![]()

كمبالا: 27 اكتوبر 2026: راديو دبنقا
تقرير: عبد المنعم مادبو
تحولت الطائرات المسيّرة إلى أحد أبرز أسلحة الحرب في السودان، مع تصاعد الهجمات التي تطال الأسواق والمنازل والتجمعات المدنية والمنشآت الحيوية، في امتداد جغرافي يشمل دارفور وكردفان والنيل الأزرق والخرطوم، وصولاً إلى ولايات شرقي البلاد. وخلال الفترة من 14 إلى 27 أكتوبر 2026، كشفت تقارير ومعلومات جمعها راديو دبنقا من مصادر مفتوحة عن سلسلة من الضربات التي أوقعت مئات القتلى والجرحى، وسط تباين في حصائل الضحايا وعدم حسم المسؤولية عن بعض الهجمات.
وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أنها وثقت مقتل 306 أشخاص على الأقل وإصابة مئات آخرين في ضربات بطائرات مسيّرة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر، نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتشمل هذه الحصيلة فترة أوسع من نطاق الرصد التفصيلي لهذا التقرير، ولا ينبغي إضافتها إلى أعداد الضحايا المسجلة في الحوادث الفردية، تفادياً للازدواج في الرصد.

دارفور وكردفان.. أسواق وعائلات في دائرة الاستهداف
في 14 أكتوبر، أسفر هجوم بطائرة مسيّرة على قرية فوراوية بمحلية كرنوي في ولاية شمال دارفور عن مقتل شخصين وإصابة ثمانية آخرين، وفقاً لغرفة طوارئ كرنوي. وأفادت الغرفة باحتراق عربتين واستهداف ثلاث عربات أخرى جنوب سوق المنطقة.، لكنها لم تنسب الغارة الجوية لأي من طرفي الحرب. وفي اليوم نفسه، لقي متطوع في الهلال الأحمر مصرعه جراء قصف استهدف منطقة “درفا” بإقليم النيل الأزرق.
في 15 أكتوبر، قُتل خمسة أطفال من أسرة واحدة وأصيبت والدتهم إثر قصف منزل في منطقة أبو زعيمة بمحلية حمرة الشيخ بشمال كردفان، غير أن التقارير المتاحة نسبت الهجوم إلى طائرة من طراز أنتونوف، وليس إلى طائرة مسيّرة. وفي 17 أكتوبر، قُتل 11 مدنياً وأصيب ستة آخرون، بينهم أطفال وقاصرون وطلاب ومزارعون، في هجوم بطائرة مسيّرة على قرية “حجر سناكيد”، بمحلية سربا في غرب دارفور، وفق معلومات أولية جمعتها منظمة مناصرة ضحايا دارفور. واستهدف الهجوم مواطنين كانوا يعملون في الزراعة.

