![]()
قديماً، ارتبطت المشّاطة في الموروث السوداني بحكايات النساء وأسرار البيوت، باعتبارها المرأة التي تتولى تمشيط الشعر وتزيين العرائس، وتتنقل بحكم عملها بين البيوت، فتسمع الكثير من الأخبار والحكايات التي تدور خلف الأبواب المغلقة.
ومن هنا، ارتبط اسم المشّاطة بنقل أخبار النسوة وأسرار البيوت، حتى أصبح كل من ينقل خبراً أو يتداول حديثاً لا يعنيه، يُوصف بأنه «مشّاطة»، وأصبح هذا الوصف نعتاً ثقيلاً واتهاماً لا يخلو من التجريح.
لكن، يا ترى، هل أنصفت الحكايات القديمة المشّاطة؟ أم أننا ظلمنا مهنة ارتبطت بالزينة والجمال، وحمّلناها مسؤولية نقل الأسرار والأخبار؟
المفارقة أن مشّاطات الألفية الجديدة لم يعدن بحاجة إلى مشط أو حقيبة أدوات، ولا إلى التنقل بين البيوت!
فقد ظهرت فئة جديدة تمارس نقل الأخبار بلا مهنية، ولا أخلاق، ولا حتى الحد الأدنى من التثبت، بل تضيف إلى الخبر من عندها، وتخلط الحقيقة بالإشاعة، وتزيد الحكاية بهارات حتى تصبح رواية أخرى لا علاقة لها بالأصل.
والأخطر أن بعض هؤلاء لا يكتفون بنقل الأخبار، بل يتعمدون صناعة الأكاذيب، وتضخيم الوقائع، والتشهير بالناس، وكأنهم يمتلكون صكوكاً للحكم على الآخرين، أو محاكم مفتوحة على منصات التواصل الاجتماعي.
إنهم، في تقديري، لا يقلون خطراً عن شاهدي الزور في المحاكم؛ فالكلمة حين تُقال بغير حق، قد تهدم سمعة إنسان، وتزرع الفتنة بين الأسر والمجتمعات، وتترك جروحاً يصعب علاجها.
ولعل أخطر ما في الأمر أن «الاسافير» امتلأت بهذه الفئة، التي تتناقل الأخبار وتعيد تدويرها، دون أن تسأل عن صحتها، أو تدرك حجم الأذى الذي يمكن أن تسببه.
أصبحت بعض المنصات وكأنها مجالس نميمة مفتوحة،)البث المباشر والتشهير التي اضحت لا ضوابط فيها ولا مسؤولية، وكل من امتلك هاتفاً ظن أنه أصبح صحفياً، وكل من سمع حكاية اعتقد أنه يملك حق نشرها.
والصحافة بريئة من هؤلاء، كما أن المشّاطة القديمة بريئة من كل ما أُلصق بها من اتهامات!
فالمهنية ليست في سرعة نقل الخبر، ولا في كثرة المتابعين، ولا في القدرة على إشعال الجدل، وإنما في التثبت، واحترام الخصوصية، والتمييز بين الحقيقة والإشاعة، وإدراك أن الكلمة أمانة قبل أن تكون وسيلة للانتشار.
أما حكايات زمان، فقد كانت تُروى في مجالس النساء، وتنتهي بانتهاء المجلس، لكن حكايات اليوم تُنشر على الملأ، وتبقى آثارها في ذاكرة الناس، وربما تتحول إلى اتهامات لا يمحوها اعتذار.
رحم الله مشّاطة زمان، فقد ظلمناها حين جعلناها عنواناً لكل ناقل خبر، بينما مشّاطات اليوم أصبحن يحملن الأخبار في هواتفهن، ويصففن الأكاذيب كما يُصفف الشعر، ويتركن المجتمع في حيرة بين الحقيقة والافتراء!
#عمر_المونة