![]()
يشهد جنوب لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحركات السياسية مع التطورات الميدانية، في وقت يتأجل فيه تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي رغم وجود اتفاق إطار برعاية أميركية، بينما تتواصل الخروقات الإسرائيلية على الأرض، ما يثير تساؤلات حول مستقبل التهدئة وإمكان تثبيت الاستقرار.
من جهتها، تتمسك الدولة اللبنانية بمطلب الانسحاب الكامل وفرض سيادتها على كامل أراضيها، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية ومواقف إقليمية تعكس تعقيدات المشهد، وسط استمرار معاناة سكان القرى الحدودية.
وبين الشروط الإسرائيلية، والموقف اللبناني، والدور الإيراني، تبدو الأزمة مفتوحة على أكثر من سيناريو، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية والضغوط الدولية.
انسحاب إسرائيلي مؤجل رغم الاتفاق
رغم التوصل إلى اتفاق إطار برعاية أميركية، لم تبدأ إسرائيل بعد تنفيذ الانسحاب التدريجي من المناطق التي لا تزال تتمركز فيها داخل جنوب لبنان، إذ تشير المعطيات إلى أن تنفيذ الاتفاق أُرجئ بانتظار ترتيبات أمنية إضافية وموافقات أميركية، بينما تتواصل الخروقات والانتهاكات الميدانية.
ويزيد هذا التأخير من حالة القلق في الجنوب، حيث ينتظر السكان عودة الاستقرار وإزالة القيود الأمنية التي تعيق عودة الحياة الطبيعية إلى العديد من القرى المتضررة.
في المقابل، تواصل الدولة اللبنانية التأكيد أن بسط السيادة الكاملة على الجنوب يبدأ بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، مع التشديد على أن الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المخولة بحماية الحدود والحفاظ على الاستقرار.
وأكد الرئيس جوزيف عون أن استمرار الوجود الإسرائيلي يقوض سلطة الدولة ويعرقل انتشار الجيش على كامل الحدود الجنوبية، مشددًا على أن خيار التفاوض أصبح المسار الوحيد بعد عجز الحرب عن تحقيق أهدافها.
مزاعم إسرائيلية تثير ردودًا لبنانية واسعة
سياسيًا، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تحدث فيها عن مزاعم طلب قرى مسيحية حدودية الانضمام إلى إسرائيل، موجة واسعة من الرفض داخل لبنان.
وسارعت البلديات والمخاتير والفعاليات المحلية في القرى الحدودية إلى نفي هذه الادعاءات بشكل قاطع، مؤكدة تمسكها بالدولة اللبنانية وبالهوية الوطنية، ورفضها لأي محاولات تستهدف التشكيك بانتمائها.
كما حظيت هذه المواقف بدعم رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر أن أبناء القرى الحدودية قدموا نموذجًا في التمسك بالأرض والهوية الوطنية، محذرًا من الانجرار وراء الروايات الإسرائيلية التي تستهدف ضرب الوحدة الداخلية.
السيادة اللبنانية في مواجهة المماطلة الإسرائيلية: كيف يرد لبنان الرسمي على الاشتراطات الإسرائيلية وانتهاكاته المستمرة في الجنوب؟#الأخيرة@ahmedkhair pic.twitter.com/C96XwjsWWp
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) July 6, 2026
على الصعيد الإقليمي، جددت إيران التأكيد على استمرار دورها في الملف اللبناني، إذ قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن تحقيق السلام في لبنان والمنطقة لا يمكن أن يتم من دون مشاركة طهران.
وأكد أن طهران وضعت لبنان وجبهة المقاومة ضمن خطوطها الحمراء خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
وتكشف التطورات الحالية عن ثلاث رؤى مختلفة للتعامل مع الأزمة؛ فإسرائيل تربط تنفيذ الانسحاب بضمانات أمنية وشروط ميدانية، بينما تتمسك الدولة اللبنانية تتمسك بانسحاب كامل يسبق تثبيت الاستقرار، فيما ترى إيران أن أي معادلة أمنية في لبنان لا يمكن فصلها عن دورها الإقليمي.
لكن المشهد يبقى أكثر تعقيدًا من مجرد بيانات ومواقف سياسية، فالخروقات الإسرائيلية مستمرة، والانسحاب مؤجل، والقرى الحدودية لا تزال تعيش بين الدمار والقيود الأمنية، فيما يبقى المدنيون الحلقة الأكثر تضررًا.
“الاتفاق معلّق وغير قابل للتطبيق”
في هذا السياق، أوضح منير الربيع، رئيس تحرير جريدة المدن، أن الدولة اللبنانية ما زالت تنتظر ما سيحمله الوفد العسكري الأميركي المرتقب وصوله إلى بيروت خلال الأيام القليلة المقبلة، لإبلاغها بما توصّل إليه الأميركيون في مباحثاتهم مع إسرائيل حول آلية بدء تطبيق المناطق التجريبية.
وأضاف في حديثه إلى قناة التلفزيون العربي من بيروت، أن الجيش اللبناني كان يرفض الدخول إلى أي منطقة تجريبية إلا إذا كانت محتلة من قبل إسرائيل وانسحب منها الجيش الإسرائيلي، بينما كان الإسرائيليون يطالبون بالعكس. وأشار إلى أن لبنان سلّم مطالبه للوفد الأميركي الذي نقلها بدوره إلى الجانب الإسرائيلي، وينتظر الآن الرد.
وتابع الربيع: “أصبح من الواضح أن هذا الاتفاق معلّق وغير قابل للتطبيق، إذ لا يحظى بتأييد حزب الله ولا القوى السياسية الوازنة، فيما غالبية اللبنانيين لا تدعمه.”.
وأردف أن رئيس الجمهورية تراجع خطوة إلى الوراء حين شكك في إمكانية نجاح الاتفاق، بينما حاول رئيس الحكومة التخفيف من تبنيه، معتبرًا أنه مجرد إطار بانتظار ما ستؤول إليه النتائج.
هل يواجه الاتفاق الإطاري في لبنان تعثرا أم استحالة في التطبيق؟#الأخيرة@ahmedkhair@mounir_rabih pic.twitter.com/CvaTxDn42E
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) July 6, 2026
من جانبه، رأى إمطانس شحادة، مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل، أن إسرائيل استخدمت هذا الاتفاق كغطاء لوقف إطلاق النار في لبنان، لتظهر وكأن التهدئة جاءت نتيجة تفاهم مع الحكومة اللبنانية بوساطة ودعم أميركي، وليس بسبب أي توافق أميركي–إيراني، وهو ما كان سيضع حكومة نتنياهو في موقف حرج ويؤدي إلى أزمة سياسية داخلية.
وأضاف أن إسرائيل كانت تدرك منذ البداية، كما أشارت معظم التحليلات، أن تطبيق الاتفاق على الأرض سيكون بالغ الصعوبة. ورغم أن الاتفاق بدا مكسبًا كبيرًا لإسرائيل واحتفلت به في البداية، إلا أن التقييمات اللاحقة قلّلت من أهمية هذه الاحتفالات، مؤكدة أن التنفيذ مرتبط بموافقة حزب الله.
وفي حديثه لقناة التلفزيون العربي من حيفا، أوضح شحادة أن نتنياهو استغل الاتفاق لتسويق صورة إنجاز إسرائيلي على الجبهة اللبنانية، في وقت لم تحقق فيه حكومته أيًا من أهدافها الإستراتيجية، وهو أمر يدركه المجتمع الإسرائيلي جيدًا.
