ترمب يذكّره بمن هو “صاحب القرار”.. هل تكون زيارة نتنياهو لواشنطن الأخيرة في مسيرته السياسية؟

ترمب يذكّره بمن هو

Loading

يستبق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارته المرتقبة إلى واشنطن بمزيد من الإنكار. 

“لسنا في حالة حرب دائمة”.

يقول في ردّ غير مباشر على انتقادات حادّة وجهها إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي.

كما أنّ إسرائيل، وفق نتنياهو، تملك “حلفاء كثرًا وأقوياء عبر العالم مثل الهند”.

يقول ذلك في مقابلة أجرتها معه شبكة “فوكس نيوز” الأميركية الأحد، في ردّ مباشر على نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الذي وبّخ وزراء في حكومة نتنياهو على خلفية مواقفهم من مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، مذكّرًا إياهم بأن الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد المتبقي لإسرائيل في العالم.



ترمب قال إن نتنياهو “يعرف من هو صاحب القرار” قبل زيارة محتملة إلى واشنطن – غيتي


فوق هذا وذاك، ينفي نتنياهو وجود أي خلافات أو “فجوة” في المواقف والرؤى بينه وبين ترمب. فالتحالف بينهما، بحسب روايته، لا يزال قويًا، والرجلان يلتقيان في 99% من القضايا.

غير أن الصورة القادمة من واشنطن تبدو مختلفة. فترمب لا يتعامل مع نتنياهو بوصفه شريكًا مساويًا له، ولا يخفي رغبته في تذكيره بمن يملك الكلمة الأخيرة في العلاقة.

ففي مقابلة قصيرة مع موقع “أكسيوس”، قال الرئيس الأميركي إن علاقته بنتنياهو “جيدة جدًا”، قبل أن يضيف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “يعرف من هو صاحب القرار”، في إشارة إلى نفسه.



وأعلن نتنياهو ترشّحه للانتخابات المقبلة، وسط مؤشرات على تراجع حظوظه وصعود منافسين قد يكونون أكثر قدرة منه على تشكيل ائتلاف حكومي.

ويبرز بين هؤلاء رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت الذي أعلن ترشحه أيضًا لرئاسة الوزراء، وتمنحه استطلاعات الرأي موقعًا متقدمًا، رغم أن حزبه قد يحل ثانيًا خلف حزب “الليكود”.

لم يُحدّد بعد موعد رسمي للانتخابات، إلا أنها يفترض أن تُجرى بحلول أواخر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وفي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا يعني تصدّر حزب ما النتائج بالضرورة أن زعيمه هو من سيشكّل الحكومة، إذ تتوقف المسألة على قدرته على جمع أغلبية ائتلافية.

ومن المقرر أن يدخل نتنياهو الانتخابات في واحد من أصعب المواقف التي واجهها خلال مسيرته، بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وخروج خلافاته مع ترمب إلى العلن، وتوجيه الرئيس الأميركي ونائبه انتقادات علنية نادرة إلى الحكومة الإسرائيلية.


نتنياهو.. الأطول بقاء في رئاسة الوزراء


يُعد نتنياهو، البالغ 76 عامًا، أطول رؤساء الحكومات بقاءً في المنصب بتاريخ إسرائيل، إذ أمضى أكثر من 18 عامًا في رئاسة الحكومة منذ عام 1996، حين أصبح أصغر من تولّى المنصب.

ورغم ملاحقته في قضايا فساد، عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة لولاية سادسة عام 2022، وأدخل إليها أحزابًا قومية ودينية متشددة، تتبنى برامج توسعية صريحة.

وأدت مساعي الائتلاف الحكومي للحد من صلاحيات المحكمة العليا وتغيير النظام القضائي إلى اندلاع احتجاجات واسعة عام 2023، قبل العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على قطاع غزة، في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر من ذلك العام.



نتنياهو عام 1996 حين أصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل – غيتي


عرف نتنياهو، خلال مسيرته السياسية الطويلة، كيف ينجو من أزمات متلاحقة، رغم اتهامه بالفساد وتقلب علاقاته مع الإدارات الأميركية على مدى ثلاثة عقود.