139 قتيلا في الدبب
أما في 18 أكتوبر، فقد شهدت منطقة الدبب بولاية غرب كردفان مجزرة راح ضحيتها العشرات عندما استهدفت طائرة مسيّرة شاحنة كانت تقل مدنيين. وقالت الأمم المتحدة إن 139 شخصاً على الأقل قُتلوا وأصيب عشرات آخرون جراء ضربة مزدوجة استهدفت الشاحنة. ورفعت مصادر محلية وإعلامية الحصيلة إلى أرقام أعلى، مشيرة إلى مقتل 145 شخصاً داخل الشاحنة وخمسة آخرين في خيمة عزاء قريبة، فضلاً عن إصابة نحو 150 شخصاً. واتهم تحالف تأسيس القوات المسلحة بتنفيذ الغارة لكن الاخيرة لم تعلن مسؤوليتها عن الهجوم، غير انها قالت إنها لا تستهدف المدنيين، حتى عندما تعتقد بوجود مقاتلين بينهم.
وتثير الضربات المتكررة ــ او المزدوجة ــ مخاوف بشأن سلامة الناجين وفرق الإسعاف والإنقاذ، خصوصاً إذا تجدد الاستهداف بعد تجمع المدنيين في موقع الهجوم. كما تطرح تساؤلات بشأن الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية. وفي الليلة نفسها من يوم 18 اكتوبر، تحدثت تقارير عن قصف سوق بمدينة المجلد في غرب كردفان، من دون توافر حصيلة مستقلة ونهائية للضحايا، فيما نسبت تقارير إعلامية الهجوم إلى القوات المسلحة السودانية.
نيالا.. ضربات دامية تطال سوق المواشي ومقر حكومة الولاية
شهدت مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور والخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ضربات متتالية خلال الفترة محل الرصد. ففي 16 أكتوبر، استهدفت طائرة مسيّرة سوق المواشي، ما أسفر، عن مقتل 30 شخصاً وإصابة 47 آخرين. أما في 19 أكتوبر، أصابت ضربة أخرى وسط المدينة، ودمرت منزلين، وأسفرت ــ بحسب مصادر تابعة لقوات الدعم السريع ــ عن مقتل 17 شخصاً، بينهم سبعة من عناصر قوات الدعم السريع، وإصابة 23 آخرين. وفي صباح يوم 27 اكتوبر، استهدفت طائرة مسيّرة مواقع عدة في مدينة نيالا، من بينها سوق (تنقونج) بضاحية دوماية غرب المدينة، وافادة مصادر دبنقا بسقوط ضحايا مدنيين لكنها لم تُحدد حصيلتهم. وفي يوم 22 اكتوبر استهدفت طائرة مسيرة مقر امانة حكومة جنوب دارفور مما ادى الى تدمير اجزاء من المبنى بما في ذلك مكتب رئيس الادارة المدنية بالولاية.
وتشير هذه الوقائع إلى اتساع نطاق الهجمات داخل المناطق المأهولة، حيث تتداخل المواقع العسكرية مع التجمعات السكانية والأنشطة التجارية، بما يزيد المخاطر التي يتعرض لها المدنيون.
الضعين… استهداف أسواق وسجن الجلابي
في 19 أكتوبر قصفت طائرة مسيّرة بوابة سجن الجلابي الذي يقع على بعد عدة كيلومترات شرقي مدينة الضعين ما أدى إلى انهيار جزء من السور وفرار عدد من النزلاء والمعتقلين. وقال مستشار قانوني لحكومة شرق دارفور أن نحو 400 نزيل فرّوا من السجن عقب الهجوم، واتهم الجيش السوداني بتنفيذه. بينما كشفت مدير عام وزارة الصحة بولاية شرق دارفور مشاعر محمد نورين أن هجمات المسيّرات على الضعين يوم 19 أكتوبر أسفرت عن 34 قتيلًا وجريحًا، ونقل راديو دبنقا عن تحالف السودان التأسيسي أن قصف مطعم شمال السوق أسفر عن مقتل 19 مدنيًا وإصابة 21 آخرين.
في الأربعاء 21 أكتوبر استهدفت طائرة مسيّرة السوق الكبير في الضعين، ما أدى إلى تدمير عدد من المحال التجارية وإصابة أربعة أشخاص. وافاد أحد التجار في السوق ان الضربة اصابت متاجر مدنية، بينها متجر لقطع غيار المركبات. وفي اليوم التالي 22 أكتوبر استهدفت طائرة مسيّرة سوق للسفريات بحي العرب، بالتزامن مع هجوم على سوق مدينة أبو جابرة بالولاية. وبحسب مصادر محلية أسفر الهجومان عن مقتل 4 مدنيين، أحدهم طفل، وإصابة خمسة أشخاص.

