حكومة الأمل: شعارات لا تطابق الواقع حين تغيب الدولة ويحضر الخوف

حكومة الأمل: شعارات لا تطابق الواقع حين تغيب الدولة ويحضر الخوف

Loading

في حكايات الأجداد مواقف تختصر معاني الضمير والمسؤولية. ومن بينها قصة جدي الذي استرد حماره بعد أن باعه، لا لأنه احتاج إليه أو ندم على الصفقة، بل لأنه رآه عطشانًا ومقيدًا تحت هجير الشمس، عاجزًا عن الوصول إلى الماء أو الظل.

كان يعلم أن الحمار أصبح ملكًا لرجل آخر، وأن البيع أنهى مسؤوليته القانونية عنه، لكنه أدرك أن المسألة تجاوزت الملكية إلى واجب أخلاقي: هل يمر الإنسان أمام الألم لمجرد أنه لا يقع تحت مسؤوليته المباشرة، أم يتدخل حين يملك القدرة على تخفيفه؟

لذلك استرده ودفع ثمنه من جديد، رافضًا أن يكون شاهدًا صامتًا على العذاب. فقد فهم أن انتقال المسؤولية القانونية لا يلغي واجب الرحمة.

من الرفق بالحيوان إلى أمن المواطن

تضع الحكاية أمامنا سؤالًا يتجاوز الرفق بالحيوان: ماذا يفعل القادر حين يرى من يتألم؟ وهل تكفي الحدود القانونية لتبرير عدم التدخل؟

إذا كان جدي قد رأى أن امتلاكه السابق للحمار لا يعفيه من إنقاذه، فإن الدولة، بما تملكه من سلطة وموارد ومؤسسات، أولى بأن تتعامل مع معاناة مواطنيها باعتبارها مسؤولية أصيلة.

لكن ما يسمى «حكومة الأمل» يظل، في كثير من الأحيان، شعارًا لا يطابق الواقع. فحين تغيب الدولة، لا يواجه المواطن أزمة معيشية فحسب، بل يعيش الخوف وانعدام الأمان. فالجوع والمرض والبطالة والفقر، إلى جانب الجريمة والابتزاز والاحتجاز التعسفي، كلها قضايا تمس أمن الإنسان وكرامته.

وحين لا يجد المواطن جهة تحميه، أو قانونًا ينصفه، أو مؤسسة تستمع إليه، يصبح الحديث عن الأمل منفصلًا عن الواقع. فالأمل الحقيقي يُقاس بما يلمسه الناس في أمنهم ومعيشتهم وحقوقهم، لا بما يسمعونه في الخطب.

حين يصبح غياب الأمن أسلوب حياة

الأمن ليس دوريات وبيانات بعد وقوع الكارثة، بل شعور مستمر بأن حياة الإنسان مصونة وكرامته محفوظة، وأن القانون يقف إلى جانبه.

فمن يخشى على أسرته من الجريمة، أو يفقد عمله، أو يعجز عن العلاج، أو لا يجد قوت يومه، يعيش انعدام الأمان حتى في غياب العنف المباشر. لذلك يشمل الأمن الغذاء والصحة والعمل والعدالة، لا الحماية من السلاح وحدها.

وحين تتراجع الخدمات وتنتشر البطالة وتضعف المؤسسات، يصبح الناس أكثر عرضة للاستغلال والجريمة والجماعات المسلحة، ويتحول غياب الأمل إلى أحد أسباب الفوضى. أما حكومة الأمل الحقيقية فتُبنى على مؤسسات تحمي الناس وتقدم نتائج ملموسة، لا على وعود تزيد الفجوة بين الدولة والمواطن.

