![]()

بقلم/ محمد الحسن محمد نور
لقد تجاوزت براغماتية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعامله مع الملف الإيراني حدود السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية، لتكشف عن الهدف الحقيقي للحرب على إيران: النفط، الذي يقع في صميم المعادلة. فقد ظلّت واشنطن تسعى لبسط نفوذها على النفط الإيراني منذ اكتشافه بكميات تجارية في عام 1908 بمدينة مسجد سليمان. فبعد أن قاد الدكتور محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني، عملية تأميم النفط عام 1951، وجدت إيران نفسها في مواجهة حادة مع بريطانيا، سرعان ما انخرطت فيها الولايات المتحدة، وانتهت بانقلاب «أجاكس» سيئ السمعة عام 1953، الذي شاركت في تدبيره المخابرات الأمريكية والبريطانية، وأسفر عن إسقاط حكومة مصدق وعودة الشاه إلى السلطة. وهكذا كان النفط في صميم الصراع منذ اكتشافه والذي ظل يحكم إعادة تشكيل علاقة إيران بالغرب لعقود لاحقة.
فالحرب التي يخوضها ترامب ضد طهران لم تعد أهدافها الحقيقية تخفى على أحد، رغماً عن مُحاولات إخفائها المتكررة بإعلان أهداف غير منطقية ومتغيرة حسب الأوضاع الميدانية للحرب، «كتغيير النظام بحجة أنه يقتل شعبه، أو حرمان إيران من امتلاك السلاح النووي لأن سلوكها خبيثٌ ومزعزع لأمن المنطقة، أو أن إيران تمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي»، لم تكن كلها، وفي جوهرها، سوى محاولة للتغطية على الأهداف الرئيسية: السيطرة على ثروة إيران النفطية، تماماً كما فعل مع فنزويلا؛ وربما يتجاوزها إلى السيطرة على مضيق هرمز، ومن ثَمّ التحكم في إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط بأكمله.
في هذا السياق، تُعاد إسرائيل من شريك استراتيجي وتُرَدّ إلى أصلها الذي أُنشئت من أجله، لكي تؤدي وظيفتها كأداة ضرورية وقاعدة متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة لبلوغ الهدف الحقيقي: «السيطرة على الشرق الأوسط وثرواته وطرق الإمـداد»، واستخدام صراخها وتضخيم مخاوفها من البرنامج النووي الإيراني لتكون الغطاء الذي يسمح بتحريك القوات نحو الهدف الحقيقي.
إنّ الحرب «الخاطفة، النظيفة» التي أعلنها الرئيس ترامب على إيران، والتي حددها ببضعة أسابيع، قد تجيّفت الآن وتعفّنت بعد أن زاد عمرها على نصف العام، وظل الرئيس ترامب العالق في وحلها يتنقل بين أربعة خيارات «ثبت فشلها جميعاً» في تحقيق النصر على إيران؛ ينتقل من الضربات العسكرية المباشرة إلى الحصار البحري، ومن طاولة المفاوضات وتوقيع مذكرة التفاهم إلى الضربات العسكرية مرة أخرى، ثم إلى «النورماندي الاقتصادي» وخنق إيران، يدور في حلقة مفرغة من تجريب المجرّب، في محاولات يائسة، باحثاً عن صيغة قابلة للإعلان عن تحقيق النصر.
ويبدو عليه القلق من تخوفه من مواجهة مصيره بحلول موعد الانتخابات النصفية. وفي لحظة عناد واستماتة، يتّجه إلى أمرين: أولهما، التغطية على نشاطات إسرائيل الإجرامية التوسعية، بغرض تقويتها وتمكينها من التوسع بضم غزة والضفة وأجزاء مقدرة من لبنان وسوريا، وحتى غور الأردن، لتمكينها من تنفيذ مشروع دولة إسرائيل الكبرى على حساب دول المنطقة والشعب الفلسطيني، لإحراز نقطة تُحسب له وتعينه على تجاوز عقبة الانتخابات النصفية.
