![]()
تواجه محافظة تعز اليمنية أزمة إنسانية متفاقمة في ظل استمرار الحصار والاشتباكات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله الحوثيين، وسط مطالبات دولية بفك الحصار وفتح الطرق أمام المدنيين.
ويجد أكثر من مليون يمني أنفسهم أمام ظروف معيشية صعبة، مع تراجع الخدمات الأساسية ونقص الغذاء والوقود والأدوية.
وتتفاقم معاناة السكان مع استمرار القصف وسقوط مئات المصابين ونزوح آلاف المدنيين، بالتزامن مع إغلاق الطرق وارتفاع أسعار المواد الغذائية وشح الوقود، وصولًا إلى النقص الوشيك في الأدوية والمستلزمات الطبية.
الحكومة اليمنية تتعهد بفك حصار تعز
وفي مواجهة هذا الوضع، تعهدت الحكومة اليمنية بالعمل على فك الحصار عن تعز، وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الأحداث، بالتزامن مع إعلان قواتها تحقيق تقدم ميداني في المحافظة، وخوض معارك ضارية ضد جماعة أنصار الله الحوثيين على امتداد جبهات القتال ومحيطها.
سياسيًا، تتمسك الحكومة برفض أي وساطة أو تهدئة قبل توقف الهجمات الحوثية، معلنة عزمها العودة إلى صنعاء واستعادة السيطرة على الدولة.
“اتهامات باستخدام أسلحة كيمياوية في تعز”
وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي إن تقارير ميدانية حديثة تحدثت عن تعرض جنود في تعز لحالات اختناق نتيجة غازات يُشتبه بأنها سامة، مشيرًا إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يُثار فيها احتمال استخدام جماعة الحوثي أسلحة كيمياوية ضد المدنيين.
وأضاف، في حديث للتلفزيون العربي من تعز، أنه رغم عدم تسجيل سوابق مؤكدة، فإن فشل الحوثيين في تحقيق تقدم عسكري أمام صمود القوات الحكومية وأهالي المدينة قد يدفعهم إلى استخدام مثل هذه الوسائل لتحقيق مكاسب ميدانية.
وأوضح أن الحكومة اليمنية تعاملت مع هذه الاتهامات بجدية، إذ شكّلت لجنة تحقيق عسكرية، وطالبت بتشكيل لجنة مستقلة للتحقق من الأمر، مؤكدة أن الحوثيين لا يتورعون عن استخدام أي وسيلة لإخضاع تعز، بما في ذلك الحصار الذي يُمارس كعقاب جماعي ضد المدنيين.
وأشار إلى أن جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، هي العامل الرئيس في استمرار استنزاف اليمنيين طوال اثني عشر عامًا، مشيرًا إلى أن محاولات الحوار معها باءت بالفشل لأنها لا تؤمن أصلًا بالعملية السياسية ولا يمكن التعامل معها كحزب سياسي.
وأضاف أن الحكومة الشرعية جرّبت مرارًا التوصل إلى اتفاق سياسي، لكن الجماعة ظلت متمسكة بخيار القوة والانقلاب، معتبرًا أن التسوية السياسية مع طرف كهذا أمر غير واقعي.
وأردف أن الحكومة الشرعية ليست في موقع ضعف، بل تمتلك زمام المبادرة العسكرية، مشددًا على أنها تسعى للحفاظ على حياة المدنيين وتقليل كلفة المعارك على البنية التحتية. وأضاف أن إستراتيجية الحكومة تقوم على تحقيق التقدم الميداني بأقل الخسائر الممكنة، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية في إدارة العمليات العسكرية.
“الحوثيون ينفون اتهامات استخدام الأسلحة الكيمياوية”
في المقابل، نفى الباحث السياسي حسين البخيتي الاتهامات الموجهة لجماعة الحوثي بشأن استخدام أسلحة كيمياوية، واعتبرها “أكاذيب”.
وأوضح، في حديث للتلفزيون العربي من تعز، أن الجماعة لا تمتلك مثل هذه الأسلحة ولا تحتاج إليها، مشيرًا إلى أن ما لديها من قدرات عسكرية مكّنها من تحقيق أهدافها في الحرب، حيث باتت، بحسب قوله، تسيطر على أكثر من 95% من المحافظة، باستثناء جزء من مدينة تعز الذي ما زال تحت سيطرة القوات الحكومية.
وأضاف أن ما يُثار حول الحصار في تعز غير دقيق، مؤكدًا أن الجماعة لا تفرض حصارًا ممنهجًا، وأن السبب الرئيس في عرقلة وصول المواد الغذائية والمساعدات هو القوات التابعة للسعودية التي تستغل هذه المواد، على حد تعبيره.
