![]()
بعد 20 عامًا على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، تتشكل للمرة الأولى ملامح تحالفات سياسية جديدة تعيد خلط أوراق المشهد الفلسطيني، مع دخول حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى على خط المنافسة.
وتحمل هذه التحالفات مفاجآت سياسية، أبرزها التقارب بين حماس والتيار الإصلاحي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان، في وقت تعيش فيه الساحة الفلسطينية مرحلة شديدة الحساسية، على وقع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة وتصاعد التحديات في الضفة الغربية والقدس.
فهل تكون انتخابات الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني محطة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء الانقسام، أم أن الخلافات السياسية والقانونية وموقف الاحتلال قد تعيد الانتخابات إلى مربع التأجيل؟
تحالف يضم حماس والجهاد ودحلان
كشفت مصادر فلسطينية للتلفزيون العربي أن قوى فلسطينية توافقت على تشكيل تحالف لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في الثامن من نوفمبر/ تشرين الثاني.
وأفادت المصادر بأن التحالف سيضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وألوية الناصر صلاح الدين، والتيار الإصلاحي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان، بالإضافة إلى ناصر القدوة، فيما ستقدم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ردها بشأن الانضمام إلى التحالف الأسبوع المقبل.
وجاء هذا التطور بعد ثلاثة أيام من إعلان حركة حماس أن وفدها إلى القاهرة، برئاسة رئيس مكتبها السياسي خليل الحية، التقى وفدًا من التيار الإصلاحي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان، ضمن لقاءات مع فصائل فلسطينية أخرى.
وقالت حماس إن اللقاء بحث عددًا من الملفات، من بينها ترتيب البيت الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية، وإنهاء حالة التفرد بالقرار الوطني، وصياغة استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التحديات الراهنة والنهوض بالقضية الفلسطينية.
تقارب غير مسبوق بين حماس ودحلان
ويبدو التحالف بين حماس والجهاد الإسلامي وألوية الناصر صلاح الدين مفهومًا، في ظل وجود الفصائل الثلاثة في قطاع غزة وانضوائها تحت لواء ما تعرف بـ”الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية”، التي خاضت معارك عدة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
لكن المفاجأة الأبرز تتمثل في التقارب بين هذه الفصائل والتيار الإصلاحي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان، بالنظر إلى التراكمات التي أعقبت أحداث الاقتتال الداخلي في قطاع غزة عام 2007، والتي انتهت حينها بسيطرة حماس على القطاع وخروج دحلان منه.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أعلن في التاسع من يوليو/ تموز الماضي إجراء الانتخابات التشريعية في الثامن من نوفمبر المقبل، على أن تليها الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من عام 2027.
وإذا أُجريت الانتخابات التشريعية في موعدها، فستكون الأولى من نوعها منذ 20 عامًا، فيما لم تقتصر المفاجآت على إعلان حركتي حماس والجهاد الإسلامي رغبتهما في المشاركة، إذ تشير معلومات إلى أن قوى وتيارات أخرى تستعد لخوض المنافسة.
ولا تزال القوائم الانتخابية والتحالفات في طور التبلور، ما يعني أن الخريطة النهائية للمنافسة لن تتضح قبل إغلاق باب الترشح.
هل تُجرى الانتخابات في موعدها؟
ويأتي هذا التحول في توقيت بالغ الحساسية، في ظل التطورات المتسارعة في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب ظروف إقليمية ودولية معقدة تنعكس على الساحة الفلسطينية.
وتطرح الانتخابات المرتقبة جملة من الأسئلة، أبرزها:
هل تُجرى في موعدها المحدد أم تواجه التأجيل مجددًا، كما حدث عام 2021؟ وما موقف الاحتلال الإسرائيلي منها؟ وهل سيسمح بتنظيمها في القدس الشرقية؟
وتتصل بذلك تفاصيل فنية وتنظيمية وقانونية للعملية الانتخابية، ولا سيما في ظل اعتراض عدد من الفصائل الفلسطينية على التعديلات التي أدخلها الرئيس محمود عباس على قانون الانتخابات العامة.
ويأتي في مقدمة هذه الاعتراضات إبقاء الشرط المتعلق بالتزام القوائم المترشحة بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما ترى فيه بعض الفصائل إلزامًا لها بمسار سياسي محدد يتعارض مع سياساتها وتوجهاتها.
وفي هذا الإطار، يقول مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات الدكتور هاني المصري إن التحالف الانتخابي الذي يضم حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان وقوى فلسطينية أخرى لم يتشكل بصورة مفاجئة، بل تعود بداياته إلى سنوات، وتحديدًا إلى تشكيل لجنة للتكافل الاجتماعي شاركت فيها هذه الأطراف وشخصيات وطنية.
ويوضح المصري، في حديث إلى التلفزيون العربي من رام الله، أن اللجنة تشكلت لمعالجة الإشكالات الناجمة عن ضحايا الاقتتال الفلسطيني، والحيلولة دون استخدام دمائهم للثأر والاقتتال والإضرار بالسلم الأهلي.