أما الأمر الثاني، فيجئ في محاولة الرئيس ترامب استمالة الصين وإغراءها بنفط فنزويلا عوضاً عن نفط إيران. فقد عرض ترامب، في الأول من فبراير 2026، على الصين الدخول في صفقة نفطية بشأن النفط الفنزويلي، في الوقت الذي أعلن فيه أن الهند ستشتري النفط الفنزويلي بدلاً من النفط الإيراني. عرضٌ يُقدّم بطريقة لا تخلو من سذاجة سياسية. فالصين التي يحاول إغراءها بنفط فنزويلا دون وجه حق، لا يمكنها التخلي عن إيران بهذه السهولة؛ فطهران شريكٌ استراتيجيٌّ ذو أهمية كبرى في مشروع الحزام والطريق، والبلدان تربطهما اتفاقية طويلة الأمد لمدة 25 عاماً، وهناك حديثٌ متداولٌ في بعض المصادر عن اتفاق على التزام استثماري بمبلغ في حدود ٥٥٠ مليار دولار، هذا فضلًا عن دور إيران في منظمتي شنغهاي وبريكس، اللتين تتّجهان نحو تقليل الاعتماد على الدولار.
الرد الصيني على العرض الأمريكي جاء، في 13 أبريل 2026، على لسان المتحدث باسم الخارجية الصينية، مؤكدًا على حق فنزويلا في اختيار شركائها الاقتصاديين، ومشددًا على سيادتها ورفض فرض الخيارات عليها من الخارج. وهو ما يمكن قراءته بوصفه رفضًا ضمنيًا للعرض الذي سعى ترامب إلى دفع الصين نحوه.
لم تكتفِ الصين بذلك، بل زادت عليه باستهجانها لسياسة فرض الهيمنة بالقوة، وانتهاك سيادة الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، والتجاهل الكامل للقانون الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظماتها.
ثم جاءت قمة منظمة شنغهاي في بيشكيك. القمة التي جمعت قادة الصين وروسيا وإيران وغيرهم لم تكن مجرد حدث روتيني، بل جاءت تأكيدًا لرفض التصرفات الأمريكية المتهورة في الشرق الأوسط والعالم.
إنّ انعقاد قمة منظمة شنغهاي السادسة والعشرين في بيشكيك في الأول من سبتمبر 2026، بمشاركة قادة الصين وروسيا وإيران والهند وباكستان ودول أخرى أعضاء في المنظمة، «المنظمة التي تضم عشر دول، يقطنها حوالي 40% من سكان العالم، وتمتلك نسبة مقدرة من اقتصادات العالم»، قد جاء تأكيدًا لرفض الحرب على إيران بشكل قاطع، والتوجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، فلا بد أن يُثير قلق إدارة ترامب.
إنّ موقف الصين الثابت، الذي أكدته الدبلوماسية الصينية كما أكده دبلوماسيون إيرانيون، والذي عكس إدراكاً بأن إيران ليست مجرد سوق نفطية، بل ركيزة في مشروع صيني طويل الأمد لكسر الاحتكار الغربي: «الحزام والطريق»، وهو ما يجعل أي حل عسكري أمريكي أحادي الجانب يصطدم بحائط من المصالح الدولية المتشابكة.
إنّ مُحاولة الرئيس ترامب الأخيرة لا وصف لها سوى محاولة المستجير من الرمضاء بالنار.
يبدو أن الخلل الجوهري في السياسة الخارجية الأمريكية المستحدثة كان بسبب نهج الرئيس ترامب وسياساته وإصراره على تسويق أهدافه الشخصية للشعب الأمريكي تحت راية «أمريكا أولًا»، ومعالجة قضايا كبرى بأسلوب يغلب عليه الطابع الفردي. ويبقى من غير الواضح كيف تسنى للحزب الجمهوري التضحية بالمثل الأمريكية التي طالما تغنى بها.
ويبقى السؤال مشروعاً: هل يبقى الحزب الجمهوري أسير رؤية رئيسه، أم يُعيد النظر في مغامراته؟.