![]()
لقد خرجنا وفي الآفاقِ دُخانُ الديارِ يلاحِقُنا، والخطوُ أثقلُهُ الذهول. لم نبتعد عن الديارِ اختياراً، بل خَلَعَتْنا الحربُ من أرضِنا كما يُخْلَعُ النخيلُ من جرفِ الساقية بالهدام .
في الخيمةِ يقتُلُنا الظمأ، وفي الغربةِ ينكأُ الجرحَ حنينُ الترابِ ولمسةُ النيل. نحنُ لسنا أرقاماً في قوائمِ الشتات، بل أصحابُ أرضٍ وتاريخٍ وجذور، ومهما طالَ ليلُ المأساةِ وتجّارِ الدم، فإنّ الأرواحَ المشرّدةَ تحتَ هجيرِ النزوحِ تحملُ معها مفاتيحَ البيوت، ونبضَ الشوقِ للديار.
وهكذا صاغ الشعراء فجيعة النزوح واقتلاع الجذور؛ سكبوا وجع الشتات في قوالب من نور ونار، فكانت أشعارهم مرآةً للاقتلاع والحنين
صلاح أحمد إبراهيم (من قصيدة “يا مريود”)
غريبٌ والأرضُ غيرُ الأرض
والناسُ غيرُ الناس
وطعمُ الماءِ غيرُ الطعم
حتى الشمسُ حين تشرقُ في نواحينا
ترشُّ الدفءَ في غربة
غريبٌ أينما يممتُ وجهي
أينما أسندتُ هذا الرأس
تطاردني وجوه الأهل في الرؤيا
وينكأ جرحيَ النازف
حنينُ الساقية
وصوتُ النيلِ إذ يجري
ويهمسُ في مسامعنا
بأنك ههنا
غريب
محمد المكي إبراهيم (من قصيدة “بعضنا يرحل”)
بعضنا يرحل في الليلِ حزيناً
يحملُ الذكرى وزاداً من حنين
والديارُ البيضُ أضحت كالحاتٍ
تنظرُ الأفقَ وتبكي الغائبين
رحلوا والخطوُ مجهَد
والعيونُ الخُوفُ تحدوها الشجون
أيها الممتدُ في الآفاقِ قهراً
هل ترى يوماً لنهرِ العودِ مجرى؟
أم يطولُ الليلُ والظلمُ المقيم؟
إننا نرحلُ لكنّ الترابْ
يمسكُ الخطوَ ويستحثُّ الركابْ
روضة الحاج
مَا زَالَ يَنْبُضُ فِي الرُّكَامِ حَنِينُنَا
وَنَسِيرُ تَحْمِلُنَا الخِيَامُ إلَى الخِيَامْ
نَطْوِي الفَجِيعَةَ فِي الظَّلاَمِ وَنَبْتَغِي
وَطَناً يُلَمْلِمُ مَا تَبَقَّى مِنْ سَلاَمْ
تَمْشِي النُّزُوحَ أَقْدَامُنَا لَكِنَّنَا
نَبْقَى عَلَى أَمَلِ الرُّجُوعِ مَعَ الغَمَامْ
عالم عباس
تَرَحَّلْنَا وَكَانَ المَوْتُ يَسْعَى بَيْنَنَا
وَالبَيْتُ يَبْكِي خَلْفَنَا وَالمَعْهَدُ
نَمْشِي عَلَى جَمْرِ الشَّتَاتِ وَذُعْرِنَا
وَالشَّوْقُ لِلأَرْضِ العَزِيزَةِ يَشْهَدُ
سَنُعِيدُ يَوْماً لِلنَّخِيلِ هَدِيلَهُ
وَلِكُلِّ بَابٍ خَائِفٍ مَا يَسْنُدُ
محجوب شريف (من قصيدة “مسافة الطريق”)
مسافة الطريق
وتقرب المسافة
ويبتسم الفؤاد
وتزهر الشواطئ
وتضحك الأرض
يصفو المدى
ويرجع الوطن
البيوت الهادئة
والشوارع والدروب
شمسنا الحبيبة
وموية النيل والغروب
حتماً ح نرجع تاني ليها
ونمسح الحزن العليها
ونبني فيها ونعلي في شأنها
ولا بندس ولا بنخاف
مع الشغالين وفي الخفاف
نغني ونزرع الأمل
ويبقى الخير عميم في الدار
تعقيب على ما قيل من الشعراء
لدينا الأمل واليقين بإذنه تعالى
> سوفَ تعودُ العصافيرُ إلى أغصانِها، ويخضرُّ الجرفُ المهجور. لن تظلَّ الخيامُ دياراً، ولا الشتاتُ مأوى، ففي عروقِ كلِّ نازحٍ ولاجئٍ يجرِي يقينُ العودة؛ ستنكسرُ سياطُ الظلمِ وتتلاشى أطماعُ تجارِ الحرب، ونعودُ لنغرسَ القمحَ ونرفعَ البنود، وتزغردَ الجاراتُ تحتَ ظلِّ النخيلِ والسيّال، فمهما اشتدَّ الدجى وتطاولَ الليل، فإنّ الصباحَ حتميُّ الإشراقِ فوقَ أرضِ السودان.”
الدرديري عبدالحميد محمد
١١ سبتمبر ٢٠٢٦م