![]()
يشهد مسار الحرب بين روسيا وأوكرانيا منحًى جديدًا مع تصاعد سباق استخدام المسيّرات النفاثة، في تطور يغير طبيعة المواجهة ويفتح جبهة جديدة من التصعيد تمتد إلى العمق الإستراتيجي للطرفين.
ويتبادل البلدان الهجمات باستخدام مسيّرات حديثة تستهدف مواقع وأهدافًا بعيدة، بالتزامن مع سباق محموم لتطوير هذه الطائرات المسيّرة واعتراضها، ما يضيف بُعدًا جديدًا إلى الحرب، ويزيد من صعوبة احتواء التصعيد.
حرب المسيّرات بين روسيا وأوكرانيا
ولا يقتصر القلق على طرفي الحرب، إذ تتزايد المخاوف الأوروبية من احتمال انزلاق المواجهة إلى صدام عسكري مباشر مع روسيا، في وقت تتجه فيه دول أوروبية إلى رفع الإنفاق الدفاعي وزيادة التسلح وتعزيز الاستعدادات العسكرية.
في المقابل، تتبادل روسيا ودول أوروبية الاتهامات بشأن إطالة أمد النزاع ورفض دعوات وقف إطلاق النار، بينما تكرر موسكو تلويحها باستخدام مختلف أنواع الأسلحة للرد على أي هجوم أوروبي أو أطلسي، بما في ذلك التلويح بالترسانة النووية.
ومع اتساع نطاق استخدام المسيّرات وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة حرب المسيّرات على تغيير ميزان المعركة، والكلفة التي يفرضها هذا التصعيد على جميع الأطراف، خصوصًا مع تعثر المفاوضات واستمرار الحرب دون أفق واضح لنهايتها.
هل المسيّرات تغيّر طبيعة الحرب؟
وفي هذا الإطار، قال اللواء محمد الصمادي، محلل الشؤون العسكرية في التلفزيون العربي، إن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت بُعدًا جديدًا يتمثل في التطور التقني والتكنولوجي، سواء في مجال الحرب الإلكترونية، أو توظيف الذكاء الاصطناعي، أو تطوير المحركات النفاثة بدلًا من التقليدية.
وأوضح من استديوهات لوسيل أن مسيّرات “غيران” الروسية تعكس هذا التحول، فبينما كانت “غيران-3” تعمل بمحرك تقليدي، جاءت “غيران-4” بمحرك نفاث، أما “غيران-5” فأصبحت أقرب إلى صاروخ جوّال، بقدرات على الطيران بسرعات وارتفاعات عالية، وبصمة رادارية منخفضة، مع مقاومة للتشويش وتوظيف للذكاء الاصطناعي.
وأشار الصمادي إلى أن المواجهة باتت بين مسيّرات هجومية روسية ومسيّرات اعتراضية أوكرانية، في صراع بين السلاح والسلاح المضاد، حيث تحولت المسيّرات من سلاح منخفض الكلفة إلى منظومة قادرة على استهداف العمق بفعالية وتدمير عالٍ، ما يشكّل تحديًا واستنزافًا للدفاعات الجوية.
وأضاف أن المعضلة لم تعد في إنتاج المسيّرة نفسها، بل في القدرة على إنتاج أعداد كبيرة منها لتجاوز الدفاعات واستنزافها.
وتابع أن المرحلة المقبلة قد تشهد ما يُعرف بـ”هجمات السرب” (Swarm Attack)، حيث تُطلق أعداد ضخمة من المسيّرات المسيطر عليها بالذكاء الاصطناعي، لتتواصل فيما بينها وتنفذ عمليات تشويش واتصالات وتحديد أهداف واتخاذ قرارات قتالية ذاتيًا في ميدان المعركة.
وعن توازن القدرات بين الطرفين، رأى الصمادي أن روسيا تتفوق هجوميًا، بينما يمتلك الجانب الأوكراني قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية والتشويش، بدعم كبير من المملكة المتحدة، إضافة إلى قاعدة صناعية محلية تستفيد من خبرات القتال المباشر. لكنه شدّد على أن المسيّرات الروسية، مثل “غيران-4” و”غيران-5″، ما زالت تشكّل تحديًا لأوكرانيا نظرًا لقدرتها على الطيران على ارتفاعات بين 4 و7 كيلومترات، وسرعتها العالية، وبصمتها الرادارية المنخفضة، وهو ما يعجز عن اعتراضه صواريخ الكتف محدودة المدى.
وختم بالقول إن المسيّرات أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الحرب، لكنها لا تعوّض الصواريخ الباليستية، بل تدخل ضمن معركة الأسلحة المشتركة. ومع ذلك، فإن التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية يجعل الحرب الحالية مختلفة جذريًا عن الحروب السابقة، وحتى عن بدايات الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
“أوكرانيا تراهن على المسيّرات لاستنزاف روسيا”
من جهته، قال الدبلوماسي السابق فولوديمير شاماكوف، في حديث للتلفزيون العربي من كييف، إن أوكرانيا باتت تراهن بشكل متزايد على المسيّرات المزودة بالذكاء الاصطناعي، في ظل محدودية الصواريخ الباليستية والمجنحة، ونقص القنابل الثقيلة.
