حديث الكباشي وذاكرة الانتقال.. كيف تشكلت أزمة الحكم في السودان؟ د. هاشم عبدالله رحمة محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي

حديث الكباشي وذاكرة الانتقال.. كيف تشكلت أزمة الحكم في السودان؟  د. هاشم عبدالله رحمة محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي

Loading

حديث الكباشي وذاكرة الانتقال.. كيف تشكلت أزمة الحكم في السودان؟

د. هاشم عبدالله رحمة
محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي

في خضم الجدل الذي رافق انتقال السودان من مرحلة الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس عمر البشير إلى مرحلة الترتيبات السياسية لتشكيل السلطة الانتقالية، برزت مواقف وتصريحات لقيادات المجلس العسكري الانتقالي حول طبيعة العلاقة مع قوى إعلان الحرية والتغيير، وحول الطريقة التي جرى بها توزيع أدوار السلطة بين المكون العسكري والقوى المدنية. وكان الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، الذي كان في ذلك الوقت عضواً بالمجلس العسكري الانتقالي ومتحدثاً باسمه، أحد أبرز الأصوات التي تحدثت عن تلك الترتيبات ومسار التفاوض مع قوى الحرية والتغيير.

ومن هنا تأتي أهمية حديث الفريق الكباشي، لأنه يعيد فتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مرحلة ما بعد سقوط نظام البشير: هل كانت قوى الحرية والتغيير تمثل بالفعل جميع مكونات الثورة والمجتمع السوداني، أم أن المجلس العسكري أخطأ عندما تعامل معها باعتبارها الطرف المدني الرئيسي في التفاوض على مستقبل الحكم؟

كان حديث الفريق أول ركن شمس الدين الكباشي واضحاً، إلا أنني أرى، بكل أسف، أن المجلس العسكري الانتقالي ارتكب خطأً فادحاً عندما اعتبر قوى إعلان الحرية والتغيير الممثلين الوحيدين للثورة، وأقام معهم ترتيبات سياسية لتقاسم إدارة السلطة في البلاد، شملت مستويات الحكم السيادية والتنفيذية والتشريعية.

وأرى أن هذا الخطأ أسهم بصورة مباشرة في وضع البلاد على مسار سياسي مضطرب انتهى، في نهاية المطاف، إلى ما نشهده اليوم من حرب وخراب وتشريد ونزوح وانهيار في مؤسسات الدولة.

فقوى الحرية والتغيير، في تقديري، لم تكن هي التي فجّرت الثورة وحدها، ولم تكن تمثل كل الشعب السوداني. فقد شارك في الثورة السودانية الشعب بمختلف مكوناته السياسية والاجتماعية، وشارك السودانيون من اتجاهات متعددة في إسقاط نظام حكومة البشير.

بل إنني أرى أن محاولة اختزال الثورة في مجموعة سياسية واحدة تمثل ظلماً لبقية القوى والمكونات التي شاركت في الحراك الشعبي، كما أنها تفتح الباب أمام تكرار مشكلة قديمة في التاريخ السياسي السوداني، وهي أن بعض القوى الأكثر قدرة على التنظيم والحضور الإعلامي تستطيع لاحقاً تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الفضل الأكبر في صناعة الثورة، رغم أن إسقاط الأنظمة في السودان كان في الغالب ثمرة حراك شعبي واسع شاركت فيه قوى سياسية ونقابية ومهنية واجتماعية متعددة.

وهنا أريد أن أتوقف عند ظاهرة أراها متكررة في تاريخ السودان الحديث.

فالمجموعة التي عُرفت خلال الفترة الانتقالية باسم قوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي، ثم ظهرت لاحقاً بمسميات وتحالفات مختلفة، وصولاً إلى «تقدم» ثم «صمود» ـ أرى أنها تمثل، في جانب مهم منها، امتداداً للقوى السياسية التي تصدرت المشهد المدني خلال الفترة الانتقالية.

ومن وجهة نظري، فإن التيارات اليسارية، وفي مقدمتها الشيوعيون والبعثيون وقوى أخرى من اليسار، ظلت تمتلك قدرة عالية على الحضور الإعلامي والتنظيمي ورفع الشعارات، وهو ما جعلها في بعض المراحل أكثر قدرة على الظهور باعتبارها الصوت الأعلى في الشارع، حتى عندما لا يعكس حجمها التنظيمي أو الانتخابي حجم ذلك الحضور الإعلامي.

