![]()
حان وقت “القفزة الجبارة” لبناء الدولة من الولايات الآمنة
(رسالة إلى قيادة الدولة أولاً.. ثم إلى الشعب صاحب الحق)
بقلم: محمد الحسن محمد نور
مقدمة: مضت أربع سنوات من الانهيار الكارثي والهراء المريع
في ظل الانسداد الكامل لأفق التوافق بين القوى المدنية، واستحالة وقف الحرب طوال السنوات الأربع الماضية التي شهدت انهياراً كارثياً بسبب الهراء الذي تمارسه تلك القوى والانقسام الحاد، وانتشار خطاب الكراهية والتخوين وانعدام الثقة، ظل الشعب السوداني يدفع ثمناً باهظاً، بينما تتآكل الدولة وتتسع دائرة الحرب.
أربع سنوات والسودان تتقاذفه التناقضات الداخلية والتدخلات الخارجية: أطفال تموت الجوع والمرض، وأجيال يقتلها الجهل جراء تدمير التعليم ومؤسساته بالكامل، والطامعون من الدول الأخرى يرسمون ويخططون لإجهاض أي جهد ينتج حلاً.
لماذا لا يتقدم أي حل؟
لأن الداخل يدور حول نقطة واحدة عاجزة: “تشترط توافق السودانيين”.
التوافق الذي يدرك القاصي والداني أنه لم ولن يتحقق في ظل الظروف الحالية؛ فالانقسام الحاد ما زال في أوجه ولا يزال يراوح مكانه، وقوى التكالب على السلطة والكراسي تفتقر للإحساس بآلام الشعب ولا يهمها متى وكيف تنتهي الحرب، ولا حتى ما الذي تعنيه لوطن مهدد بالتفتت.
أما الخارج، فيخطط للمزيد من إغراق البلاد في الفوضى، يذرف دموع التماسيح ويدعي الشعور بآلام المنكوبين، يطالب بهدنة إنسانية تارة، ومن جهة أخرى يقوم بفرض العقوبات وتسهيل التدخلات التي تُطيل أمد الكارثة.
أمام هذا الواقع والطريق المسدود، لا بد من قفزة قوية وجبارة. قفزة تتجاوز هذا الواقع الأليم إلى أفق جديد، يوقف هذا الهراء ويبدأ فوراً في إعادة بناء الدولة والشعب.
فما هي الجهة المؤهلة للقيام بمثل هذه القفزة، وكيف؟
المشروع: الحكم الانتقالي التدريجي
نطرح “مشروع الحكم الانتقالي التدريجي” ليكون البديل القوي والمنطقي والعملي عن انتظار التوافق السياسي المتعذر، أو لجان الرباعيات والخماسيات ذات الأجندات، وليوفر المدخل الآمن لإعادة بناء الدولة انطلاقاً من المناطق الآمنة المستقرة، وصولاً إلى مؤسسات اتحادية منتخبة.
هذا المشروع يفتح الطريق لتجاوز الخلافات، ويعالج جذور الأزمة مع الحركات المسلحة (التهميش)، ويغلق الباب أمام التدخلات الخارجية. ولا مكان فيه لمفاوضات أو سلام مع ميليشيا الدعم السريع بعد ما ارتكبته من جرائم وما انتهكته من حرمات.
ما الذي يميّز هذا المشروع؟
* خطة تتجاوز عقدة توافق القوى السياسية: تفتح الطريق فوراً أمام بناء دولة قادرة على إنهاء الحرب وإزالة التمرد نهائياً.
* خطة تُسيّد الشعب: لا تُقصي المواطن، بل تُملّكه زمام المبادرة في ولايته ومحيطه.
* خطة لا تنتظر الخارج: تغلق الباب أمام القوى الخارجية وتحرمها حق “النقض” (الفيتو) ضد القرارات الوطنية، ولا تنتظر نهاية حرب تُحرّكها أيادٍ طامعة.
* خطة حازمة: لا تسترضي طالبي السلطة، ولا تغض الطرف عن انتهازية حاملي السلاح خارج سلطة الدولة.
من أين يبدأ التنفيذ؟ وما هي الجهة المنوط بها تنفيذه؟
هنا مربط الفرس:
إقناع مجلس السيادة بالمشروع هو أقصر الطرق لتنفيذه.
يبدأ تنفيذ المشروع عبر السلطة القائمة حالياً (مجلس السيادة والجيش السوداني)، باعتبارها الجهة التي تملك أدوات الدولة والأمن على الأرض، بغض النظر عن الجدل المثار حول الشرعية. ويكون دورها تأسيسياً وانتقالياً، لا مصدراً لشرعية دائمة.
الخطوات العملية الميدانية (البناء من القاعدة إلى القمة)
تتخذ الخطة أربع خطوات متسلسلة ومحكمة لتنفيذ البناء الفيدرالي:
* الخطوة (1): إعلان وتفعيل ونفض الغبار عن نظام الحكم الفيدرالي بالولايات الآمنة
* إعلان نظام الحكم الفيدرالي وتفعيله بموجب مرسوم دستوري يُصدر فوراً، يعترف بنظام الحكم الفيدرالي في كافة الولايات المستقرة.
* الخطوة (2): التأسيس الولائي والتحول الانتخابي
* تثبيت الحكومات الولائية الحالية مؤقتاً ومنحها الصلاحيات الكاملة لإجراء انتخابات محلية ولائية، لإفراز حكومات ولائية منتخبة تتمتع بالاستقلالية التامة في إدارة اقتصاداتها ومواردها وفق القانون الفيدرالي (الذي يتم تنقيحه).
* الخطوة (3): إطلاق “إدارة تسيير الأعمال” المركزية
* تشكيل إدارة تسيير أعمال مركزية من كفاءات مستقلة بصفة “مدراء” تعمل بعقود إدارية محددة — بالتوازي مع السلطات المختصة — لإدارة الملفات القومية وتنسيق الشؤون السيادية والتنفيذية بين الولايات.
* الخطوة (4): إكمال هياكل الدولة عبر المجلس التشريعي
* إيفاد (3) ممثلين من الفائزين في الانتخابات عن كل ولاية لتشكيل المجلس التشريعي المركزي، بشروط محددة لضمان الكفاءة وعدم الزج بعناصر ضعيفة (كمثال: مؤهل جامعي + 5 سنوات خبرة، والتأكد من عدم الزج بأي عناصر سبق وأن تقلدت مناصب دستورية منذ العام 1989).
* يُوسع المجلس تلقائياً بضم ممثلي أي ولاية جديدة تُستعاد وتُجري انتخابات داخلها.
خاتمة
هذا الطريق الذي ترسمه خطة الحكم الانتقالي التدريجي هو طريق قابل للتطبيق وقابل للتنفيذ فوراً. لكنه يحتاج إلى أن يُطرح في مكانه الصحيح، وينفذه من يملك القرار.
(تفاصيل الخطة وآلياتها التنفيذية ستُنشر مُفصلة لاحقاً).
21 سبتمبر 2026م