![]()
يدخل العراق مرحلة دقيقة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، بالتزامن مع اقتراب موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي وتصاعد النقاش حول مستقبل الفصائل المسلحة وموقعها ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية الرسمية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة العراقية عن خطوات متقدمة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، تتباين مواقف الفصائل المسلحة بشأن آليات الانتقال وشروطه، وسط مشهد تتداخل فيه اعتبارات السيادة والأمن والتوازنات السياسية والإقليمية.
ولا يقتصر هذا الملف على الجانب الأمني وحده، إذ ترتبط به أسئلة سياسية واقتصادية وإقليمية، من بينها مستقبل العلاقة مع واشنطن، وطبيعة الدور الإيراني، وقدرة بغداد على حماية أراضيها ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وبين لغة الحوار وحسابات القوة، يبدو ملف حصر السلاح جزءًا من معركة أوسع تتعلق بشكل الدولة العراقية وحدود سيادتها ومستقبل قرارها الوطني.
بين حصر السلاح ونزعه.. ماذا تريد بغداد؟
وبشأن سؤال معنى حصر السلاح بيد الدولة، أوضح الباحث في الشأن السياسي محمد الياسري أن هناك مصطلحات متعددة دخلت على المشهد مثل “حصر السلاح”، “نزع السلاح”، و”تسليم السلاح”، ولكل منها دلالات مختلفة في التأثير.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي من بغداد أن الولايات المتحدة كثيرًا ما استخدمت مصطلح “نزع السلاح”، بينما اعتمدت السلطات العراقية على “حصر السلاح”، في حين أن التوصيف الأدق هو “تنظيم السلاح” أو “إدارته”.
وبيّن أن هذا السلاح لم يُستخدم يومًا ضد الدولة العراقية، بل كان عنصرًا أساسيًا في حمايتها، خصوصًا خلال أحداث عام 2014، حيث شكّل دعمًا رئيسيًا للقوات المسلحة. وأكد أن توجيه هذا السلاح كان بالأساس ضد القوات الأميركية، باعتبارها مصنفة كعدو من قبل فصائل المقاومة، وأن استخدامه ضد المصالح الأميركية كان مرتبطًا ببلوغ المعادلة الصفرية في العلاقة بين الطرفين.
وأشار الياسري إلى أن الولايات المتحدة، سواء في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو الآن، سعت إلى فرض علاقة أحادية وصفرية، ما أدى أحيانًا إلى صدام مباشر، في حين لعبت الوساطات الحكومية دورًا في تهدئة الموقف.
ولفت إلى وجود خلاف بين المسارين الأميركي والعراقي؛ فواشنطن تركز على سحب الأسلحة التي تهدد إسرائيل مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بينما الحكومة العراقية تتعامل مع ملف السلاح المتوسط والثقيل الذي بحوزة الفصائل.
وأوضح أن بعض الفصائل لجأت إلى فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتسليم سلاحها ضمنيًا للدولة، وهو ما يُعرف بمسار “حصر السلاح” أو “تنظيمه”. وأضاف أن هذه الخطوة جاءت بدافع حماية النظام السياسي من العقوبات الدولية وضمان استمرار تدفق الدولار إلى العراق، لتجنب هزات اقتصادية وسياسية.
وختم بالإشارة إلى أن القوى السياسية الأخرى وضعت ثلاثة شروط أساسية للقبول بهذا المسار: خروج القوات الأميركية بحلول 30 أيلول/سبتمبر، انسحاب القوات التركية، وحل ملف سلاح البيشمركة.
“حصر السلاح جزء من استكمال السيادة”
من جهته، أكد المتحدث باسم تحالف النصر ضمن قوى الإطار التنسيقي، سلام الزبيدي، أن ملف حصر السلاح يمثل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة العراقية، وهو ليس مجرد عنوان عابر، بل مرحلة جديدة نحو استكمال سيادة العراق وتوحيد القرار السياسي والأمني واستعادة قوة الدولة.
وأوضح أن بعض الأطراف تحاول تصوير الأمر وكأن الحكومة في مواجهة مع الفصائل المسلحة، فيما تركز وسائل الإعلام على سلاح الفصائل وحده وكأنه خارج نطاق الدولة، رغم أن جزءًا من هذا السلاح موجود أيضًا لدى بعض العشائر. وأضاف أن سلاح الفصائل لم يُستخدم ضد الدولة أو الشعب العراقي، ما يجعله ملفًا يحتاج إلى حوار لا إلى صدام.
وأشار الزبيدي إلى أن الحكومة أعلنت بوضوح ضرورة فك ارتباط الفصائل بالكيانات الحزبية أو السياسية وأجنحتها العسكرية، بحيث يُحصر السلاح تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، مع إمكانية إجراء تغييرات أو تدوير في القيادات ضمن سياق تنظيمي طبيعي.
وشدد على أنه لا توجد دولة في العالم تسمح بوجود فصائل خارج نطاقها تفرض شروطًا عليها، فالدولة كيان مؤسسي وليست شخصًا بعينه، وأي شروط تُفرض خارج هذا الإطار تُعد خرقًا للدستور والقانون والسيادة الوطنية.
وختم بالتأكيد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل هذا الملف، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء علي الزبيدي طمأن الجميع خلال “حوار بغداد” بأن الحكومة لن تلجأ إلى المواجهة مع الفصائل، لأنها جزء من الشعب وقدمت تضحيات، بل يجب أن تنخرط ضمن مؤسسات الدولة وفق السياقات القانونية والسياسية المعمول بها.
الدستور العراقي.. المرجعية في ملف السلاح
من جانبها، شددت الباحثة في الشأن السياسي الدكتورة هند العميد على أن الدستور العراقي يبقى المرجعية الأساسية عند حدوث أي التباس أو تشويش سياسي. وأوضحت أن الدستور كان واضحًا جدًا في هذه النقطة، إذ نصّ على أن القوات المسلحة تخضع للسلطة المدنية والسياسية والأمنية، وأن إنشاءها وإدارتها من الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية وفق المادة 110.
وأضافت أن هذا النص الدستوري يزيل أي خلاف أو عائق أمام تسليم السلاح من قبل الفصائل أو العشائر إلى الدولة بشكل سلمي، مؤكدة أن التعاون مع الحكومة العراقية يجب أن يكون بعيدًا عن الشخصنة، وأن الفصائل مطالبة بالاندماج في مؤسسات الدولة بروح إيجابية.
وفي ما يتعلق باشتراطات بعض القوى المسلحة، رأت العميد أن هذه الاشتراطات ليست سوى عراقيل مفتعلة من جهات غير منضوية تحت عباءة الحكومة، تهدف إلى تعطيل الاتفاق السريع بين الدولة والفصائل. وأشارت إلى أن هذا التعطيل يخلق فجوة زمنية بين الحل النهائي والمشهد الآني، في وقت يشهد فيه العراق والمنطقة ضغوطًا سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة.
وأكدت أن العراق بحاجة إلى وضع النقاط على الحروف أمنيًا لمواجهة التحديات على حدوده، وأن أي تنازل يجب أن يأتي من الأطراف المسلحة لصالح الدولة، باعتبار أن الحكومة هي الكيان الأعلى والمرجعية النهائية.
وختمت بالقول إن هذه العراقيل تساهم في خلق مسافة وحواجز بين الحكومة والفصائل المسلحة، ما يعرقل مسار الحل ويؤخر استعادة السيادة الكاملة.
