![]()
سعدتُ يوم أمس باتصال هاتفي امتدّ لقرابة الساعة. محدّثي دبلوماسي مرموق يمسك بملفات مفتاحية في الدولة. كان الحديث يدور حول الواقعة البشعة التي حلّت بأهلنا المعدِّنين، وللدقة أكثر حول طريقة تناولنا للأمر.
محدّثي المحترم خلط رأيه باللوم والتوضيح فيما ظنّه أننا مارسنا نقدًا سلبيًّا وقاسيًا على السلطات، وحمّلناها أكثر مما يجب، وأنّ طريقة النقد هذه تحريضية أكثر من كونها موضوعية.
مساحات الاحترام بيني وبين الأخ السفير تجعلني أستمع إليه باهتمام وصبر ومودة توثّقت عُراها منذ سنوات… ولكن…
قلتُ له: على العكس تمامًا أخي الكريم، فموقفي من قوات شعبنا المسلحة ومن قيادة البلد، وحتى من الحكومة التي يعتري أداءها الكثير من الملاحظات، هو موقف معروف ومعلوم يُضعفه الشرح والتكرار.
معرفتي باستراتيجية العلاقات السودانية المصرية قلتُ بها في أكثر من منبر. فقد ذكرتُ كثيرًا أننا نُحاط بجغرافيا سياسية ومجتمعية هشة، وبلدان تفتقد إلى (النظام) الذي يعصم الحكومات، وأنّ مصر من دون تلك الجغرافيا دولة مختلفة يمكن التعاطي معها بحُجّية وحيثيات معرفة (النظام) هناك لمخاطر ومكتسبات أمنها القومي، وهو الذي دفعها لتقف موقفًا إيجابيًّا في معركة الكرامة رغم الحصار والضغوط التي تُمارَس عليها. فهي تعترف بقومية الجيش السوداني وشرعية القيادة، وهي منحازة لوحدة السودان، وقد فعلتْ في هذا الاتجاه ما يسهل رصده وتعداده.
كل هذا ليس موضع خلاف، وما من مزايدات بائسة تجعلنا نُكمّ أفواهنا عن هذه الحقائق!
موضوع كتابتنا كان تعبيرًا عن غضبنا الشديد من النازلة التي وقعت على أهلنا المعدِّنين أولًا، ثم نقدًا منتجًا لتعاطي الدولة في كل مستوياتها مع هذه النازلة. قلتُ للسيد السفير: تأخُّر الدولة في تحديد إطار للتعامل مع هذه القضية خلق فراغًا مخيفًا للغاية، سعى الخصوم بسوء نية لملئه والتحرك فيه، وترك الرأي العام السوداني — حتى الداعم للقيادة — يتحرك ليملأ ذلك الفراغ بطريقته هو، وهي ردود أفعال للأسف نالت حتى من القيادة، وخلطت بين ما هو طارئ وما هو استراتيجي. وبالطبع أنت أخي السفير سيّد العارفين أن أسوأ وضع يمكن أن تجد فيه أي دولة نفسها هو أن تكتشف أنها مسبوقة، وأن ما أضاعته في الصمت ستصرف أضعافه لكي تعالج النازلة أولًا ثم تلملم ما ترتّب على الواقعة. وفي أوقات كثيرة يكون ما يترتب على النوازل أسوأ منها بكثير!!
ولهذا كانت كتابتنا صراخًا مشفقًا لكي تتحرك الدولة وتُسجّل حضورًا في الميدان حتى لا يملأه المغرضون والسفلة خُدّام الأجندات!!
قلت له: في مثل هذه الوقائع أول ما تفعله الدولة هو صنع الإطار الذي تدير فيه الأمر، وهو إطار يجعلها تقود شعبها والرأي العام حتى لا تضطر لملاحقته فيما بعد.
طرائق التصدي للنوازل كثيرة.. تبدأ ببثّ الدولة للمعلومات والتحكم فيها منذ الساعة الأولى لتؤكد أنها حاضرة ومنتبهة وفاعلة…
وفي تصوراتي كانت الخطوات تبدأ هكذا: وزارة المعادن وشركة التعدين تبدأ في إنزال المعلومات الفنية مثل تحديد موقع نشاط المعدِّنين، وتُطلق ما بحوزتها من معلومات عن النشاط هناك. بعدها مباشرة تصريح في موقع الخارجية السودانية عن استدعاء السفير المصري لاستفهامه عن الأمر، وخبر في موقع مجلس السيادة عن خط ساخن بين القيادتين في السودان ومصر لإدارة الأزمة. ثم خبر عن مكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء السوداني والمصري، ثم الإعلان عن غرفة طوارئ (وليس لجنة تحقيق) — ولا أدري من الذي يُشير على الأخ رئيس مجلس السيادة بهذا؟ — غرفة طوارئ تضمّ فيما تضمّ الجيش والأمن والشرطة والصحة ووزارة المعادن، وهؤلاء بعد ساعات فقط يبدأون في ضخ معلوماتهم من داخل موقع الحدث عن الضحايا والجرحى وتأمين وضع الناجين وطمأنة أهلهم…
جُماع هذه الخطوات سيُعطي إشارات قوية أن الدولة موجودة وحاضرة في الميدان، وبالتالي لا داعي لأن يترك الجمهور مكانه وينزل إلى الميدان. ثم إن الحكومة بهذا تسيطر على النازلة في حدود جغرافيتها المكانية والزمانية، ومن خلال كمّ المعلومات التي بحوزتها تسيطر على فضاء الرواية، أو كما يحلو للبعض تُسرّع في صناعة السردية (لاحظ كيف تعامل المصريون مع حادثة مقتل السائقين في الخرطوم)!!!
نعم… كل هذا كان سيضاعف الثقة في الدولة ويجعل الشعب مصطفًّا خلف خطواتها التي تتخذها، ولما احتجنا إلى كل هذا النقد.
……..
محبتي