![]()
مع احتدام المعارك بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله الحوثيين، وصعوبة تحقيق حسم عسكري ينهي الصراع، تتجدد الدعوات الأممية إلى الحوار، في محاولة لمنع اتساع رقعة النزاع وتحوله إلى صراع إقليمي أوسع.
وتتوالى التحذيرات الدولية من تداعيات استمرار الحرب في اليمن، في وقت تتسع فيه الهوة بين مواقف أطراف الصراع، وتتداخل الحسابات اليمنية مع مصالح إقليمية ودولية مرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي ظل أزمة إنسانية واقتصادية متفاقمة، يبدو أفق الحل السياسي أكثر تعقيدًا، مع استمرار الجمود في المفاوضات وغياب رؤية وطنية جامعة يمكن أن تشكل أرضية لتسوية شاملة.
تحذيرات أممية متجددة
ومن جديد، تحذر الأمم المتحدة من خطورة استمرار النزاع اليمني وتداعياته على الاستقرار الإقليمي. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أطراف الصراع إلى الحوار من أجل إنهاء التصعيد ومنع توسعه إلى صراع إقليمي، مؤكدًا أن العمل العسكري وحده لن يكون قادرًا على حل الأزمة اليمنية.
كما أشار غوتيريش إلى أن مبعوثه الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يواصل بذل الجهود من أجل التوصل إلى حلول سياسية للأزمة.
وفي السياق ذاته، جدد الأمين العام إدانة الأمم المتحدة لهجمات جماعة أنصار الحوثيين على البنية التحتية المدنية في السعودية، وكذلك العوائق التي يضعونها أمام الملاحة في مضيق باب المندب، وفق قوله.
ولا تأتي تصريحات غوتيريش للمرة الأولى، لكنها تكتسب أهمية إضافية في ظل تعقيد المشهد اليمني، واحتدام المعارك على الأرض، وتصاعد التداخلات الإقليمية، فضلًا عن ارتباط النزاع بأمن أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.
مواقف متباعدة تعرقل التسوية
وتزداد فرص الوصول إلى تسوية سياسية صعوبة مع تمسك كل طرف من أطراف النزاع بموقفه من شكل الحل النهائي، الأمر الذي يؤجل البحث الجدي في ترتيبات تقاسم السلطة ويعمق حالة الانسداد السياسي.
ويتمسك مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية بما يصفانه بالمرجعيات الوطنية والدولية للحل، مع التأكيد أن أي تسوية سياسية يجب أن تبدأ بإنهاء ما تصفه الحكومة بـ”انقلاب” جماعة أنصار الله الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة.
ميدان يشتعل ومخاطر تتسع.. احتدام المعارك بين القوات الحكومية والحوثيين يطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل الصراع وأدواره الإقليمية والدولية#الأخيرة pic.twitter.com/qyjKSERD8Q
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) September 17, 2026
في المقابل، تواصل جماعة أنصار الله الحوثيين فرض معادلات ميدانية من خلال قوتها العسكرية، إلى جانب توظيف ورقة الممرات المائية في الصراع، بما يعكس استمرار رهانها على تحسين شروط التفاوض.
وتبرز ضمن الملفات الخلافية قضايا الاعتراف السياسي، والإيرادات، ودفع رواتب الموظفين، إضافة إلى شكل السلطة وترتيبات المرحلة المقبلة، في ظل عدم ظهور مؤشرات واضحة على استعداد أي من الطرفين لتقديم تنازلات جوهرية بشأن بنية الحكم.
باب المندب في قلب الحسابات الإقليمية
ولا تنفصل الأزمة اليمنية عن الحسابات الإقليمية والدولية، خصوصًا مع ارتباطها المباشر بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وطرق الإمداد والتجارة الدولية.
فاستمرار التوتر في هذه المنطقة لا ينعكس على أطراف الصراع اليمني وحدها، بل يثير مخاوف أوسع بشأن أمن حركة السفن وسلاسل الإمداد، ما يجعل الملف اليمني حاضرًا في الحسابات الدولية إلى جانب أبعاده السياسية والأمنية.