ويضيف أن التعاون بين هذه الأطراف تطور بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، عندما قدم التيار الإصلاحي مساعدات إلى قطاع غزة، مباشرة أو عبر المساعدات الإماراتية، بهدف التخفيف من آثار الحرب ومعاناة السكان.
ويشير إلى أن التعاون توسع من خلال لقاءات عدة عُقدت في القاهرة لبحث سبل التعامل مع الحرب في غزة، وتُوّج، وفق قوله، بالدور الذي لعبه التيار الإصلاحي ومحمد دحلان تحديدًا في التوصل إلى الاتفاق الأخير بشأن تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ويقول المصري إن التيار الإصلاحي وجد نفسه لاحقًا في وضع أكثر استقلالًا بعد انعقاد مؤتمر حركة فتح من دون التوصل إلى توحيد صفوفها، مشيرًا إلى أن معلومات تفيد بأن القيادة الفلسطينية حاولت التواصل مع التيار بعد المؤتمر، لكنه رفض هذه الاتصالات.
“تأجيل الانتخابات مرجح”
ورجح المصري تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن هناك طرحًا لتأجيلها حتى مارس/ آذار المقبل، بذريعة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن، إلى جانب طرح قانون جديد للأحزاب.
ويوضح أن السبب الأهم وراء احتمال التأجيل هو معارضة إسرائيل لإجراء الانتخابات، معتبرًا أن إسرائيل لا تريد مجلسًا تشريعيًا يوحد الضفة الغربية وقطاع غزة ويجسد هوية وطنية فلسطينية ويبقي قضية الدولة الفلسطينية مطروحة.
ويضيف أن إسرائيل، التي تسيطر عسكريًا على قطاع غزة، قادرة على تعطيل الانتخابات بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويشير المصري إلى أن الإدارة الأميركية لم توافق حتى الآن على إجراء الانتخابات، وقال إنها أرسلت رسائل مباشرة إلى السلطة الفلسطينية، وعبر المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط مارتن إنديك، مفادها أنها لا تريد إجراء الانتخابات في الوقت الراهن، في ظل رفض مشاركة حماس قبل نزع سلاحها.
ويرى أن مشاركة حماس في انتخابات تفضي إلى تشكيل مجلس تشريعي قد تخلق، وفق تقديره، ازدواجية في المرجعية والخلفية والشرعية مع مجلس السلام.
قيود محتملة على مشاركة الفصائل
ويقول المصري إن قانون الأحزاب مطروح مجددًا، وقد يتضمن بنودًا وقيودًا جديدة على الترشح، من بينها منع أي فصيل أو حزب سياسي يمتلك جناحًا عسكريًا من المشاركة في الانتخابات.
ويشير إلى أن هذا الشرط يمكن، نظريًا، تجاوزه عبر تشكيل أحزاب سياسية، مستشهدًا بحركة حماس التي سبق أن شكلت في تسعينيات القرن الماضي حزب “الخلاص الوطني”، ويمكنها العودة إليه للمشاركة في الانتخابات في حال إقرار مثل هذا الشرط.
ويضيف أن القيادة الفلسطينية افترضت عند الدعوة إلى الانتخابات أنها ستفوز بها، لكن مؤشرات عديدة ظهرت منذ ذلك الحين تشير إلى احتمال خسارتها، معتبرًا أن تشكيل تحالف يضم القوى المذكورة يزيد من فرص خسارة القائمة الرسمية لحركة فتح.
وعزا ذلك إلى عدة عوامل، من بينها عدم دفع السلطة الفلسطينية الرواتب كاملة، وفشل مشروعها السياسي، إلى جانب حالة الصراع داخل حركة فتح بعد المؤتمر، ووجود عدد كبير من الغاضبين والمقصيين.
كيف ستتعامل السلطة مع التحالف؟
وحول كيفية تعامل الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الرسمية لحركة فتح مع هذا التكتل في حال وصوله إلى الانتخابات، يقول المصري إن الرئيس والسلطة “سيفعلان كل ما يستطيعان لمنع هذا التحالف”، معتبرًا أن تشكيله يمنحه فرصًا كبيرة للفوز.
ويضيف أن القرار الانتخابي والقوانين اتُخذا بصورة منفردة من جانب الرئيس، معتبرًا أن هذه السياسات أسهمت في الوصول إلى الوضع الحالي.
وربط المصري ذلك بعدم توحيد حركة فتح، وعدم تحقيق الوحدة الفلسطينية، وعدم تطبيق إعلان بكين والاتفاقات السابقة، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تشكيل المشهد الانتخابي الراهن.
وفي ما يتعلق بتأجيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قرارها بشأن الانضمام إلى التحالف حتى الأسبوع المقبل، يقول المصري إن الجبهة، بوصفها تنظيمًا يساريًا، تحرص على إبراز استقلالها السياسي والانتخابي.
لكنه رجح مشاركتها في حال مضي التحالف قدمًا، معتبرًا أن الانضمام إليه قد يمنحها فرصة أفضل في الانتخابات، خصوصًا في ظل تعرضها لملاحقة إسرائيلية واسعة في الضفة الغربية، ما قد يجعل التحالف بمثابة مظلة مناسبة لخوض الانتخابات.
