![]()
. جوزيف ناي إلى العصر الرقمي: كيف تستثمر تونس في قوتها الناعمة؟
هل القوة الناعمة مجرد ثقافة وفنون؟ المعايير الرقمية وجاذبية الدول من منظور تونسي
بقلم ايمان شهيبي ناشطة ومحللة سياسية – تونس
غالبًا ما يُختزل مفهوم “القوة الناعمة” في الأذهان بصور تقليدية تقتصر على الإنتاج السينمائي، والموسيقى، والموروث الثقافي، والوجبات السريعة. غير أن المقاربة الأعمق للعلوم السياسية تتجاوز بكثير هذه المظاهر السطحية.
ففي كتابه المرجعي “القوة الناعمة” (Soft Power)، يوضح المفكر والسياسي الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye) أن جاذبية الدولة وتأثيرها لا ينبعان فقط من متانة اقتصادها أو حجم ثرواتها المادية، بل يرتبطان وثيقاً بسمعتها، وبراعتها الاجتماعية، ومؤشرات جودة الحياة، والتعليم، وحجم جاذبيتها المؤسسية.
نموذج جوزيف ناي: بين مكامن الجاذبية ومؤشرات التراجع
لقد فكك “جوزيف ناي” عناصر القوة الناعمة للولايات المتحدة عبر الأرقام والمؤشرات المعيارية، كاشفاً عن وجهين رئيسيين:
• مكامن القوة والجاذبية (المؤشرات الإيجابية):
o الأعمال والتعليم: استحواذ أمريكا على نصف أكبر 100 شركة في العالم (بضعف ما تملكه اليابان)، واحتضانها لـ 8 من أكبر 10 مدارس أعمال عالمية (Business Schools).
o الجذب الأكاديمي والهجرة: استقطاب قرابة ستة أضعاف حجم الهجرة الذي تجذبها ألمانيا، واحتضان أكثر من 1.6 مليون طالب دولي وأزيد من 86 ألف باحث أجنبي مقيم.
o الإدارة العلمية والجوائز: تصدر قوائم الفائزين بجوائز نوبل في مجالات الفيزياء والكيمياء والاقتصاد، واحتلال المرتبة الثانية عالمياً بعد فرنسا في جوائز نوبل للأدب.
• الوجه الآخر (نقاط الضعف والتراجع):
o جودة الحياة والتنمية: تراجع الولايات المتحدة عن صدارة دليل التنمية البشرية (UNDP)، متأخرةً خلف دول مثل النرويج، أيسلندا، السويد، أستراليا، هولندا، وبلجيكا.
o الابتكار والسياحة والمساعدات: تفوق اليابان في براءات الاختراع نسبة للناتج القومي، وتقدم فرنسا وإسبانيا وبريطانيا في استقطاب السياح، فضلاً عن تفوق فرنسا في حجم المساعدات التنموية نسبة لناتجها.
الخلاصة: القوة الناعمة لا تُقاس بما تملكه الدولة من موارد خاما أو إمكانيات فحسب، بل بمدى جاذبية صورتها الذهنية وكيفية ترجمة تلك الموارد إلى نتائج ملموسة؛ فالموارد وحدها تفقد قيمتها إذا كانت السياسات العامة أو المؤشرات الاجتماعية تعيق هذا الإشعاع.
كيف تستثمر تونس في قوتها الناعمة في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟
في عصر الاقتصاد الرقمي والثورة التكنولوجية المعاصرة، لم تعد معايير “جاذبية الدول” حبيسة الأدوات التقليدية؛ بل أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحول الرقمي، وجذب الكفاءات (Brain Drain to Brain Gain)، وتصدير الحلول التكنولوجية الذكية. فكيف يمكن لتونس، بتاريخها وموقعها وكفاءاتها، بناء قوة ناعمة رقمية ومعاصرة؟
1. تصدير الكفاءات الرقمية والذكاء الاصطناعي: تمتلك تونس رصيداً بشرياً هائلاً من المهندسين والتقنيين والباحثين المتخرجين بمعايير جودة عالية. إن تحويل تونس إلى قطب إقليمي لتكوين وتصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي يمثل الرافعة الأقوى لقوتها الناعمة المستحدثة.
2. استثمار البنية التحتية الرقمية والإدارة الإلكترونية: إن الخطوات المتميزة التي تخطوها الدولة مؤخراً في مجال الإدارة الرقمية (مثل إطلاق تطبيقة “خدمات”، والهوية الرقمية، والبوابات الحكومية الموحدة) تعزز من مؤشرات الحوكمة الرشيدة والشفافية، وهي معايير أساسية في تقييم جودة المؤسسات وجاذبية الدول.
3. الدبلوماسية الثقافية الرقمية: الاستفادة من المنتوج الثقافي، والسينمائي (مثل نجاحات السينما التونسية في المهرجانات الدولية كفيلم “الروندة 13”)، والتراث المادي واللامادي، وترويجه عبر منصات المحتوى الرقمي الموجه للشباب الإفريقي والمتوسطي.
4. جذب الشركات الناشئة (Startup Hub): تطوير التشريعات الاقتصادية (مثل قانون المبادرات الناشئة Startup Act) لجعل تونس قبلة للمستثمرين الرقميين والمبتكرين في ضفتي المتوسط، بما يكرس صورتها كدولة منفتحة وذكية.
إن القوة الناعمة لتونس اليوم لم تعد مجرد إرث حضاري أو دبلوماسية تقليدية، بل هي قدرتها على دمج الكفاءات الشبابية، وتسريع التحول الرقمي، وتقديم نموذج يحتذى به في الحوكمة التكنولوجية والعدالة الاجتماعية.
The post جوزيف ناي إلى العصر الرقمي: كيف تستثمر تونس في قوتها الناعمة؟ هل القوة الناعمة مجرد ثقافة وفنون؟ المعايير الرقمية وجاذبية الدول من منظور تونسي بقلم ايمان شهيبي ناشطة ومحللة سياسية – تونس first appeared on مسار ميديا.