![]()
بين التلويح باستئناف العمليات العسكرية والحديث عن اتفاق ينهي الحرب، تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين مسارين متناقضين في التعامل مع إيران، فيما تبدو المنطقة أمام مرحلة حاسمة قد تحدد شكل نهاية الحرب وتداعياتها على أمن الخليج وممراته البحرية.
ويأتي ذلك مع استمرار حالة التصعيد في المنطقة، بعد أكثر من ستة أشهر من شبه إغلاق مضيق هرمز، وسيطرة أنصار الله الحوثيين على باب المندب، وتعطل خط الأنابيب السعودي شرق-غرب، في وقت تترقب فيه المنطقة اجتماعًا مرتقبًا بين ترمب وقادة دول الخليج في نيويورك.
لقاء مرتقب بين ترمب ودول الخليج
وأفاد موقع “أكسيوس” أن الرئيس ترمب سيلتقي قادة دول الخليج الثلاثاء المقبل، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وتأتي القمة المرتقبة في وقت لوّح فيه ترمب، في تصريحات للموقع نفسه، بإمكانية العودة إلى ضرب النظام الإيراني، رغم حديثه عن رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق، وتواصل مسؤول إيراني مباشر معه، وفق قوله.
في المقابل، تتبنى إيران خطابًا معلنًا يدعو إلى العودة إلى التفاهم، وهو ما كرره محمد رضا عارف، نائب الرئيس الإيراني، قائلًا إن الأميركيين يحاربون بلاده منذ 40 عامًا، وإنه لا مفر من العودة إلى مذكرة التفاهم، لإنهاء هذه الجولة من التصعيد.
ترمب بين التصعيد والتفاوض
في هذا الإطار، قال الباحث في الشؤون السياسية الإيرانية صالح قزويني إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتعمد طرح مواقف متناقضة في تصريحاته وتدويناته، بما يبقي موقفه السياسي غامضًا.
وأضاف، في حديث للتلفزيون العربي من طهران، أن ترمب قد يكون يستخدم هذه المواقف لقياس ردود الفعل عليها، سواء داخل الولايات المتحدة، أو من جانب السياسيين الأميركيين، أو إيران، أو دول المنطقة، أو بقية دول العالم.
وأوضح قزويني أن ترمب لم يحسم موقفه في تصريحاته ومواقفه، وحتى عندما يحسم أمرًا، فإنه سرعان ما يعود وينقضه، مشيرًا إلى أنه يتحدث أحيانًا عن التوصل إلى اتفاق مع إيران، ثم يشن بعد ذلك هجمات جديدة عليها، في تناقض واضح بين المواقف والتصريحات.
وأضاف أن هذه المواقف لا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها نتيجة سذاجة أو بساطة في السياسة، بل يرى أن ترمب يطرح مواقفه وينتظر ردود الفعل عليها، سواء كانت داخلية أو خارجية.
وأشار قزويني إلى أن إيران لا تريد الذهاب إلى السلام أو الاتفاق من دون مقابل، وتريد أن يكون ثمن الحرب والسلام مرتفعًا، ولذلك لا ترغب في الإسراع بإبرام أي اتفاق ما لم يحقق لها ذلك. وقال إن إيران لا تملك، في المقابل، خيارًا آخر، معتبرًا أن الطريقة والشروط التي يضعها ترمب تدفعها إلى الاستمرار في سياستها الحالية.
وأضاف أن هذه السياسة، بحسب تقديره، حققت نتائج، وكانت مذكرة التفاهم في إسلام آباد إحدى هذه النتائج، معتبرًا أنها حققت مكاسب كبيرة لإيران، قبل أن يُحبطها ويفشلها الطرف الآخر بالتعاون مع دول المنطقة.
“إدارة ترمب أمام طريق مسدود”
وبشأن إستراتيجية إدارة الرئيس ترمب لإنهاء الحرب على إيران، قالت المحللة السياسية وعضو الحزب الجمهوري جينجر تشابمان إن الرئيس الأميركي يبدو مؤمنًا بأن حالة عدم القدرة على التنبؤ بمواقفه يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، لكن هذا التذبذب في المواقف يؤدي إلى مزيد من الالتباس والضبابية، ويحول دون وصوله إلى مسار واضح للخروج من النزاع.
وأضافت، في حديث للتلفزيون العربي من واشنطن، أن ترمب يتوق إلى الخروج من هذا النزاع، مشيرة إلى أن الاجتماعات التي سيعقدها الأسبوع المقبل ترتبط بالمأزق الذي يواجهه في هذه الحرب.
