![]()
يقف العراق أمام استحقاق حصر السلاح بيد الدولة، في ظل ضغوط أميركية متعددة الأوجه، وتعقيدات إقليمية مرتبطة بالفصائل المسلحة، وتحديات أمنية متصلة بانسحاب قوات التحالف من البلاد.
فالدولة عادة ما تدخل في دوامة من الأزمات عندما تتراخى قبضتها على احتكار العنف الشرعي أو القوة المشروعة، فتتعدد الأقطاب المسلحة، بما يمنحها مساحة لفرض خياراتها وأجنداتها على الحكومة. وغالبًا ما تكون هذه الأجندات مرتبطة بعوامل خارجية، وهو ما يُعد من أبرز التحديات التي واجهها العراق بعد أكثر من 13 عامًا على الغزو الأميركي وما أعقبه من تطورات.
ومن هذا المنطلق، جاءت حكومة علي الزيدي بعد مخاض عسير، لترفع شعار حصر السلاح بيد الدولة، في محاولة لتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وضبط القرار الأمني.
ويتصدر مشروع حصر السلاح أجندة الحكومة العراقية، في ظل ضغط أميركي متعدد الأوجه، اقتصاديًا وسياسيًا، يضع بغداد أمام استحقاق التعامل مع ملف الفصائل المسلحة ودورها في المشهد الأمني والسياسي.
ويتوجه الزيدي إلى نيويورك الأسبوع المقبل، ومن المرجح أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما يدور الحديث في بغداد حول ما قد يُسأل عنه الزيدي بشأن ملف حصر السلاح إذا جرى اللقاء، وبماذا سيجيب الرئيس الأميركي؟
“الحكومة العراقية أمام اختبار 30 سبتمبر”
وفي هذا الإطار، قال الخبير الأمني والإستراتيجي سيف رعد إن حكومة بغداد تدرك تمامًا خطورة المرحلة الراهنة، في ظل التداعيات الدولية والحرب المستمرة، وما يرافقها من مناوشات يومية بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى امتدادات الصراع وصولًا إلى الحوثيين في اليمن وجنوب لبنان.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من بغداد، أوضح أن الحكومة العراقية تعتمد سياسة دبلوماسية مرنة، قدمت من خلالها التزامات واضحة، حيث أعلن رئيس الوزراء خلال لقائه بالرئيس الأميركي في البيت الأبيض أن يوم 30 سبتمبر سيكون موعدًا لمغادرة التحالف الدولي، وأنه لن يُسمح بوجود سلاح خارج إطار الدولة بعد هذا التاريخ.
وأشار رعد إلى أن تراجع بعض التصريحات جاء نتيجة ضغوط وتحديات متشابكة، ليس فقط على مستوى الصراع الدولي والإقليمي، بل أيضًا بسبب ظهور مجموعات مرتبطة بشكل مباشر بالحرس الثوري الإيراني، تعمل بقيادات غير عراقية، بينها شخصيات حوثية ولبنانية وإيرانية، حسب قوله.
وأضاف أن الحكومة تواجه مأزقًا في محاولة فرز الفصائل، فهناك من بدأ بالفعل بالانضواء تحت مظلة الدولة مثل “سرايا السلام” و”كتائب الإمام علي”، فيما تنتظر فصائل أخرى موعد انسحاب القوات الأميركية لاستكمال الحوار معها.
لكن الخطر الأكبر، بحسب رعد، يكمن في الفصائل التي أعلنت ولاءها للنظام الإيراني، إضافة إلى مجموعات الخاصة التي أنشأها الحرس الثوري مؤخرًا ضمن إستراتيجية جديدة، بعد أن لمس ابتعاد بعض الفصائل عن المشاركة في الحرب خلال الأربعين يومًا الماضية، فعمل على تشكيل خلايا بقيادات أجنبية لتعويض هذا الفراغ.
هل ينتهي مبرر السلاح بانسحاب القوات الأميركية؟
من جانبه، قال الباحث السياسي حسين الكناني إن الادعاء بوجود مجاميع تابعة لأنصار الله تعمل داخل العراق يحتاج إلى أدلة ملموسة، مستبعدًا بشكل قاطع وجود مثل هذه المجموعات. وأوضح أن بعض الشخصيات اليمنية زارت العراق بشكل رسمي والتقت بمسؤولين وشخصيات سياسية معروفة، لكن ذلك لا يعني وجود تنظيمات عسكرية تابعة لهم.
وأضاف أن الحديث عن مجاميع منفردة يحتاج أيضًا إلى إثبات، مشيرًا إلى أن إيران كانت أكثر وضوحًا في هذه الحرب ونفذت عملياتها العسكرية بشكل مباشر، وبالتالي لا تحتاج إلى إنشاء مجموعات صغيرة محدودة العدد تستخدم أسلحة متواضعة تقنيًا.
