![]()
“هل لديك جواز سفر إيراني سارٍ؟ هل ما زال بإمكانك السفر إلى إيران؟ وهل تبحث عن فرصة جديدة بدخل مناسب؟”. بهذه الأسئلة تبدأ إعلانات ممولة تحمل اسم الموساد، رصدها فريق “مسبار” في التلفزيون العربي خلال تتبعه صفحة “Farsi Mossad” على منصتي فيسبوك وإنستغرام.
ورصد الفريق في تحقيق قرابة 200 إعلان استهدف إيرانيين يقيمون في دول أوروبية، ويحملون جوازات سفر إيرانية، ولا يزال بإمكانهم العودة إلى بلادهم.
ويطرح التحقيق تساؤلات بشأن طبيعة هذه الحملة وأهدافها، انطلاقًا من هوية الجهة التي تقف وراء الإعلانات، ومصادر تمويلها، والدول التي تستهدفها، والشروط التي تضعها أمام الأشخاص الذين تسعى إلى الوصول إليهم.
صفحة حديثة الإنشاء وتمويل حكومي إسرائيلي
بدأ تتبع “مسبار” من صفحة تحمل اسم “Farsi Mossad”، أي “الموساد بالفارسية”. ويشير التحقيق إلى أن الصفحة موثقة لدى شركة ميتا، وتعرّف نفسها بأنها “منظمة حكومية”، وتحدد تل أبيب موقعًا لها، كما ترتبط بالموقع الرسمي للموساد وحساباته الفارسية على منصات أخرى.
“هل لديك جواز سفر إيراني سارٍ؟ هل ما زال بإمكانك السفر إلى إيران؟ وهل تبحث عن فرصة جديدة بدخل مناسب؟” هذه ليست أسئلة عابرة في إعلان وظيفة، بل جزء من حملة إعلانية واسعة تحمل اسم الموساد نفسه. خلال تتبع فريق مسبار لصفحة Farsi Mossad وإعلاناتها على فيسبوك وإنستغرام، ظهر أمامنا قرابة 200 إعلان ممول استهدفوا إيرانيين يعيشون في أوروبا ويستطيعوا العودة إلى إيران. لكن لماذا يهتم جهاز استخبارات إسرائيلي بجوازات سفر إيرانيين وقدرتهم على العودة إلى بلادهم؟ ولماذا يدفع المال للوصول إليهم؟ بدأ تحقيق فريقنا من أبسط سؤال: من يقف خلف هذه الإعلانات؟
— Misbar – مسبار (@misbarfc) October 11, 2026
لكن الصفحة، وفق نتائج التتبع، أُنشئت في 12 يوليو/ تموز 2026، وكان يديرها شخصان موجودان في إسرائيل، فيما بلغ عدد متابعيها نحو 236 حسابًا.
ويرى التحقيق أن محدودية عدد المتابعين لا تفسر حجم الحملة، التي اعتمدت على الإعلانات الممولة للوصول إلى جمهور محدد بدلًا من الاعتماد على قاعدة جماهيرية كبيرة.
وبحسب البيانات التي جمعها الفريق من مكتبة إعلانات ميتا، بلغ عدد الإعلانات المرصودة قرابة 200 إعلان. وبدأت الدفعة الأولى في 17 سبتمبر/ أيلول 2026، فيما أُطلقت دفعة أخرى في 4 أكتوبر/ تشرين الأول، وكانت إعلاناتها لا تزال نشطة وقت الرصد.
أما بيانات الشفافية الخاصة بالإعلانات في أوروبا، فأظهرت، وفق التحقيق، اسم “Lapam – Government Advertising Agency – ILS” بوصفه الجهة الممولة، مع تسجيل المدفوعات بالشيكل الإسرائيلي.
عشر دول أوروبية في دائرة الاستهداف
لم يقتصر تتبع “مسبار” على هوية الجهة الممولة، بل شمل إعدادات الاستهداف الجغرافي للإعلانات، التي أظهرت انتشار الحملة في 10 دول أوروبية.
وتصدرت الدنمارك القائمة بـ29 إعلانًا، تلتها بلجيكا بـ28 إعلانًا، ثم النمسا بـ26، والسويد بـ23 إعلانًا. وبحسب أرقام التحقيق، استحوذت هذه الدول الأربع على نحو 60% من الإعلانات المرصودة، فيما شمل الاستهداف أيضًا سلوفاكيا وبلغاريا واليونان والمجر والنرويج وصربيا.
وأثارت هذه الخريطة سؤالًا محوريًا في التحقيق: لماذا تستهدف الحملة إيرانيين يعيشون في أوروبا، بدلًا من توجيه الإعلانات إلى أشخاص داخل إيران؟
من عرض مالي إلى خطاب عن الوطن والهوية
للاقتراب من الإجابة، ترجم فريق “مسبار” النصوص الفارسية في الإعلانات، وقارن بينها، وحلل الصور والشروط الواردة فيها.
وفي إحدى الصيغ، اتخذ الإعلان شكل عرض عمل، وطرح أسئلة مباشرة عن امتلاك جواز سفر إيراني ساري المفعول، والعمر الذي يتراوح بين 25 و50 عامًا، والإقامة القانونية في بلد الإقامة، والقدرة على السفر إلى إيران.