وأكد أن هذه المسيّرات أثبتت فعاليتها، إذ تستهدف يوميًا منشآت ومصافي النفط الروسية، ما يضطر موسكو إلى إنفاق مبالغ ضخمة لإعادة البناء قبل أن تُدمَّر مجددًا، حسب قوله.
وأضاف أن هذه الإستراتيجية تستنزف الاقتصاد الروسي، لكنه أشار إلى أن أوكرانيا تتوقع في المقابل ضربات روسية بالصواريخ على محطات الكهرباء والتدفئة، كما حدث في السنوات الماضية.
وأوضح شاماكوف أن روسيا بدأت استخدام مسيّرات بمحركات نفاثة، لكنها أكثر تكلفة بخمسة إلى ثمانية أضعاف مقارنة بالمسيّرات التقليدية، فيما تعمل أوكرانيا على تطوير مسيّرات اعتراضية لإسقاطها.
وبيّن أن التحدي الأكبر أمام كييف لا يكمن في مواجهة المسيّرات الروسية فحسب، بل أيضًا في الصواريخ الباليستية والمجنحة التي تشكّل صداعًا مستمرًا على خطوط التماس.
روسيا تطور قدراتها في حرب المسيّرات
في المقابل، قالت إيلينا سوبونينا، المستشارة السياسية في مركز الدراسات الدولية، إن روسيا لم تكتفِ بالتأقلم مع حرب المسيّرات، بل أصبحت متفوقة في هذا المجال، وهو ما لم يكن قائمًا في السابق.
وأوضحت في حديث للتلفزيون العربي من موسكو أن الجيش الروسي اكتشف خلال حربه مع جورجيا عام 2008 أن المسيّرات تمثل نقطة ضعف لديه، بعدما استخدمها الجيش الجورجي بينما عجزت روسيا عن مجاراته آنذاك.
وأضافت أن السنوات الأخيرة شهدت تقدمًا كبيرًا في صناعة المسيّرات الروسية، خاصة خلال العامين الماضيين، حيث ظهر الجيل الجديد من مسيّرات “غيران-5″، التي يصفها بعض الخبراء بأنها ليست مجرد مسيّرة، بل مزيج بين طائرة نفاثة وصاروخ صغير، وهو تطور استثنائي.
وأكدت سوبونينا أن أوكرانيا لو استخدمت هذا العدد الكبير من المسيّرات ضد أي دولة أخرى غير روسيا، لما تمكنت تلك الدولة من إسقاط معظمها، لكن روسيا متفوقة أيضًا في أنظمة الدفاع المضاد، إذ تستطيع اعتراض أغلب المسيّرات رغم أن الهجمات موجعة.
وختمت بالقول إن الجيل الجديد من المسيّرات النفاثة من طراز “غيران-5” يشكّل تحديًا خاصًا لأوكرانيا، إذ لا تمتلك حتى الآن مسيّرات اعتراضية قادرة على إسقاطها، نظرًا لسرعتها العالية وخصائصها التقنية المتقدمة.
لماذا تقلق أوروبا من حرب المسيّرات؟
بدوره، قال حسني عبيدي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف، إن تصاعد المواجهة بين روسيا وأوكرانيا عزّز قناعة الدول الأوروبية وحلف الناتو بضرورة مراجعة العقيدة العسكرية، وإعادة النظر في ميزانيات الدفاع والإنفاق العسكري، فضلًا عن تعزيز التسلح.
وأوضح في حديث للتلفزيون العربي من باريس، أن حرب المسيّرات منحت أوروبا الذريعة الكافية لمضاعفة مساعداتها العسكرية لأوكرانيا، مشيرًا إلى أن القارة الأوروبية باتت متوجسة من تحوّل التهديدات الروسية إلى أفعال مباشرة.
واستشهد عبيدي باختبار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لصاروخ يُطلق من غواصة وقادر على حمل رؤوس نووية، معتبرًا ذلك انعكاسًا لمستوى القلق والتحول في السياسة الأوروبية.
وأضاف أن روسيا كانت تُعتبر في السابق جزءًا من منظومة الأمن الأوروبي، لكن بعد الحرب على أوكرانيا توصّلت الدول الأوروبية إلى قناعة بأن موسكو لم تعد شريكًا يمكن التعويل عليه في بناء أي نظام إقليمي.
وأشار إلى أن الهجمات بالطائرات المسيّرة، والتأثيرات على الحملات الانتخابية، وضرب منشآت الطاقة، كلها مؤشرات دفعت أجهزة الاستخبارات والتقارير البحثية الأوروبية إلى التحذير من ضرورة الاستعداد لمخاطر جدّية.
وختم عبيدي بأن ذلك لا يعني أن الحرب المباشرة على الأبواب، لكن أمام التلكؤ الأميركي وتراجع دور واشنطن كقوة رائدة في الناتو، وجدت أوروبا نفسها مضطرة لإعادة صياغة أمنها عبر فرض عقوبات اقتصادية واسعة على روسيا، وزيادة الإنفاق العسكري، وتكثيف الدعم لأوكرانيا.