وأنا أسمي هذه الظاهرة «سرقة الثورات بالضجيج الإعلامي»، بمعنى أن قوى محدودة العدد قد تنجح، عبر التنظيم والحضور الإعلامي الكثيف، في تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الثورة، بينما تكون الثورة في حقيقتها عملاً شعبياً شاركت فيه قطاعات واسعة من المجتمع.

وهذه ليست ظاهرة جديدة في السودان.

ففي ثورة أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، لم تكن الثورة ملكاً لحزب واحد أو تيار سياسي واحد، وإنما شاركت فيها قوى سياسية ونقابية ومهنية وطلابية واجتماعية واسعة، وتشكلت «جبهة الهيئات» من قطاعات متعددة، وأسهم الإضراب السياسي والعصيان المدني في إسقاط الحكم العسكري.

وكان للحزب الشيوعي السوداني دور مهم في الحركة النقابية وفي مقاومة نظام عبود، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره، لكن وجود هذا الدور لا يعني أن الحزب كان وحده صاحب الثورة أو أنه أسقط النظام منفرداً. فالمصادر التاريخية تشير إلى مشاركة الطلاب والمحامين والأطباء والمهندسين والعمال والمزارعين والنساء والأحزاب والقوى الاجتماعية المختلفة في الحراك الذي أدى إلى سقوط النظام.

وتكرر المشهد بصورة أخرى في انتفاضة مارس ـ أبريل 1985 ضد نظام المشير جعفر محمد نميري، رحمه الله.

فقد كان «التجمع النقابي» أحد أهم الأطر التي قادت الحراك، وانضمت إليه قوى ونقابات مهنية متعددة، ثم انحازت القوات المسلحة إلى الشعب، وتولى الفريق أول عبدالرحمن سوار الذهب قيادة المجلس العسكري الانتقالي. وتشير المصادر إلى أن المجلس تعهد بإجراء انتخابات وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة خلال فترة انتقالية لا تتجاوز عاماً.

وفي تلك المرحلة، ظهرت أيضاً محاولات من بعض القوى السياسية للضغط باتجاه إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤيتها.

وأذكر هنا، بحسب ما أراه من قراءة لتلك المرحلة، أن من الأخطاء الكبيرة التي ارتُكبت كان حل جهاز الأمن، وهو جهاز يمثل، في أي دولة، إحدى المؤسسات الأساسية المعنية بالأمن الوطني. وأدى إضعاف المؤسسة الأمنية إلى فراغ أمني كانت له انعكاسات خطيرة على الدولة والمجتمع.

وفي المقابل، رفض المجلس العسكري الانتقالي تسليم الحكومة مباشرة إلى القوى السياسية، واختار تشكيل حكومة مدنية لتسيير دولاب العمل والإعداد للانتخابات.

وتشكلت حكومة برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله، الذي كان نقيباً للأطباء في تلك الفترة، وأُسند إليها تسيير أعمال الدولة والتحضير للانتخابات، في إطار الفترة الانتقالية المحددة.

وهنا يجب أن نسجل للمجلس العسكري بقيادة المشير عبدالرحمن سوار الذهب، رحمه الله، نقطة مهمة في التاريخ السياسي السوداني؛ فقد التزم بتعهده بإجراء الانتخابات وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة خلال الفترة المحددة.

وبالفعل، أجريت الانتخابات العامة في أبريل 1986، وكانت نتائجها دليلاً عملياً على الفرق بين قوة الحضور في الشارع وقوة التفويض الانتخابي.

فقد جاء حزب الأمة في المرتبة الأولى وحصل على 100 مقعد، بينما حصل الحزب الاتحادي الديمقراطي على 63 مقعداً، والجبهة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور حسن الترابي، رحمه الله، على 51 مقعداً. وحصل الحزب الشيوعي السوداني على ثلاثة مقاعد فقط، بينما حصل حزب البعث العربي الاشتراكي على مقعد واحد وفق البيانات التفصيلية للنتائج.

وهذه الأرقام، في رأيي، تستحق التأمل.