لكنه يواجه هذه المرة مجموعة من المآزق المتداخلة: تراجع داخلي، وصعود منافسين من خلفية عسكرية، وانقسام داخل معسكره، وعزلة إسرائيلية متزايدة في الخارج، وخسارة صورته القديمة بوصفه الرجل القادر على التأثير في القرار الأميركي.



فطوال سنوات، قدّم نتنياهو نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره الزعيم الوحيد القادر على مخاطبة واشنطن من موقع الندّ، وتكييف سياساتها مع الحسابات الإسرائيلية، ولا سيما في ما يتعلق بإيران والشرق الأوسط، والوحيد الذي يملك أدوات التأثير على الإدارات الأميركية المتعاقبة. 

وغالبًا ما صُوّر بأنه صاحب كلمة مسموعة في العاصمة الأميركية، وأنه لا يحتاج  إلى أكثر من رفع سماعة الهاتف لكي يضمن توافق الحسابات الاستراتيجية لواشنطن مع حسابات تل أبيب.

غير أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية أصابت هذه الصورة في جوهرها، بعدما مضى ترمب في الاتفاق رغم اعتراضات نتنياهو وتحفظات حكومته.



من حليف مؤثر إلى عبء على واشنطن


تبدو الإدارة الأميركية، التي تمر بمرحلة تحولات كبرى في ظل تصاعد نفوذ تيار ماغا “أميركا أولًا”، أقل استعدادًا للتعامل مع نتنياهو بوصفه حليفًا قادرًا دائمًا على فرض أولوياته، وأكثر ميلًا إلى رؤيته عقبة محتملة أمام اتفاق مع إيران يريد ترمب حمايته واستثماره سياسيًا.

يتزامن ذلك مع تراجع شعبية نتنياهو، على نحو يهدّد بنهايته سياسيًا، ما يجعله في أسوأ أوضاعه على الإطلاق، مراهنًا على زيارته المقبلة لواشنطن لاستعادة صورته التي بناها عبر العقود، وساهمت في نجاته وبقائه السياسي: صورة الزعيم الذي يستطيع الحصول على ما يريد من البيت الأبيض.

لكن ترمب دفعه، بقصد أو من دونه، إلى موقع مختلف؛ فهو لم يعد يظهر شريكًا قادرًا على فرض شروطه، وإنما سياسيًا يطلب لقاء الرئيس الأميركي قبل انتخابات مصيرية.



يسعى نتنياهو إلى ترميم صورته في واشنطن قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة – غيتي

وقال ترمب لموقع “أكسيوس” الإخباري السبت الماضي، إن نتنياهو قد يزور البيت الأبيض “الأسبوع المقبل”، وإن علاقته به “جيدة جدًا”، وهو (نتنياهو) “يعرف من هو الزعيم”. 

من جهته، أعلن مكتب نتنياهو أن الرجلين تحادثا هاتفيًا الجمعة، واتفقا على عقد لقاء “قريب”. وقال إن نتنياهو هنّأ ترمب بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، وأبلغه أن إسرائيل “تقدّر عاليًا العلاقات الوثيقة بين الدولتين”.

ولا يزال موعد اللقاء غير محسوم. فقد قال ترمب إن نتنياهو طلب الاجتماع به، وإن اللقاء قد يعقد بعد عودته من قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة يومي 7 و6 يوليو/ تموز الجاري، فيما أشار مسؤول إسرائيلي إلى احتمال تأجيله إلى الأسبوع التالي. 

ويعوّل نتنياهو على لقائه مع ترمب لتغليب حظوظه ولو جزئيًا في الانتخابات المقبلة، كما يعوّل على زيارة محتملة قد يقوم بها ترمب إلى إسرائيل قبل الانتخابات لتسلّم “جائزة إسرائيل”، آملًا توظيف الزيارة في ترميم صورته لدى الرأي العام الإسرائيلي.

لكنّ تحليلًا لصحيفة “هآرتس” رجّح أن يساهم اللقاء مع ترمب في تراجع شعبية نتنياهو وليس العكس، خاصة أن معارضيه يرون أنه وضع إسرائيل تحت الوصاية الأميركية، ولم يحقّق أيًا من الأهداف التي أعلنها للحرب على إيران، وجعل البلاد في وضع أضعف مما كانت عليه قبل الحرب التي شنتها مع ترمب.