واعتبر أن هذه الطروحات تأتي في سياق خلط الأوراق ومحاولة تجريم فصائل المقاومة، التي ما زالت ترى أن بقاء السلاح ضروري ما دام الوجود الأميركي قائمًا في العراق ويؤثر على القرار السياسي والاقتصادي.
وعن سؤال ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة في 30 سبتمبر سيُسقط ذريعة هذه الفصائل بامتلاك السلاح، قال الكناني إنه لا يتوقع تحررًا كاملًا من النفوذ الأميركي، إذ ما زالت هناك محاذير أمنية في مناطق عدة. وأكد أن انسحاب التحالف الدولي لا يعني بالضرورة تسليم السلاح، فالفصائل ترى أن تنظيمه يحتاج إلى وقت وآلية متفق عليها.
وأشار إلى أن هناك رؤية مشتركة تقريبًا بين فصائل المقاومة وقادة الإطار التنسيقي والحكومة، تقوم على البحث عن صيغة توافقية بعد هذا التاريخ، وهو ما عبّرت عنه تصريحات مسؤولين عراقيين بأن المهلة لا ترتبط مباشرة بملف حصر السلاح، بل تحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى اتفاق شامل.
من نزع السلاح إلى تنظيمه
من جهته، قال الباحث العراقي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حارث حسن، إن بعض الفصائل وضعت شروطًا تتجاوز مسألة انسحاب القوات الأميركية من العراق، لتشمل خروج القوات التركية وتحقيق السيادة الجوية الكاملة.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من استوديوهات لوسيل، أوضح أن هذه الفصائل ترفع شعار استعادة سيادة العراق، لكن الهدف العملي هو ربط القرار العراقي بالأولويات الإستراتيجية الإيرانية. وأضاف أن تقليص النفوذ الأميركي يعني منح إيران وحلفائها فرصة أكبر لترسيخ سلطتهم داخل البلاد.
وأشار حسن إلى أن الإستراتيجية العامة تقوم على المماطلة، لافتًا إلى أن الإطار التنسيقي يتبع نهجًا يقوم على مسايرة الرئيس الأميركي حتى انتهاء ولايته. وأوضح أن الإطار يبحث عن صيغ تخريجية في ملف السلاح، حيث بدأ الحديث أولًا عن “نزع السلاح”، ثم تحول إلى “حصر السلاح”، وأخيرًا إلى “تنظيم السلاح”.
وبيّن أن المفاوضات الجارية تتركز على تعريف هذه المصطلحات، في محاولة للوصول إلى صيغة تُرضي الفصائل من دون أن تمس عناصر قوتها، وفي الوقت نفسه تُسوَّق للجانب الأميركي باعتبارها خطوة جادة نحو ضبط السلاح.
ما الفرق بين تسليم السلاح وحصره وتنظيمه؟
بدوره، قال أحمد عدنان، عضو حركة “صادقون”، إن من الضروري التمييز بين مصطلحات “تسليم السلاح”، “نزع السلاح”، “حصر السلاح”، و”تنظيم السلاح”، مؤكدًا أن جوهر المشكلة لا يكمن في المصطلح ذاته، بل في الحاجة إلى تعريف واضح لما يجري.
وأوضح أن الخلاف ليس على المفهوم من حيث الشكل أو المضمون، فالفصائل المقاومة تشكّلت في ظروف استثنائية مرّ بها العراق بعد الاحتلال الأميركي، ثم مواجهة تنظيم القاعدة ولاحقًا تنظيم الدولة، حيث كان السلاح وسيلة أساسية للدفاع والمقاومة.
وأضاف أن الحكومة والإطار التنسيقي، باعتباره المرجعية السياسية، يتفقان اليوم على ضرورة تنظيم هذا السلاح بما يتناسب مع المرحلة الراهنة والمستقبلية، لضمان استقرار الدولة ومؤسساتها. وأكد أن القناعة باتت راسخة بأن السلاح لا يجب أن يبقى بيد فصائل بعينها، بل أن يكون تحت سلطة الدولة، وبأمر القائد العام للقوات المسلحة.
وأشار إلى أن هذا التوجه ينسف مفهوم “تسليم السلاح”، لأن المقصود ليس تسليمه إلى جهة أخرى، بل وضعه حصريًا بيد مؤسسات الدولة.
ولفت إلى أن إحدى أهم هذه المؤسسات هي هيئة الحشد الشعبي، التي شُرعت بقانون عام 2016 وتعمل بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، مبينًا أن تعزيزها بالسلاح والمقاتلين مع فك الارتباط الكامل هو المسار الذي أكدت عليه الحكومة.