فالحضور الإعلامي والسياسي والصوت المرتفع في الشارع لا يساوي بالضرورة حجماً شعبياً مماثلاً عند وضع الأمر أمام صناديق الاقتراع.

وهذا ما تؤكده تجربة انتخابات 1986؛ إذ جاءت الأحزاب الكبرى التي تمتلك قواعد اجتماعية وسياسية واسعة في مقدمة النتائج، بينما حصلت قوى يسارية، رغم تاريخها النضالي وحضورها في النقابات والشارع، على تمثيل محدود في البرلمان.

ولذلك فإنني أرى أن درس أبريل 1985 ـ 1986 مهم جداً بالنسبة إلى المشهد السوداني الحالي: الثورة شيء، والانتخابات شيء آخر؛ والقدرة على تحريك الشارع لا تمنح تلقائياً حق حكم الدولة.

فالحق في الحكم لا بد أن يأتي في نهاية المطاف من الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وهنا نعود إلى المشهد الذي أعقب سقوط نظام البشير.

فما حدث في 2019، في تقديري، كان مختلفاً عن تجربة 1985؛ إذ تعامل المجلس العسكري مع قوى الحرية والتغيير باعتبارها الطرف المدني الأساسي في التفاوض، ثم قامت بين الطرفين شراكة سياسية لإدارة المرحلة الانتقالية.

وكان الخطأ، في رأيي، هو أن هذه الشراكة لم تستند إلى تفويض انتخابي، ولم تشمل جميع القوى السياسية والاجتماعية التي شاركت في إسقاط النظام.

وهذا هو الخطأ القاتل الذي وقع فيه المكون العسكري.

فلا يوجد حزب أو كيان أو مجموعة سياسية لها الحق في أن تتحدث باسم الشعب السوداني كله ما لم تكن قد حصلت على تفويض شعبي حقيقي.

وعندما وقع الخلاف بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير، ثم انتهت حكومة الدكتور عبدالله حمدوك، بدأت الحملات السياسية والإعلامية التي صورت ما حدث باعتباره انقلاباً عسكرياً على حكومة مدنية.

وتصدرت الأبواق الإعلامية الخارجية المشهد، وروجت لرواية أن ما حدث كان انقلاباً عسكرياً على قوى مدنية، في حين أن تلك الحكومة لم تصل إلى السلطة عبر انتخابات شعبية، وإنما جاءت نتيجة ترتيبات سياسية بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير.

ومن هنا فإن وصف ما حدث بأنه انقلاب على سلطة منتخبة يحتاج إلى مراجعة دقيقة لطبيعة الشرعية التي قامت عليها السلطة الانتقالية منذ البداية.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن تجربة حكومة الدكتور عبدالله حمدوك شهدت، من وجهة نظري، تدهوراً اقتصادياً كبيراً.

فعندما انتهى حكم حكومة الإنقاذ كان سعر الدولار في حدود 60 جنيهاً، ثم وصل خلال فترة حكومة حمدوك إلى نحو 260 جنيهاً، خلال نحو عامين.

كما ارتفعت أسعار المحروقات والخبز والسلع الأساسية بعد رفع الدعم عن عدد من السلع، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن.

وكان سعر جالون البنزين في عهد حكومة الإنقاذ نحو 28 جنيهاً، كما كانت عشرة أرغفة من الخبز تباع بجنيه واحد.

وهذه أمثلة بسيطة، لكنها تعكس حجم التحول الذي حدث في مستوى الأسعار والمعيشة خلال تلك المرحلة.

وأنا لا أقول إن هذه الأرقام وحدها تفسر الأزمة الاقتصادية، فهناك عوامل عديدة، داخلية وخارجية، أسهمت في الانهيار الاقتصادي، لكنني أوردها باعتبارها مؤشرات على حجم الضغوط التي واجهها المواطن السوداني خلال المرحلة الانتقالية.

ولم تتوقف المشكلة عند الاقتصاد، وإنما امتدت إلى مؤسسات الدولة.

فقد تم، بحسب ما أرى، إبعاد عدد من الكفاءات والخبرات من مؤسسات الدولة خلال مرحلة التفكيك وإعادة الهيكلة، الأمر الذي أثر في أداء بعض المؤسسات.