وفي موازاة ذلك، يشكل الاقتصاد عاملًا ضاغطًا إضافيًا على فرص الاستقرار. فتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية يزيد من معاناة ملايين اليمنيين، ويجعل أي تسوية سياسية غير مكتملة ما لم تترافق مع معالجة الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ومن هنا، فإن الوصول إلى حل مستدام لا يرتبط بالترتيبات السياسية والأمنية وحدها، بل يتطلب أيضًا مسارًا اقتصاديًا قادرًا على تخفيف الضغوط المعيشية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
اتصالات محدودة وغياب مبادرة شاملة
وتزداد أجواء الحل السياسي في اليمن قتامة في ظل غياب مبادرات إقليمية أو دولية شاملة قادرة على جمع أطراف النزاع حول مسار تفاوضي واضح.
أما الاتصالات التي تجري من حين إلى آخر، فلا تتجاوز في بعض الحالات لقاءات تعقدها جهات إقليمية أو دولية مع أحد طرفي النزاع لبحث ملفات محددة، من دون أن تتحول حتى الآن إلى مسار تفاوضي شامل.
وفي هذا السياق، كشفت وكالة رويترز، الأربعاء، عن لقاء عُقد في العاصمة العمانية مسقط بين مسؤولين أميركيين وممثلين عن جماعة أنصار الله الحوثيين.
وبحسب ما نقلته رويترز، أكد ممثلو الجماعة خلال اللقاء عدم نيتهم مهاجمة السفن الأميركية في مضيق باب المندب.
الحوثيون: الحل السياسي مرتبط بمعالجة الملفات الإنسانية
وفي هذا الإطار، قال عبد الله صبري، وكيل وزارة الخارجية في حكومة صنعاء، إن أي عملية عسكرية في نهاية المطاف محكومة بنتائج سياسية.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من صنعاء، أوضح أن حكومة صنعاء كانت واضحة منذ بداية جولة التصعيد الأخيرة، خصوصًا بعد ما وصفه بـ”العدوان السعودي” على مطار صنعاء الدولي، الذي أنهى حالة خفض التصعيد واللاحرب واللاسلم، وفرض الدخول في مسار انتزاع الحقوق المشروعة للشعب اليمني. وتشمل هذه الحقوق وقف العدوان ورفع الحصار بشكل كامل، إضافة إلى معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، وفي مقدمتها صرف مرتبات الموظفين واستعادة الثروة النفطية.
وأكد صبري أن حكومة صنعاء، رغم تمسكها بهذه الحقوق، منفتحة على الحلول السياسية والدبلوماسية، مشددًا على أن الحد الأدنى المطلوب هو إعلان الطرف السعودي التزامه بما تم التوافق عليه في “خارطة الطريق” بوساطة عمانية، بحيث لا تبدأ المفاوضات من نقطة الصفر، بل تنطلق من تفاهمات قائمة تتطلب التزامًا واضحًا من الرياض.
ما هي أهداف تصعيد الحوثيين في اليمن والسعودية، وهل يمكن أن تفتح الأبواب أمام طاولة الحوار؟#الأخيرة pic.twitter.com/L4NY4cxnYZ
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) September 17, 2026
“لا حوار في ظل وجود السلاح خارج سلطة الدولة”
من جهته، قال المحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري إن اليمنيين كانوا على وشك الدخول في مرحلة جديدة من الشراكة الوطنية قبل اندلاع الحرب وانقلاب جماعة الحوثي في صنعاء، حيث توافقوا على شكل الدولة والأقاليم وقضية صعدة، وشارك الحوثيون في الحوار ووقعوا على وثائقه برعاية خليجية ورضى جميع الأطراف.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من القاهرة، أوضح أن الحوار هو أساس الشرعية، لكنه لا يمكن أن يقوم في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة.
وأضاف أن الحوثيين شاركوا في الحوار لكنهم تمسكوا بسلاحهم كميليشيا، وهو ما يتناقض مع مبدأ الدولة والشراكة العادلة.
وأشار الشميري إلى أن الجماعة تريد حوارًا بشروطها الخاصة، أي أن تبقى محتفظة بسلاحها وتستمر في الحكم، وهو ما وصفه بأنه “حوار مليشيات” لا يقوم على القانون والعدالة والدولة المدنية. وشدد على أن الشعب اليمني، وليس فقط القيادة، يرفض هذا النهج ولا يقبل إلا بدولة حديثة مدنية يتشارك فيها الجميع.
وأكد أن الحكومة اليمنية قدمت تنازلات عديدة لإشراك الحوثيين في الحوار، لكنهم نكثوا التزاماتهم السابقة، فيما تبقى الأبواب مفتوحة أمام أي تسوية عادلة.