وكان آخر لقاء بين نتنياهو وترمب في واشنطن يوم 11 فبراير/ شباط الماضي، في اجتماع مغلق استمر أكثر من ساعتين ونصف الساعة، ولم يسفر عن قرارات معلنة بشأن الملف الإيراني.

وكان نتنياهو أول زعيم أجنبي يلتقيه ترمب في ولايته الثانية، في 4 فبراير/ شباط 2025، بعد نحو أسبوعين من توليه المنصب. ويُفترض أن يكون اللقاء المرتقب الثامن بينهما منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض. 


الخاسر الأكبر من الاتفاق مع إيران


في منتصف يونيو الماضي، أعلنت باكستان توصل الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهم أولي لإنهاء الحرب بينهما، بعد أشهر من الهجمات الأميركية-الإسرائيلية على إيران.

وفي السابع عشر من يونيو، أُعلن نص مذكرة تفاهم من 14 بندًا، مددت وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وأطلقت مفاوضات للوصول إلى تسوية نهائية، شملت ملفات البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات والحرب في لبنان.



الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يعرض نسخة طهران من مذكرة التفاهم مع واشنطن​​​​​​​ – غيتي


استقبلت إسرائيل المفاوضات ثم الاتفاق بغضب حاول نتنياهو إبقاءه “مكتومًا”، بينما كان يحاول من خلف الستار تخريب المفاوضات بقصف لبنان لاستفزاز إيران ودفع الولايات المتحدة لاستئناف الحرب عليها، لكنّ ذلك وُوجه برد فعل أميركي غير مسبوق مطلع الشهر الماضي. 

وبحسب “أكسيوس”، فقد بلغ التوتر ذروته مطلع يونيو، عندما وجّه ترمب انتقادات حادة إلى نتنياهو خلال اتصال هاتفي، على خلفية تهديد إسرائيل بقصف بيروت وتصعيد عملياتها في لبنان.



وأوضح الموقع أن ترمب استخدم لهجة حادة، ووصف نتنياهو بـ”المجنون“، واتهمه بنكران الجميل، وحذّره من أن استهداف بيروت سيعمق عزلة إسرائيل دوليًا، وقال له: “الجميع يكرهك حاليًا، والجميع بات يكره إسرائيل بسبب هذا الأمر.. ما الذي تفعله بحق الجحيم؟”.

وأضاف ترمب متوجّهًا إلى نتنياهو، بحسب المصدر نفسه: “أنت مجنون تمامًا. لولاي لكنت في السجن الآن. أنا من أنقذ عنقك”.

وتزامنت المكالمة مع تهديد إيران بالانسحاب من المفاوضات بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان، قبل أن تتراجع إسرائيل عن خططها لقصف بيروت. ووُصفت المكالمة بأنها من أسوأ الاتصالات بين الرجلين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض.



نتنياهو يتراجع بعد توبيخ ترمب


في اليوم التالي لتسريب المكالمة الهاتفية بينهما، سعى نتنياهو للتقليل من شأن خلافه مع ترمب، وقال في مقابلة مع قناة “سي إن بي سي” الأميركية، إنهما على النهج نفسه عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع حزب الله.

وأوضح أنه وترمب يجدان طريقة للاتفاق دائمًا، وأنهما يتفقان على الأهداف الأساسية، حتى عندما يختلفان على التكتيكات.

هناك خلافات تكتيكية، لكننا نجد دائمًا طريقة لحلها. 

نفعل ذلك كصديقين بالغين؛ يمكننا أن نختلف في الصباح، ثم يجمعنا عمل مشترك بعد الظهر.

وحرص نتنياهو في اليوم الذي أعلنت فيه باكستان الاتفاق بين واشنطن وطهران، على تعظيم مكاسب إسرائيل من الحرب التي شنها وترمب على إيران، قائلًا إنها جنّبت إسرائيل خطر “الإبادة النووية” على حد قوله.

وتعهّد بأنّه لن يُسمح لطهران أبدًا بالحصول على أسلحة نووية، بغض النظر عن شروط أي اتفاق.

وقال إن الحملة الأميركية-الإسرائيلية ضربت “كلّ هدف ممكن في البنية التحتية” في إيران. وأضاف مدافعًا عن نتائج الحرب:


لم أرتكب أي خطأ على الإطلاق. 