ومن الأمثلة التي أوردها في هذا السياق ما حدث في قطاع الكهرباء، حيث أُحيل عدد من المهندسين والإداريين وأصحاب الخبرة إلى المعاش أو أُبعدوا من مواقعهم، وهو ما انعكس، في رأيي، على مستوى الأداء داخل المرفق.

وهذا الأمر، في تقديري، لم يكن مقتصراً على مؤسسة واحدة، وإنما امتد إلى عدد من مرافق الدولة، بحيث جرى التخلص من كوادر مؤهلة وخبرات تراكمية، في وقت كانت فيه البلاد تحتاج إلى الحفاظ على جهازها الإداري لا إضعافه.

ومن هنا يأتي تعليقي على حديث الفريق الكباشي بشأن مشاركة المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي ـ في إدارة البلاد خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب.

فقد كانت هناك شراكة سياسية بين الطرفين، ثم تصاعدت الخلافات، في الوقت الذي أصبحت فيه قوات الدعم السريع قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في المشهد السوداني.

وأرى أن الصراع على السلطة، وطموح قيادة الدعم السريع إلى الوصول إلى موقع متقدم في الحكم، كانا من العوامل الأساسية التي سبقت اندلاع الحرب.

وكانت هناك، بحسب قراءتي للمشهد، ترتيبات وتحالفات سياسية هدفت إلى إعادة تشكيل السلطة في السودان، بحيث تلعب قيادة الدعم السريع دوراً رئيسياً في موازين القوة، بينما يتولى الدكتور عبدالله حمدوك ومجموعته من قوى الحرية والتغيير قيادة الجهاز التنفيذي.

هذه هي، في تقديري، الخيوط السياسية التي سبقت اندلاع الحرب، والتي تداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية متعددة.

وأرى أن الهدف كان الوصول إلى السلطة عبر موازين القوة الموجودة على الأرض، بما فيها القوة العسكرية للدعم السريع، بدلاً من الاحتكام إلى صندوق الانتخابات.

وقد فشل هذا المسار، وانفجرت الحرب في 15 أبريل 2023، ودفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً من الأرواح والممتلكات والنزوح والتشريد.

وعلى كل حال، ما زال هناك، في تقديري، تراخٍ من جانب الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان والمكون العسكري في حسم التمرد بالسرعة المطلوبة، الأمر الذي أدى إلى استمرار الحرب والمعاناة وأبقى البلاد في حالة من عدم الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع قائمة، وفي مقدمتها الاتهامات الموجهة إلى الإمارات، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، ولذلك ينبغي أن تخضع هذه المسائل للتحقيق والتوثيق المستقل.

وفي المقابل، ظهرت اتهامات خطيرة ضد القوات المسلحة السودانية، من بينها مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية.

وقد تبنى عدد من السياسيين السودانيين خطاباً دولياً حول هذه الاتهامات، وهو ما أراه أمراً بالغ الخطورة إذا لم يستند إلى أدلة وتحقيقات مستقلة وموثوقة؛ لأن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة المحظورة يمكن أن تصبح مدخلاً لعقوبات أو تدخلات دولية.

كما أن السودان بلد غني بالموارد والثروات، ويتمتع بموقع جغرافي واستراتيجي مهم، ولذلك فإن أي تدخل خارجي في شؤونه ينبغي أن يُنظر إليه بعين وطنية واعية، بعيداً عن التوظيف السياسي.

أما اليوم، فقد تغيرت الأسماء والمسميات، لكنني أرى أن جوهر الصراع السياسي لم يتغير كثيراً.

فقوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي، التي ظهرت لاحقاً ضمن تحالفات ومسميات أخرى مثل «تقدم» ثم «صمود»، ما زالت جزءاً من المشهد السياسي الذي تشكل خلال المرحلة الانتقالية.

وهنا أرى أن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو: هل تريد هذه القوى الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، أم عبر تسوية سياسية جديدة؟

ففي أبريل 2026، أعلن خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في «صمود»، رفض الحديث عن انتخابات قريبة، واعتبر أن طرح الانتخابات في ظل الحرب لا يعكس الواقع الذي يعيشه السودانيون، مؤكداً أن الحل، من وجهة نظره، يمر عبر التفاوض ووقف الحرب.

وهذا الموقف، في تقديري، يعيدنا إلى جوهر المشكلة.