وترى تشابمان أن بإمكان ترمب إنهاء الحرب من خلال مفاوضات نزيهة مع الإيرانيين، عبر الالتزام بمذكرة التفاهم والتفاوض على آليات تطبيقها، ولا سيما البندين الأول والخامس منها.
وأضافت أن ترمب يستطيع استخدام مذكرة التفاهم جسرًا لتعزيز المفاوضات، لكنه لا يحرك ساكنًا ولا يقدم على أي خطوة، رغم النصائح التي يقدمها له مستشاروه وجنرالاته، والذين يقولون إن الخيار العسكري ليس في مصلحة الولايات المتحدة.
وقالت إن ترمب يجد نفسه في مأزق، إذ لا يملك خيارًا عسكريًا واضحًا، وفي الوقت نفسه يرفض مسار التفاوض، ما يؤدي إلى طريق مسدود، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز مغلقًا وتستمر الحرب على إيران، وربما تتحول إلى نزاع مزمن محدود السقف.
وأضافت أن ترمب لا يملك في هذه المرحلة خيارات تفاوضية أو عسكرية أو اقتصادية واضحة، متوقعة استمرار الحرب حتى الانتخابات النصفية، بينما يترقب الرئيس الأميركي أيضًا تطورات الانتخابات الإسرائيلية.
“الخليج بين الحرب والسلام”
وبشأن المدة التي تستطيع دول الخليج تحمل هذا الوضع الإقليمي، في ظل حالة لا حرب ولا سلم، تساءل فيصل المضاحكة، رئيس تحرير صحيفة “غلف تايمز”: هل هذا الوضع يصب في مصلحة الخليج؟ وهل ما يحدث يخدم المصالح الإيرانية والخليجية؟
وأضاف، في حديث للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أن المنطقة شهدت اتفاق هدنة تضمن بحث مسألة فتح مضيق هرمز، وسعت قطر إلى دفع هذا المسار، قبل أن تُخرق مذكرة التفاهم ويُنسحب منها.
وقال المضاحكة إن الأطراف المتصارعة، ومن بينها إيران، فقدت هذه الفرصة، معتبرًا أن المطلوب اليوم هو العودة إلى لغة العقل.
وأضاف أن انقطاع النفط الفنزويلي والروسي والإيراني عن الأسواق يصب في مصلحة الشركات الأميركية، بينما تكون إيران ودول الخليج هي الأطراف التي تتحمل الخسائر.
وبشأن الاجتماع المرتقب بين ترمب وقادة دول الخليج، قال المضاحكة إنه اجتماع مهم بين الحلفاء، رغم أنه يُعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأشار إلى أن اجتماعات مماثلة سبق أن تناولت ملف غزة، كما جاءت بعد القصف الإسرائيلي على قطر، معتبرًا أن الاجتماع المقبل قد يشهد بحث التفاهمات التي كان من المفترض التوصل إليها في عُمان قبل إلغائها. وأضاف أنه من الممكن أن يجري الاتفاق على هذه التفاهمات في نيويورك.
السعودية والحل السلمي
وبشأن الرؤية السعودية لإنهاء الحرب، قال المحلل السياسي منيف عماش الحربي إن السعودية ترى أن الحل السلمي هو الخيار الأفضل، مشيرًا إلى أنها لم تقطع علاقاتها مع طهران، وأن الاتصالات بين الجانبين ما زالت قائمة.
وأضاف، في حديث للتلفزيون العربي من الرياض، أن الجانب الإيراني، بعد 17 يوليو/تموز، هو الذي انتهك الهدنة وأطلق النار على ثلاث سفن، قبل أن يعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز.
ويرى الحربي أن الجانب الإيراني يريد استمرار الحرب إلى حين اتضاح مصير مجتبى خامنئي، في ظل الحديث عن بقائه حيًا لكنه مصاب، وأضاف أن الجانب الإيراني هو الذي أسقط الهدنة، رغم أنها حققت أهدافًا بالنسبة إليه.
وقال إن إيران اتجهت إلى إطالة أمد الحرب بهدف إلحاق خسارة بترمب في الانتخابات، والعمل على ترسيخ فكرة داخل العقل السياسي الأميركي مفادها أن الصراع مع إيران يمكن أن ينعكس على الانتخابات.
وأضاف أن الحرب قد تقترب من الحل بعد الانتخابات النصفية الأميركية المقررة، لكنه أشار إلى أن شكل النهاية لا يزال غير معروف، متسائلًا عما إذا كانت ستأتي على طريقة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور خلال الحرب الكورية، عندما لوّح باستخدام السلاح النووي إذا لم تتوقف الحرب.