قلنا إننا نريد إزالة تهديد وجودي يلوح في الأفق: أولًا التهديد النووي، وقد فعلنا ذلك، وثانيًا التهديد الصاروخي، وقد فعلنا ذلك أيضًا.


وفي الوقت الذي شدد فيه على أهمية الحفاظ على “العلاقة الحيوية” مع واشنطن، عاد نتنياهو ليدعو إلى تعزيز استقلال إسرائيل العسكري وتقليل اعتمادها على الدعم الأميركي

وقال أمام ضباط احتياط:

“أقدّر كثيرًا الدعم الذي تلقيناه من أصدقائنا الأميركيين، لكننا بحاجة إلى التحرر من التبعية وبناء منظومة تسليح مستقلة خاصة بنا”.

نتنياهو يقلل من خلافاته مع ترمب ويصفها بأنها “تكتيكية”​​​​​​​ – غيتي 

 


وتُعد إسرائيل أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأميركية، إذ حصلت منذ عام 1948 على أكثر من 300 مليار دولار من المساعدات العسكرية والاقتصادية بعد احتساب التضخم.

وبموجب مذكرة تفاهم دخلت حيز التنفيذ عام 2019، تحصل إسرائيل على مساعدات أميركية بقيمة 3.8 مليارات دولار سنويًا حتى عام 2028، بينها 500 مليون دولار مخصصة لمنظومات الدفاع الصاروخي.


فانس يذكّر إسرائيل بأموال دافعي الضرائب


ذلك بالضبط ما تعمّد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس التذكير به في الثامن عشر من الشهر الماضي، قائلًا إنه سيُذكّر أعضاء الحكومة الإسرائيلية أن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل “صُنعت بأيد أميركية ومن أموال دافعي الضرائب الأميركيين”. 



فانس ذكّر الوزراء الإسرائيليين بأن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل صُنعت بأموال أميركية​​​​​​​ – غيتي


ففي مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض، سُئل فانس عن تقارير تتحدث عن غضب نتنياهو من الاتفاق الأميركي-الإيراني، فقال إنه لم يسمع هذا الموقف من رئيس الحكومة نفسه، لكنه انتقد وزراء إسرائيليين هاجموا الاتفاق وترمب شخصيًا.

رسالتي إليهم من شقين. الأول أن دونالد جي ترمب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة.


لو كنت عضوًا في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم

 وأضاف أن على أعضاء الحكومة الإسرائيلية ألا ينسوا أن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل “صُنعت بأيد أميركية ومُوّلت من أموال دافعي الضرائب الأميركيين”.


“أي شخص في إسرائيل يعتقد أن أكبر مشكلاته هي رئيس الولايات المتحدة، عليه أن ينتبه ويدرك حقيقة الوضع الذي تمر به بلاده”



في هذه الأجواء، يستعد نتنياهو لدخول البيت الأبيض مجددًا، لكن ليس من الموقع نفسه الذي اعتاد الظهور فيه. فهو لا يزور واشنطن هذه المرة بوصفه الزعيم الإسرائيلي القادر على دفع الإدارة الأميركية إلى تبنّي مواقفه، وإنما مرشحًا انتخابيًا يحتاج إلى ترمب أكثر مما يحتاج ترمب إليه.

وبينما يحاول نتنياهو تحويل اللقاء إلى شهادة على متانة التحالف، قد يتحول إلى دليل إضافي على تبدل موازين العلاقة، وعلى أن الرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية فوق صورته في واشنطن لم يعد يملك النفوذ نفسه.


في إسرائيل ثمة من يستعد لما تُسمى “ليلة السكاكين الطويلة”.


“لم يعد أحد يرغب بولاية سابعة لنتنياهو”، هذا ما يؤكده الجنرال المتقاعد غادي آيزنكوت  الذي يقدّم نفسه نفسه بوصفه البديل القادر على استعادة القرار الإسرائيلي وتشكيل ائتلاف أوسع​​​​​​​.


تشير استطلاعات الرأي إلى أن حظوظ آيزنكوت في ازدياد لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فيما يواجه نتنياهو للمرة الأولى احتمال أن تكون زيارته المقبلة إلى واشنطن واحدة من آخر محاولاته لإنقاذ مسيرة سياسية امتدت ثلاثة عقود.