حكومة الأمل تبدأ من الإنسان

تبدأ مسؤولية الدولة بالاعتراف بمعاناة المواطنين، لكنها لا تكتمل إلا ببرامج قابلة للتنفيذ وحقوق يمكن الوصول إليها ومؤسسات تُحاسب على نتائجها. ومن أهم الخطوات العملية:

حماية اجتماعية شاملة

إنشاء نظام وطني لدعم الأسر الأشد احتياجًا، وتوفير الغذاء للأطفال والحوامل وكبار السن، وتقديم الوجبات المدرسية في المناطق الفقيرة. كما ينبغي وضع حد أدنى عادل للأجور، وإطلاق برامج تشغيل مؤقتة، وإعفاء الفقراء من رسوم الوثائق الأساسية. فمن يعجز عن الطعام أو الإيجار أو تعليم أبنائه يحتاج إلى حماية عاجلة، لا إلى وعود بعيدة.

رعاية صحية عادلة

يتطلب الأمن الصحي تأمينًا شاملًا، ومراكز رعاية أولية في المناطق المحرومة، وأدوية أساسية مجانية أو مدعومة لمرضى الأمراض المزمنة، وصندوقًا للطوارئ الطبية. كما يجب تنظيم أسعار الأدوية، ومكافحة الاحتكار، وتوفير خدمات الصحة النفسية وإعادة التأهيل. فالمريض الذي لا يجد علاجًا يواجه غيابًا مؤلمًا للدولة، لا أزمة صحية فقط.

أمن يحمي الحقوق

لا تكتمل الحماية الاجتماعية والصحية من دون قانون عادل يمنع الاعتداء والابتزاز والاحتجاز التعسفي، ويضمن حق الشكوى والوصول إلى القضاء. ويجب تعزيز حضور الشرطة والخدمات العامة، وحماية الفئات الأضعف، ومكافحة السلاح والجريمة، وتدريب الأجهزة الأمنية على احترام حقوق الإنسان. فالمواطن يريد دولة تحميه، لا دولة تخيفه.

فرص تمنع انتقال الفقر والخوف

تحتاج الحماية المؤقتة إلى تعليم جيد، ومنح للطلاب المحتاجين، وتدريب مهني، ودعم للمشروعات الصغيرة، وحماية الأطفال من العمل والاستغلال. فتوفير العمل ليس سياسة اقتصادية فقط، بل وسيلة للحد من الاستغلال والجريمة. والشاب الذي يجد فرصة كريمة، والأسرة التي تملك دخلًا ثابتًا، أقل عرضة للخوف والانحراف.

السلطة أمانة لا امتياز

إذا عجز فرد عن تجاهل حيوان عطشان، فكيف يتجاهل حاكم مواطنين يواجهون الفقر والمرض والبطالة والخوف؟

اتساع صلاحيات الدولة يضاعف مسؤوليتها. فالحاكم ليس مالكًا لشعبه، والسلطة أمانة، والمواطن ليس رقمًا انتخابيًا. ولا تُقاس المسؤولية بالخطب، بل بما تقدمه المؤسسات من حماية وخدمات وعدالة.

الحاكم المسؤول يضمن الغذاء والدواء والتعليم والعمل والأمن. أما تكرار الوعود وتشكيل اللجان والاكتفاء بالتعاطف، فيشبه رؤية العطش دون تقديم الماء. فالرحمة التي لا تتحول إلى قرار أو خدمة أو حماية تظل ناقصة، والأمل الذي لا يصبح عملًا يتحول إلى عبء جديد على المواطن.

الخاتمة

استرد جدي حماره لأنه رفض أن يرى كائنًا يتعذب ثم يتذرع بأن الأمر لم يعد يعنيه. وتكشف الحكاية الفرق بين التعاطف والمسؤولية: فالتعاطف يصف الألم، أما المسؤولية فتتدخل لتخفيفه ومنع تكراره.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة. فالدولة التي ترى مواطنيها يتألمون ثم تبرر عجزها تشبه من يرى حمارًا عطشانًا ويقول: لم يعد ملكي. أما الدولة التي تحول سلطاتها ومواردها إلى حماية وحقوق، فهي التي تؤدي الأمانة وتستحق الثقة.

حكومة الأمل ليست اسمًا أو شعارًا، بل واقع يلمسه المواطن في أمنه وخدماته وكرامته وقدرته على تأمين مستقبل أسرته. ولا تبرر السلطة وجودها إلا حين تحمي من لا يستطيع حماية نفسه.