![]()
برحيل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، لا يغيب رجل دولة فحسب، وإنما يقدم التاريخ تجربة عربية استثنائية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الاستقطاب السياسي، وأن تُدرس باعتبارها نموذجاً في كيفية صناعة النفوذ، وإدارة انتقال السلطة، وتغيير قواعد اللعبة السياسية.
ليست قيمة التجارب في أن يتفق الناس مع كل تفاصيلها، وإنما في قدرتها على كسر المألوف وفتح آفاق جديدة للتفكير. وهذا ما فعله الأمير الراحل في أكثر من محطة مفصلية.
فقد كان قراره بالتنازل طواعية عن الحكم، وهو في كامل حضوره الذهني والسياسي، حدثاً غير مسبوق في البيئة العربية. فقد اختار أن يشهد بنفسه انتقال السلطة، وأن يرافق الجيل الجديد بالنصح والخبرة، بدلاً من أن يترك الدولة تواجه اختباراً صعباً بعد غيابه. فجرى انتقال الحكم بسلاسة، بما يؤكد أن قوة الدولة تُبنى بقوة المؤسسات وبحسن الإعداد للمستقبل، لا بالأشخاص وحدهم.
كذلك لم يكن اختيار الأمير الجديد قائماً على معيار الأكبر سناً، بل على رؤية من هو الأصلح لتحمل المسؤولية، دون أن يحدث ذلك انقساماً داخل الأسرة الحاكمة أو اضطراباً بالدولة. وهي رسالة سياسية بالغة الدلالة، مفادها أن الحكمة قد تتقدم على الأعراف وعندما يكون الامر امر الوطن فان الامانة تستوجب توفيق الموروث.
أما في السياسة الخارجية، فقد قدّم الأمير حمد بن خليفة درساً سيبقى حاضراً في أدبيات العلاقات الدولية: ان المألوف والمتعارف عليه من شروط المساحة والموقع الجغرافي والثقل السكاني وكثرة الموارد والايدلوجيا الصارخة وقوة التسلح، ليست وحدها الشروط الصلبة لتحديد المكانة والفاعلية السياسية، وإنما الأهم منها وضوح الرؤية ومرونة التعامل والثقة بالنفس. فالدول الصغيرة يمكن أن تصبح كبيرة التأثير إذا امتلكت الإرادة، وأحسنت توظيف مواردها، واستثمرت في الإنسان والإعلام والدبلوماسية والاقتصاد. وهكذا تحولت قطر، خلال سنوات قليلة، إلى لاعب إقليمي ودولي لا يمكن تجاوز حضوره في كثير من الملفات.
ولم يكتف الراحل بذلك، بل آمن بأن نهضة الأمة العربية والاسلامية تبدأ بالعقل قبل الثروة والفكر قبل السياسة والوعي قبل القوة الرادعة للشعوب. ففتح أبواب الدوحة لالتقاء المفكرين والعلماء وأصحاب الرأي، وشجع الحوار وصناعة المعرفة، ولم يتردد في استضافة تيارات فكرية وسياسية متعددة واحيانا متعارضة، رغم ما كان يحيط به من ضغوط إقليمية ودولية. كان يدرك أن الأمم التي تخشى الأفكار محكوم عليها التراجع، وأن الثقة بالنفس هي أساس الاستقلال الحقيقي.
واليوم، وبعد أن رحل، يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟
إن أفضل وفاء لإرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني امام ورثته، ليس الوقوف عند حدود الإنجازات الماضية، وإنما تعزيزها ومواصلة البناء عليها. فالدول العظيمة لا تتوقف عند نجاح واحد، بل تجعل من كل نجاح نقطة انطلاق لنجاح أكبر. ومن هنا تبدو الفرصة سانحة امام قطر لتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتعميق مبادئ الحكم الدستوري بما يرسخ الحقوق والحريات ويعزز الاستقرار، ويقدم نموذجاً عربياً حديثاً يجمع بين أصالة النظام السياسي ومتطلبات الدولة المعاصرة.
لقد رحل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، لكن القادة الحقيقيين لا تنتهي أدوارهم برحيلهم. فهم يتركون أفكاراً، ونماذج حية لا تموت، قبل تركهم للمناصب، ويصنعون مؤسسات راسخة أكبر من الأمجاداً الشخصية. والتاريخ لن يتذكر عدد السنوات التي حكم فيها القادة، بقدر ما سيتذكر امتلاك اؤلئك القادة لشجاعة اتخاذ قرارات غير مألوفة، وتركهم لإرث سياسي، قادر على إلهام شعوبهم بل وكل الشعوب الباحثة عن مستقبل أكثر قوة وثقة وفاعلية.