![]()
دشّن اتحاد أبناء جزيرة بدين، مساء الخميس 30 يوليو 2026، الفيلم الوثائقي «جزيرة بدين.. الهوى والهوية»، من إنتاج أمانة الإعلام والتوثيق بجائزة الشيخ عبدالرحيم محمد فضل حاكم، وذلك بدار جمعية سقدان (جاس) بمدينة الرياض، وسط حضور كبير من أبناء الجالية السودانية والمهتمين بالشأن النوبي والثقافي.
وشرف المناسبة الأستاذ يوسف علي خيري، نجل بطل القصة، الذي انبهر الحضور بلغته النوبية ولكنته السودانية في العربية، وكان حضوره ومشاركته سبباً في استحضار القصة الإنسانية التي وثقها الفيلم، والتي تجسد رحلة أسرة عبرت القارات، لكنها حافظت على جذورها وهويتها النوبية.
وسلط الفيلم الضوء على الدور المحوري الذي قام به أحمد خيري وحرمه زبيدة، إلى جانب الحاجة فاطمة، في احتضان أبناء شقيقهم الراحل علي خيري وتربيتهم بعد عودتهم إلى جزيرة بدين، حيث غرسوا فيهم قيم الأسرة النوبية، واللغة، والعادات، والانتماء، حتى أصبحوا نموذجًا حيًا لانتقال الهوية عبر الأجيال.

كلمات أكدت رسالة الجائزة
استُهلت الأمسية بكلمة للدكتور عمران حاكم، الأمين العام لجائزة الشيخ عبدالرحيم محمد فضل حاكم، أكد فيها أن الجائزة أصبحت مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا يتجاوز مفهوم التكريم التقليدي، من خلال توثيق الشخصيات والتجارب الملهمة، وتشجيع المبادرات التي تحفظ الذاكرة الوطنية وتعزز الهوية.
كما تحدث الدكتور أمين حاكم عن أهمية الاستثمار في التوثيق الثقافي، باعتباره مسؤولية تجاه الأجيال القادمة، فيما تناول الدكتور جمال أحمد خيري الأبعاد الإنسانية التي حملتها قصة الأسرة، وما تمثله من نموذج للوفاء والتكافل داخل المجتمع النوبي.

أما الأستاذ يوسف أحمد خيري، فقد استعاد بعضًا من تفاصيل القصة من واقع معايشتها، معبرًا عن امتنانه لكل من أسهم في توثيق هذه التجربة الإنسانية وتحويلها إلى عمل وثائقي يبقى شاهدًا للأجيال.
قراءة نقدية للفيلم
وفي تعليق مميز على الفيلم، تحدث الصحفي الكبير جعفر عباس، ابن جزيرة بدين، مؤكدًا أن العمل يتجاوز كونه قصة عائلية، ليصبح وثيقة اجتماعية وثقافية تعكس أصالة المجتمع النوبي وقيمه. وأشاد بالدور الذي تقوم به جائزة الشيخ عبدالرحيم محمد فضل حاكم في توثيق النماذج المضيئة، داعيًا إلى مشروع متواصل لتكريم رموز جزيرة بدين في مختلف مجالات العلم والثقافة والفنون والعمل العام، حتى تبقى سيرهم مصدر إلهام للأجيال.

كما قدم الإعلامي محمد جمال قراءة فنية للفيلم، تناول فيها جماليات العرض، والإيقاع البصري، وحسن توظيف المادة الوثائقية، وما أحدثه العمل من توازن بين السرد التاريخي والبعد الإنساني، الأمر الذي جعل المشاهد يعيش تفاصيل القصة بتأثر كبير.
كلمة د. حسين حسن حسين: حفظ الذاكرة هو حفظ الهوية
وأكد الدكتور حسين حسن حسين، رئيس جمعية الصحفيين السودانيين بالمملكة العربية السعودية ورئيس تحرير مجلة نوبيانا، في كلمته أن الأمسية تمثل احتفاءً بقيمة حفظ الذاكرة قبل أن تكون مناسبة لعرض فيلم وثائقي، مشيرًا إلى أن الشعوب تحفظ هويتها من خلال توثيق قصصها وسير رجالها ونسائها.

وأشاد بالدور الذي تؤديه جائزة الشيخ عبدالرحيم محمد فضل حاكم بوصفها مشروعًا ثقافيًا ومجتمعيًا يدعم المعرفة ويحفظ التراث، كما أثنى على مبادرة اتحاد أبناء جزيرة بدين في تبني تدشين الفيلم، معتبرًا ذلك نموذجًا متقدمًا لدور الاتحادات والروابط الأهلية في صون التاريخ والذاكرة الجماعية.
وتناول في كلمته عددًا من المبادرات النوبية الرائدة التي أسهمت في خدمة المجتمع، مؤكدًا أن التجارب الناجحة تثبت قدرة النوبيين على بناء المؤسسات، وتوثيق تاريخهم، وإطلاق المبادرات الثقافية والتعليمية والإنسانية داخل الوطن وخارجه.
وفي قراءته الفنية للعمل، وصف الفيلم بأنه من الأعمال التي تثير أسئلة عميقة حول الإنسان والأسرة والهوية، مشيرًا إلى أن قصة علي خيري تمثل رحلة إنسانية تبدأ من بدين، مرورًا بالإسكندرية وليفربول، ثم تعود إلى الجذور بوصية حملتها زوجته الإيرلندية بكل وفاء، لتبدأ بعدها بطولة جديدة جسدها أحمد خيري وأسرته في احتضان أبناء شقيقه وتربيتهم على القيم النوبية.
وأكد أن الفيلم يقدم نموذجًا نادرًا لانتصار الهوية من خلال التربية والمحبة والأسرة، وليس عبر الشعارات، مبينًا أن انتقال القيم من جيل إلى جيل هو الرسالة الأهم التي حملها العمل، وأن هذه القصة بما تحمله من حب ووفاء واغتراب وعودة ولمّ شمل، تمتلك جميع عناصر الدراما الإنسانية الكبرى.
احتفاء بالهوية ورسالة للمستقبل
واختُتمت الأمسية بإشادة واسعة بالمستوى الفني والفكري للفيلم، وبالجهود الكبيرة التي بذلتها أمانة الإعلام والتوثيق بجائزة الشيخ عبدالرحيم محمد فضل حاكم في إنتاج عمل يجمع بين الجودة الفنية والرسالة الثقافية.
وأكد الحضور أن فيلم «جزيرة بدين.. الهوى والهوية» ليس مجرد توثيق لسيرة أسرة، بل شهادة على قدرة المجتمع النوبي على صون هويته، ونقل قيمه عبر الأجيال، وترسيخ ثقافة الوفاء والانتماء، ليبقى الإنسان هو أعظم ما تورثه الحضارات.