أبيي.. حصيلة متباينة بعد حريق واسع في سوق أمِيت
في 19 أكتوبر، تعرض سوق أمِيت ــ المعروف أيضاً باسم سوق النعام ــ ومنطقة توداش في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، لهجوم بطائرة مسيّرة تسبب في حرائق وأضرار واسعة بالمحال التجارية والمنازل المجاورة. وقالت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي «يونيسفا» إن الهجوم أسفر عن مقتل 80 شخصاً على الأقل وإصابة 27 آخرين تلقوا العلاج لدى أفراد الأمم المتحدة، مشيرة إلى استمرار التحقق من الحصيلة واحتمال وجود مفقودين. في المقابل، رفعت مصادر محلية وإعلامية الحصيلة إلى 153 قتيلاً. وأفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن مستشفى أمِث بيك استقبل أكثر من 20 مصاباً، بينهم حالات حرجة ومصابون بحروق. ولم تحدد الأمم المتحدة الجهة المسؤولة عن الهجوم بصورة رسمية، ودعت إلى تحقيق كامل وشفاف وسريع. وتكتسب الحادثة أهمية إضافية بالنظر إلى الوضع الخاص لأبيي، التي تخضع لترتيبات أمنية دولية، وما قد يترتب على التصعيد فيها من توترات بين السودان وجنوب السودان.
الخرطوم.. أطفال ضحايا ضربة قرب المطار
وفي العاصمة الخرطوم، أصابت طائرة مسيّرة منزلاً في حي امتداد ناصر، شرق مطار الخرطوم، في 19 أكتوبر، بعد تقارير عن اعتراض الدفاعات الجوية مسيّرات قالت مصادر أمنية إنها أُطلقت باتجاه المطار والمناطق المحيطة به. وبحسب مصادر طبية ــ وتحدثت لوسائل الاعلام ــ قُتل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام، وأصيبت والدتهم بجروح خطرة. فيما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن مصادر طبية، بمقتل أربعة أشخاص في الضربة. وتسلط الحادثة الضوء على المخاطر التي قد تتعرض لها الأحياء السكنية جراء الهجمات الجوية، حتى عندما تكون المنشآت العسكرية أو المطارات ضمن المواقع المستهدفة، إذ قد تسقط المسيّرات أو حطامها على منازل المدنيين.
محطات الكهرباء.. هجمات توسّع نطاق الأزمة الخدمية
وفي 26 أكتوبر، قالت مصادر حكومية ومحلية إن قوات الدعم السريع شنت هجمات متزامنة بطائرات مسيّرة على خمس محطات كهرباء في ولايات الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض، بواقع محطتين في الجزيرة، ومحطتين في القضارف، ومحطة في النيل الأبيض. وأدت الهجمات، إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي، من دون الإعلان عن حصيلة للقتلى أو الجرحى. وفي 27 أكتوبر، استهدفت مسيّرات نُسبت إلى قوات الدعم السريع محطة المرخيات التحويلية، ما أدى إلى خروج أجزاء واسعة من الخرطوم وأم درمان والجزيرة عن الخدمة. وتتجاوز آثار استهداف محطات الكهرباء الأضرار المباشرة، إذ يمكن أن يؤدي انقطاع التيار إلى تعطيل المستشفيات ومرافق المياه والخدمات الأساسية، ويزيد الأعباء على السكان الذين يواجهون بالفعل أوضاعاً إنسانية متدهورة.
جمال الشهيد: المسيّرات أداة لتغيير المعادلات العسكرية
ويرى الخبير العسكري اللواء المتقاعد جمال الشهيد أن الطائرات المسيّرة أصبحت من أهم أدوات الحرب في السودان، نظراً لقدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى وجمع المعلومات والاستطلاع واستهداف مواقع من دون الحاجة إلى تحريك قوات برية كبيرة. ويعزو الشهيد تصاعد استخدامها إلى سعي طرفي الحرب إلى تحسين موقعيهما العسكريين وفرض معادلات ميدانية جديدة، في ظل اتساع جبهات القتال من دارفور وكردفان إلى النيل الأزرق ومناطق أخرى. ويشير إلى أن اتساع مسرح العمليات يجعل المسيّرات وسيلة فعالة لاستهداف التحركات العسكرية وخطوط الإمداد والمنشآت التي يعتمد عليها الخصم.
ويضيف أن محاولة التأثير على البنية التحتية والخدمات الحيوية تمثل عاملاً آخر في تصعيد الهجمات، محذراً من أن اتساع نطاق الاستهداف قد يحوّل العمليات العسكرية إلى مصدر إضافي لمعاناة المدنيين، عندما تطال الضربات الأسواق والمناطق السكنية والمرافق المدنية. ويعتبر الشهيد أن السعي إلى تحقيق مكاسب ميدانية قبل أي هدنة أو مفاوضات قد يكون أحد التفسيرات المحتملة للتصعيد، لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة ارتباط جميع الضربات بحسابات التفاوض.

ضغوط دولية لا تكفي لوقف الهجمات
وعن المواقف الدولية، يرى الشهيد أن المشكلة الأساسية تتمثل في الفجوة بين التحركات الدبلوماسية والحسابات العسكرية على الأرض، إذ يواصل الطرفان، الرهان على تحقيق مكاسب إضافية قبل تقديم تنازلات. ويقول إن الدعوات الدولية إلى هدنة إنسانية لن تكون كافية ما لم تتحول إلى إجراءات عملية، تشمل ترتيبات واضحة لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمانات تمنع استغلال الهدنة لإعادة ترتيب القوات ثم استئناف القتال. ويشدد على ضرورة وقف هجمات الطائرات المسيرة التي تعرض المدنيين للخطر، والامتناع عن استهداف الأسواق والمستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما يدعو إلى التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، والعمل على الحد من تدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية التي تسهم في إطالة أمد الحرب.
القانون الدولي.. مسؤولية لا تسقط باستخدام المسيّرات
ويؤكد الشهيد أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يعفي القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع من الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين. فالقانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين أو الحد منه، كما يحظر الهجمات العشوائية والهجمات غير المتناسبة. ويضيف أن كل واقعة ينبغي أن تخضع لتحقيق مستقل يستند إلى الأدلة الحقيقية، بعيداً عن الاتهامات غير المثبتة أو توظيف الحوادث في الحرب الإعلامية بين الطرفين.
وتكشف الوقائع التي رصدتها المصادر المفتوحة خلال النصف الثاني من أكتوبر عن اتساع رقعة الحرب الجوية وتعدد الأهداف المتضررة، من الأسواق والشاحنات والمنازل إلى محطات الكهرباء. ويبقى المدنيون الأكثر عرضة لتبعات هذه الهجمات، سواء بفقدان الأرواح أو تدمير الممتلكات أو انقطاع الخدمات الأساسية. ويخلص اللواء جمال الشهيد إلى أن إنهاء الحرب لا يتطلب إعلان هدنة فحسب، بل إرادة سياسية وضمانات قابلة للتنفيذ والتزاماً واضحاً بحماية السكان، مؤكداً أن أي مكسب عسكري لا يمكن أن يبرر سقوط الأبرياء أو تدمير مقومات حياتهم.
The post حرب المسيّرات تحصد مئات المدنيين في السودان خلال أسبوعين.. وأسواق ومنازل ومحطات كهرباء في مرمى الهجمات appeared first on Dabanga Radio TV Online.