء، أوضح أن ما يُروَّج له من انتصارات ليس سوى “أوهام نفسية” لدى السعودية وحلفائها، مشددًا على أن باب المندب والمخا وميناءها الإستراتيجي ما زالت تحت سيطرة جماعته النارية، وأن المعارك هناك تتسم بطابع الكر والفر، لكن السيطرة الإستراتيجية تبقى بيد قوات الحوثيين، حسب قوله.
وأشار صبري إلى أن جماعته تدير المعركة بعيدًا عن الدعاية الإعلامية، مستشهدًا بمعركة المخا الأخيرة التي رُوّج في بدايتها لانتصارات الطرف الآخر، قبل أن يتضح، بحسب قوله، أن قوات الحوثيين تمكنت من تحرير ما يزيد عن 50 ألف كيلومتر مربع، واعتبر ذلك إنجازًا كبيرًا بمقاييس “الحرب غير المتماثلة”.
الحكومة اليمنية: الحوثيون يعيشون حالة إنكار
بدوره، قال فيصل المجيدي، وكيل وزارة العدل اليمنية، إن جماعة الحوثي تعيش “صدمة نفسية كبيرة” بعد فقدانها مواقع إستراتيجية خلال ساعات قليلة، وهو ما يفسر، بحسبه، حالة الإنكار التي تظهر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل التابعة لها.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من القاهرة أن الضربات الأخيرة كشفت هشاشة الجماعة، وأن الإنكار لا يغيّر من الحقائق الميدانية. وأكد أن القوات الحكومية التي تقود العمليات هي قوات إستراتيجية أُعدّت بخطط متكاملة، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضًا إعادة تطبيع الحياة وحضور الدولة في المناطق المحررة.
وأشار المجيدي إلى أن الحكومة لم تعلن أي عمليات قبل أقل من شهر، وأن الحوثيين هم من بدأوا التصعيد باستهداف معسكرات في مأرب وحضرموت وغيرها، إضافة إلى هجمات على السعودية، ما دفع الحكومة إلى إطلاق ما سمته “عملية الردع”.
وأوضح أن هذه الاعتداءات وخرق التفاهمات الداخلية والإقليمية أظهرت الحوثيين أمام العالم كميليشيا غير منضبطة تستهدف الملاحة الدولية، خصوصًا بعد وصولهم إلى باب المندب، وهو ما أكد أن الجماعة لا يمكن أن تكون شريكًا موثوقًا في هذه المنطقة الحيوية.
وختم بالقول إن الهدف لم يعد مجرد صد الهجمات الحوثية، بل إعادة مؤسسات الدولة إلى صنعاء، في إطار عملية مزدوجة تقوم على تحرير الأرض وتلبية مطالب المواطنين من جهة، والدفاع عن الملاحة الدولية من جهة أخرى، مشددًا على أن الحوثيين فقدوا أي غطاء سياسي أو إنساني بعدما تحولوا من مشكلة محلية إلى تهديد إقليمي ودولي.
واشنطن: دعم للسعودية وتدخل عسكري محدود
من ناحيته، قال ديفيد سيدني، نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، إن تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تعكس جدية واشنطن في التعامل مع الوضع في اليمن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم المملكة العربية السعودية وفق الاتفاقيات القائمة، لكن من المهم إدراك حدود قدرتها على اتخاذ إجراءات مباشرة في الوقت الراهن، في ظل انشغالها بمواجهة إيران وأزمات الطاقة، إضافة إلى استنزاف مخزونها من الذخائر.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من مراكش، أوضح أن الدور الأميركي يقتصر أساسًا على توفير المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، مؤكدًا أن هذا الدعم لن يشمل نشر قوات عسكرية على الأرض.
وردًا على سؤال حول ما إذا كانت واشنطن تنظر إلى ما يجري في باب المندب بمعزل عن صراعها مع إيران، قال سيدني إن الولايات المتحدة تعتبر الملفين جزءًا من نزاع واحد، لكنها لا تملك الموارد الكافية للتعامل مع جميع الجبهات بمفردها.
وأضاف أن واشنطن تسعى إلى دفع الدول الأوروبية للانخراط في دعم السعودية والحكومة اليمنية، فيما يظل تدخلها العسكري المباشر محدودًا، باستثناء تقديم بعض الذخائر والمعلومات الاستخباراتية.
