توقيف الهارب من الجنائية احمد هارون يفتح ملف عودة قيادات نظام البشير إلى المشهد

توقيف الهارب من الجنائية احمد هارون يفتح ملف عودة قيادات نظام البشير إلى المشهد

Loading

توقيف الهارب من الجنائية احمد هارون يفتح ملف عودة قيادات نظام البشير إلى المشهد

وكالات: السودانية نيوز

يضع اعتقال أحمد هارون، المطلوب لدي المحكمة الجنائية وأحد أبرز قيادات نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية أمام اختبار جديد، لا يتعلق فقط بمصير شخصية مطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية، بل أيضاً بتوقيت التوقيف وما يمكن أن يحمله من رسائل سياسية في مرحلة تتداخل فيها حسابات الحرب مع الضغوط الإقليمية والدولية بشأن مستقبل السلطة في السودان.

ويكتسب التطور أهمية إضافية لأنه يأتي بعد ظهور هارون إعلامياً في مقابلة أثارت جدلاً واسعاً حول دور الإسلاميين في المرحلة المقبلة، وعلاقة قيادات النظام السابق بقائد الجيش عبدالفتاح البرهان. وبينما نقلت رويترز عن مسؤولين في حزب المؤتمر الوطني أن الجيش أوقف هارون، لم تتضح بعد جميع ملابسات العملية أو دوافعها، كما لم يصدر ما يكفي من المعطيات الرسمية لتحديد المسار الذي ستتخذه السلطات بشأنه.

وقد يكون توقيف هارون محاولة من البرهان لتلافي ضغوط خارجية متزايدة، ولا سيما من الولايات المتحدة ومصر، بشأن طبيعة القوى التي تحيط بالمؤسسة العسكرية ومستقبل مشاركة الإسلاميين في ترتيبات الحكم. فواشنطن تنظر بحساسية إلى احتمال استعادة عناصر من نظام البشير نفوذهم السياسي والأمني، فيما تتابع القاهرة أي تطورات يمكن أن تؤثر في استقرار السودان وتوازناته، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على الأمن المصري ومصالحه الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن الاعتقال جاء بالضرورة استجابة مباشرة لطلب أميركي أو مصري، إذ لا تتوافر حتى الآن أدلة تثبت وجود ضغوط محددة سبقت التوقيف. لكن الخطوة تتيح للبرهان تقديم إشارة سياسية مفادها أن الجيش لا يمنح قيادات النظام السابق حصانة مطلقة، وأنه يحتفظ بهامش مستقل في التعامل مع الشخصيات التي تثير عودتها إلى الواجهة اعتراضات داخلية وخارجية.

ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه قيادة الجيش اتهامات من خصومها المدنيين بتوفير مساحة متزايدة للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والتشكيلات المساندة للقوات المسلحة خلال الحرب. وفي المقابل، يرى أنصار النظام السابق أن الحركة الإسلامية لا يمكن استبعادها من المشهد السياسي، وأنها تمتلك قاعدة تنظيمية وخبرة في إدارة مؤسسات الدولة، فضلاً عن حضور في بعض الأوساط التي تدعم الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع.

ويكشف ظهور هارون الأخير عن رغبة لدى بعض قيادات المؤتمر الوطني في استعادة الحضور السياسي والإعلامي، حتى قبل انتهاء الحرب أو التوصل إلى تسوية بشأن مستقبل الحكم. وقد حاول هارون، خلال حديثه، تقديم العلاقة مع البرهان باعتبارها علاقة سياسية لا تنظيمية، كما تحدث عن دور للمؤسسة العسكرية في المرحلة الانتقالية، مع ترك إدارة الحكومة والبرلمان للمدنيين. وهي مواقف أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن ما إذا كان الإسلاميون يسعون إلى العودة عبر بوابة الجيش، أم أنهم يحاولون إعادة تقديم أنفسهم كطرف سياسي مستقل.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل اعتقال هارون حكماً نهائياً على مستقبل الحركة الإسلامية، لكنه يضع حدوداً محتملة لمحاولات قيادات النظام السابق الانتقال من موقع التأثير غير المباشر إلى الحضور السياسي العلني. كما يختبر قدرة البرهان على الموازنة بين حاجته إلى القوى التي تساند الجيش في الحرب، وبين مخاطر الارتباط السياسي والتنظيمي بقيادات النظام السابق، وما قد يترتب على ذلك من تعقيد علاقاته الخارجية.

ويظل ملف المحكمة الجنائية الدولية أحد أكثر أبعاد القضية حساسية. فهارون مطلوب للمحكمة منذ عام 2007 على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، وهي اتهامات لم يصدر فيها حكم إدانة نهائي بحقه. وكان توقيفه بعد سقوط نظام البشير في عام 2019 قد وضعه ضمن قائمة المسؤولين السابقين الذين طالبت المحكمة بتسليمهم، قبل أن يغادر السجن خلال الأيام الأولى لاندلاع الحرب في أبريل 2023، في ظروف لم تتضح جميع تفاصيلها.

ويعيد اعتقاله الآن طرح السؤال بشأن استعداد السلطات السودانية للتعاون مع المحكمة، أو على الأقل التعامل مع ملف المطلوبين لديها ضمن ترتيبات قانونية وسياسية أوسع. غير أن توقيفه لا يعني تلقائياً اتخاذ قرار بتسليمه، إذ يتطلب ذلك إعلاناً رسمياً عن الإجراءات المقبلة، وتحديد موقف السلطات من الالتزامات القانونية المرتبطة بالقضية.

كما أن توقيت الاعتقال، بعد ظهوره الإعلامي، لا يكفي وحده لإثبات وجود صلة مباشرة بين الحدثين. فقد يكون التوقيف جزءاً من تحرك أمني أوسع، أو نتيجة ترتيبات داخلية تتصل بموقع هارون ونشاطه السياسي، أو خطوة محسوبة لاحتواء الانتقادات التي أثارها ظهوره. وتبقى هذه الاحتمالات مفتوحة إلى حين صدور توضيحات رسمية.

وفي كل الأحوال، يواجه البرهان معادلة معقدة: فهو يحتاج إلى الحفاظ على تماسك القوى المساندة للجيش في مواجهة قوات الدعم السريع، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن إتاحة المجال لعودة رموز النظام السابق قد تضعف فرص حصوله على دعم دولي أوسع، وتزيد تحفظ القوى المدنية والإقليمية على أي ترتيبات سياسية يقودها الجيش.

لذلك قد يكون اعتقال هارون رسالة متعددة الاتجاهات، موجهة إلى الداخل السوداني بقدر ما هي موجهة إلى الخارج. لكنه لن يحسم وحده الجدل بشأن نفوذ الإسلاميين أو طبيعة العلاقة بينهم وبين قيادة الجيش. فالمؤشر الأهم لن يكون توقيف شخصية واحدة، بل ما إذا كانت الخطوة ستتبعها إجراءات أوسع، وما إذا كان البرهان مستعداً لترجمة هذه الرسالة إلى سياسة واضحة تفصل بين المؤسسة العسكرية وقيادات النظام السابق، وتحدد موقع الإسلاميين في أي تسوية سياسية مقبلة.

ظهرت المقالة توقيف الهارب من الجنائية احمد هارون يفتح ملف عودة قيادات نظام البشير إلى المشهد أولاً على السودانية نيوز.