ثم دعا الإعلان من تنطبق عليهم الشروط إلى استكشاف “فرصة جديدة وجذابة وبدخل مناسب”، فيما ظهرت صورة جواز سفر إيراني أمام خلفية أوروبية.
لكن لغة الحملة لم تقتصر على المال وفرص العمل. ففي إعلان آخر، ظهر رجل على متن طائرة تقترب من طهران، مع مشهد لبرج ميلاد وجواز سفر إيراني بجواره.
ودعا النص الأشخاص الذين يحملون جواز سفر إيرانيًا، وسبق لهم السفر إلى إيران خلال السنوات العشر الماضية، ويرغبون في التأثير في مستقبل وطنهم، إلى التواصل، مستخدمًا عبارة “فعل حقيقي” لوصف ما قد يرغب هؤلاء في القيام به.
وهكذا، انتقلت الرسائل من الحديث عن فرصة بدخل مناسب إلى خطاب يركز على التأثير في مستقبل إيران.
الأبناء والحنين إلى الوطن بوابة أخرى للتواصل
رصد التحقيق مجموعة أخرى من الإعلانات اعتمدت خطابًا عاطفيًا مختلفًا، ركز على الأبناء والهوية الثقافية والارتباط بالوطن.
وفي أحد هذه الإعلانات، ظهر طفل يجلس أمام التلفاز بينما تعبر الصواريخ السماء، وتحدث النص عن أبناء الإيرانيين الذين قد يكبرون في بلدان أخرى ويدرسون بلغات مختلفة، مع بقاء إيران وثقافتها وحكايات العائلة جزءًا من هويتهم.
وتضمنت الرسائل عبارتي “لا تبقوا غير مبالين” و”لدينا الكثير لنتحدث عنه”.
وفي نسخة أطول من الخطاب نفسه، انتقل الإعلان من استحضار الذاكرة والوطن إلى الدعوة للتواصل، مشيرًا إلى إمكانية البدء بمحادثة أو سؤال أو تبادل وجهات نظر، قبل أن يختتم بالقول: “يسعدنا أن نجري معك محادثة شخصية وسرية”.
وبحسب تحليل “مسبار”، تختلف الرسائل المستخدمة بين عرض مالي وخطاب يركز على الوطن والأبناء والهوية، لكنها تلتقي عند الدعوة إلى فتح قناة اتصال خاصة مع الموساد.
ما الشروط التي تجمع بين الأشخاص المستهدفين؟
عند جمع الشروط الواردة في الإعلانات المختلفة، رسم فريق “مسبار” ملامح الفئة التي تسعى الحملة إلى الوصول إليها، وهي أشخاص:
- إيرانيون يقيمون في أوروبا.
- يحملون جواز سفر إيرانيًا ساريًا.
- يقيمون بصورة قانونية في بلد إقامتهم.
- سبق لهم السفر إلى إيران خلال السنوات العشر الماضية.
- ما زالوا قادرين على العودة إلى إيران.
ولفت التحقيق إلى وجود اختلاف بين الفئة العمرية المذكورة في بعض النصوص، وهي من 25 إلى 50 عامًا، والفئة العمرية التي استهدفتها بعض الإعلانات عبر ميتا، وهي من 18 إلى 40 عامًا. وبذلك، تتقاطع الفئتان ضمن نطاق عمري يمتد تقريبًا من 25 إلى 40 عامًا.
ويشير تحليل الفريق إلى أن اجتماع هذه الشروط قد يجعل الشخص قادرًا على دخول إيران بجواز سفره، وأن تكون عودته مألوفة بالنظر إلى سجله السابق في السفر، مع احتفاظه بوضع قانوني في البلد الأوروبي الذي يقيم فيه.
ومن هذا المنطلق، يطرح التحقيق احتمال أن يكون استهداف المقيمين في أوروبا مرتبطًا بإمكانية التواصل معهم خارج إيران، مع امتلاكهم القدرة على السفر إليها مجددًا.
ماذا تكشف الإعلانات عن طبيعة المهمة المطلوبة؟
يخلص تحقيق “مسبار” إلى أن الصورة تتشكل من مجموعة قرائن متزامنة: نحو 200 إعلان ممول مرتبط بجهة حكومية إسرائيلية، واستهداف إيرانيين في عشر دول أوروبية، وشروط تتعلق بجواز السفر والسفر السابق والقدرة على العودة، إلى جانب عروض مالية ورسائل تتحدث عن “فعل حقيقي” ودعوات إلى محادثات شخصية وسرية.
لكن الإعلانات، وفق التحقيق، لا تحدد صراحة طبيعة المهمة المطلوبة من الأشخاص الذين تسعى الحملة إلى استقطابهم، ولا تكشف بالتحديد ما يُطلب منهم فعله داخل إيران.
لذلك، يربط التحقيق بين شروط السفر والرسائل المستخدمة والجهة التي تقف خلف الحملة، ويشير إلى أن الموساد يسعى إلى الوصول إلى إيرانيين خارج بلادهم يمتلكون القدرة على دخولها مجددًا، من دون أن تقدم الإعلانات وحدها دليلًا قاطعًا على طبيعة المهام التي قد تُطلب منهم.