وحول مسار الأزمة، شدد البخيتي على أن “الحلقة الراهنة هي حلقة تحرير اليمن”، معتبرًا أن أي وساطات لم تعد تُعيرها حكومة صنعاء اهتمامًا، إذ إن التجارب السابقة في الكويت وجنيف وستوكهولم أثبتت، بحسب قوله، أن السعودية هي الطرف الذي يعرقل الاتفاقات، وأكد أن صنعاء وصلت إلى قناعة بأن أي مفاوضات أو وساطات يجب أن تكون مباشرة بينها وبين الرياض.
حصار تعز.. روايات متضاربة ومطالب بتحقيق دولي
من جهته، قال الصحفي المختص بالشأن اليمني أنور العنسي إن جماعة الحوثيين ترفض الاعتراف بأنها تحاصر تعز، وتشكك باستمرار في تقارير المنظمات الدولية وهيئات الإغاثة التي تتناول الأوضاع الإنسانية في المحافظة.
وأضاف العنسي، في حديث إلى التلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أن الروايات الحوثية بشأن الحصار تتكرر رغم شهادات السكان والصور والتقارير التي توثق معاناتهم، معتبرًا أن تجاهل هذه الشهادات لا يغير من واقع الأزمة الإنسانية.
وحول الاتهامات باستخدام أسلحة محرمة، شدد العنسي على أن الأمر خطير ويستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا، مؤكدًا أن رفض هذه الاتهامات أو قبولها دون أدلة أمر غير مقبول.
وأوضح أن ما تقوم به القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في تعز ليس فعلًا ابتدائيًا، بل رد فعل على حصار الحوثيين المستمر منذ عام 2015، والذي اشتد في السنوات الأخيرة بشكل “مخيف وغير معقول”.
وأشار إلى أن القوات الحكومية تدرك كلفة أي عملية عسكرية واسعة لفك الحصار، إذ قد تعرض حياة المدنيين لخطر جسيم، معتبرًا أن الحل الأمثل يتمثل في تراجع الحوثيين عن الحصار وفتح ممرات آمنة لإيصال الغذاء والدواء، والتوقف عن قطع طرق الإمداد وتدمير الجسور والطرق المؤدية إلى عدن وبقية المحافظات.
وربط العنسي استمرار المعارك بوجود أجندات إقليمية، معتبرًا أن هناك أطرافًا مرتبطة بقوى خارجية تسعى إلى تحقيق أهداف في تعز ومنطقة باب المندب، وهو ما يساهم، بحسب رأيه، في إطالة أمد الحرب وتصعيدها.
هل أصبح الحل السياسي ضرورة لإنهاء حرب اليمن؟
وفي قراءة أوسع لمستقبل الصراع، قال مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مروان قبلان إن استمرار الحرب في اليمن لم يعد مقبولًا، بصرف النظر عن الجدل بشأن توصيف ما يجري في تعز بأنه حصار.
وأضاف قبلان، في حديث إلى التلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أن استمرار الصراع طوال أكثر من عقدين، من دون تمكن أي طرف من حسمه لمصلحته، يعكس عبثية الرهان على الحل العسكري وفرض الإرادة على بقية الأطراف.
وشدد على أن الحوثيين، في نهاية المطاف، جزء من المجتمع اليمني، وأن استمرار التعامل مع الأزمة بمنطق المواجهة العسكرية لن يؤدي إلى حل دائم، داعيًا جميع الأطراف إلى الاحتكام إلى العقل والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وعن توقيت إمكانية التوصل إلى تسوية، رأى قبلان أن الأطراف لن تتجه بجدية نحو الحل الدبلوماسي إلا عندما تدرك أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من كلفة وقفها، وأن العمليات العسكرية لم تعد تحقق الأهداف المرجوة.
واعتبر أن تغير موازين القوى على الأرض قد يكون عاملًا أساسيًا في دفع الأطراف إلى التفاوض، موضحًا أن الحوثيين، في ظل ما وصفه بالتقدم العسكري الذي حققوه خلال الأسابيع الأخيرة، لا يشعرون حاليًا بوجود حافز كافٍ لتقديم تنازلات سياسية.
وأضاف أن الوصول إلى تسوية سلمية في ظل الظروف الراهنة يبدو صعبًا، ما دامت الجماعة تعتقد أنها قادرة على حسم المعركة عسكريًا، لكنه شدد على أن التفاوض يبقى المسار الضروري لإنهاء الصراع اليمني.