فالانتخابات قد تكون غير ممكنة في ظل الحرب وعدم الاستقرار، وهذا أمر مفهوم من الناحية العملية، لكن السؤال هو: ماذا بعد انتهاء الحرب؟ وما الآلية التي ستمنح أي قوة سياسية الحق في حكم السودان؟

إن الوسيلة المتعارف عليها في العالم للوصول إلى السلطة هي التفويض الشعبي عبر الانتخابات، وليس امتلاك الصوت الأعلى في الإعلام، أو الدعم الخارجي، أو القوة المسلحة، أو التسويات السياسية المغلقة.

وأنا أرى أن بعض القوى التي شاركت في المرحلة الانتقالية السابقة لا تزال تبحث عن صيغة تعيدها إلى المشهد السياسي، سواء عبر التسويات السياسية أو الدعم الخارجي أو التحالفات الجديدة، وربما عبر المصالحة مع المكون العسكري نفسه.

لكنني لا أعتقد أن إعادة إنتاج الشراكة القديمة يمكن أن تكون مقبولة لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني، بعد ما ذاقه السودانيون من حرب وقتل وتشريد وفقدان للممتلكات ومصادر الرزق.

والأهم من ذلك كله أن الشعب السوداني يجب ألا يُستبعد مرة أخرى من تحديد من يحكمه.

لا يمكن لأي مجموعة، مهما كان اسمها، أن تمنح نفسها حق التحدث باسم الشعب السوداني.

ولا يمكن أن تكون الثورة وحدها تفويضاً دائماً للحكم.

الثورة تسقط النظام، لكنها لا تمنح حزباً أو تحالفاً حق حكم الدولة إلى الأبد.

والتفويض الحقيقي لا بد أن يأتي من صندوق الاقتراع.

وعلى هذا الأساس، فإنني أرى أن المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج تجربة الشراكة السياسية التي سبقت الحرب، وإنما إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وحسم التمرد، واستعادة الأمن، ثم الانتقال إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها السودانيون من يحكمهم.

أما رسالتي إلى الأخ الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، فهي أن الشعب السوداني يريد حسم هذا التمرد وإنهاء الحرب واستعادة الأمن والاستقرار.

وهو يعرف، كما يعرف غيره، القوى والشخصيات التي يرى أنها أسهمت في الأزمة أو دعمت التمرد، ولذلك فإن المطلوب اتخاذ قرارات حاسمة وفق القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم أو تقويض الدولة، دون انتقائية أو تشفٍّ.

وفي هذه المرحلة، لا أرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لعقد مؤتمرات سياسية جديدة أو الدخول في مصالحات مع من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات، وإنما الأولوية هي حسم التمرد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الأمن، وإعادة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم.

وأرى أن السودان يحتاج خلال هذه المرحلة إلى حكومة قوية قادرة على إدارة البلاد وحسم الفوضى وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وأنا أميل إلى أن تكون هناك فترة انتقالية تحت قيادة عسكرية لمدة خمس سنوات، يتم خلالها حسم التمرد وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح الاقتصاد ومعالجة آثار الحرب وإعادة النازحين والمهجرين.

وبعد استكمال هذه المهام، يكون صندوق الانتخابات هو الفيصل.

إن الشعب السوداني هو صاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه ومن يمثله، ولا ينبغي لأي حزب أو مجموعة أو تحالف سياسي أن يتولى السلطة دون تفويض شعبي حقيقي.

لقد علمتنا تجارب السودان أن إسقاط النظام شيء، وإدارة الدولة شيء آخر، وأن امتلاك القدرة على تحريك الشارع لا يعني امتلاك التفويض الشعبي لحكم البلاد.

ولذلك فإن الطريق الصحيح، في نهاية المطاف، هو أن يستعيد الشعب السوداني حقه في اختيار قيادته عبر انتخابات حرة ونزيهة، وأن تكون صناديق الاقتراع هي الحكم بين القوى السياسية، لا البندقية ولا الضجيج الإعلامي ولا الدعم الخارجي.

The post حديث الكباشي وذاكرة الانتقال.. كيف تشكلت أزمة الحكم في السودان؟ د. هاشم عبدالله رحمة محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي first appeared on مسار ميديا.