حين تختار الآلة الهدف.. معركة القرار والتنظيم في عصر الأسلحة الذاتية

حين تختار الآلة الهدف.. معركة القرار والتنظيم في عصر الأسلحة الذاتية

Loading

عندما يشغّل جندي سلاحًا ذاتيًا، لا يكون قد اختار بالضرورة الهدف الذي سيصيبه. فقد يحدّد منطقة العمل ومدة التشغيل ونوع الأهداف المسموح بمهاجمتها، ثم يترك للمستشعرات والبرمجيات مهمة البحث عن جسم يطابق مواصفات محددة سلفًا، وتصنيفه وتعقّبه وإطلاق النار عليه. وفي اللحظة الأخيرة، قد لا يكون أي إنسان قد رأى الهدف أو وافق على مهاجمته بصورة فردية.

هذه القدرة ليست مجرد خيال عن “روبوتات قاتلة”.

منذ سنوات، تستخدم الجيوش منظومات قادرة على اعتراض الصواريخ والمقذوفات آليًا، كما توظّف الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الاستطلاع ودعم عمليات تحديد الأهداف وترتيبها. وقد سبق أن دخلت الروبوتات والأنظمة القتالية الآلية ميادين عسكرية مختلفة. لكن المسألة تصبح أكثر حساسية عندما لا يقتصر دور النظام على مساعدة الإنسان في اتخاذ القرار، وإنما يصبح قادرًا، بعد تشغيله، على اختيار هدف ومهاجمته دون تدخل بشري إضافي.

كانت هذه المعضلة محور الدورة الثانية لعام 2026 لفريق الخبراء الحكوميين المعني بالتقنيات الناشئة في مجال أنظمة الأسلحة الفتاكة المستقلة، التي انعقدت في جنيف بين 31 أغسطس/ آب و4 سبتمبر/ أيلول 2026. وانتهت الدورة بتوافق على مجموعة من العناصر الأساسية المتعلقة بتعريف هذه الأسلحة واستخدامها، بما يمهّد للنقاشات المقبلة في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية، من دون أن يصل ذلك إلى اتفاق على صك قانوني ملزم.[1]



وهنا تحديدًا تكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف. فقبل انعقاد الدورة بأيام، جدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش دعوتهما إلى بدء مفاوضات عاجلة لاعتماد صك دولي ملزم قانونًا يتضمن محظورات وقيودًا واضحة على هذه الأسلحة، محذّرَين من أن العالم بات قريبًا على نحو خطير من تجاوز “خط أحمر أخلاقي” يتمثل في استهداف البشر ذاتيًا بواسطة الآلات.[2]

ويظهر ذلك أن المسافة بين التحذير والاتفاق لا تزال واسعة. فمنذ أكثر من عقد، تبحث الدول في عناصر صك محتمل دون أن تحسم حتى طبيعته القانونية. وخلف الصياغات الدبلوماسية خلاف عملي: هل يكفي أن يبرمج الإنسان السلاح ويحدّد له منطقة العمل، أم يجب أن يفهم الهدف المحدد والسياق المحيط به ويملك فرصة فعلية لمنع الضربة؟ 


أين تنتهي مساعدة الآلة وأين يبدأ تفويضها باتخاذ قرار القتل؟

متى يصبح السلاح ذاتيًا؟


تعرّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الأسلحة الذاتية بأنها منظومات تختار الأهداف وتستخدم القوة ضدها دون تدخل بشري بعد تفعيلها. فهي تستجيب للمعلومات التي تتلقاها من البيئة عبر أجهزة الاستشعار، استنادًا إلى “تصنيف عام للهدف”، دون أن يختار المستخدم بالضرورة الهدف المحدد أو يعرف مسبقًا التوقيت والموقع الدقيقين لاستخدام القوة. وترى اللجنة أن استخدام هذه المنظومات ينطوي على مخاطر ناجمة عن صعوبة توقع آثارها والحد منها.[3]

لكن ليست كل مسيّرة تطير دون قيادة مباشرة سلاحًا ذاتيًا. فقد تتبع مسارًا مبرمجًا وتحافظ على ارتفاعها، فيما يختار الإنسان الهدف ويصدر أمر الهجوم. هنا، تعمل الملاحة آليًا، لكن اختيار الهدف وإصدار أمر الهجوم يبقيان في يد الإنسان. لذلك لا تكمن المسألة في قدرة المنظومة على الحركة وحدها، وإنما في قدرتها على اختيار الهدف الذي ستهاجمه.

وينطبق الأمر نفسه على الذخائر التي تتعقب هدفًا بعد إطلاقها. فإذا اختار المشغّل دبابة بعينها، ثم وجّهت الذخيرة نفسها إليها، تكون الآلة قد تولّت الوصول إلى الهدف لا اختياره. أما إذا أُرسلت للبحث داخل منطقة عن جسم تنطبق عليه مواصفات دبابة معادية ثم مهاجمته، فهي تشارك في اختيار الهدف.

ويميّز توجيه وزارة الدفاع الأميركية بشأن الاستقلالية في أنظمة السلاح بين الحالتين: فالمنظومة “شبه الذاتية” تشتبك مع أهداف محددة سبق أن اختارها الإنسان، حتى لو تولّت بعد ذلك تعقبها أو توجيه نفسها إليها، بينما يستطيع السلاح الذاتي، بعد تشغيله، اختيار الأهداف والاشتباك معها دون تدخل إضافي من المشغّل.[4]



الملاحة الآلية: الآلة تتحكم بالحركة لكن الإنسان يختار الهدف.
دعم القرار: الآلة تحلل وتقترح لكن الإنسان يقرر الضربة.
السلاح الذاتي: الآلة تختار وتشتبك

ولا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن السلاح أصبح ذاتيًا بالضرورة. فقد يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات أو اقتراح أهداف، فيما يبقى قرار الضرب في يد الإنسان. وفي المقابل، يمكن لمنظومة تعمل وفق قواعد مبرمجة سلفًا، من دون تعلّم آلي، أن تختار هدفًا وتشتبك معه. ولهذا تميّز دراسة لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” بين أنظمة دعم القرار التي تساعد الإنسان في عملية الاستهداف، والأسلحة الذاتية التي تنفّذ وظائف اختيار الهدف والاشتباك معه.[5]

عمليًا، تعتمد هذه الأنظمة على مستشعرات تجمع معلومات عن البيئة المحيطة وبرمجيات تعالجها للتعرّف إلى أجسام أو خصائص ومقارنتها بمعايير محددة مسبقًا. وقد يقع الخطأ بسبب بيانات غير دقيقة أو تشويش أو أهداف مخادعة، أو نتيجة العمل في بيئة تختلف عن ظروف التصميم والاختبار. ويشير التوجيه الأميركي إلى مخاطر الأعطال وأخطاء البرمجة والتشويش والخداع وغيرها من الظروف غير المتوقعة، فيما تلفت دراسة “سيبري” إلى أهمية جودة البيانات والظروف التي تعمل فيها الأنظمة.

والأهم أن نجاح النظام في التعرّف إلى مركبة لا يعني، بحد ذاته، أن هذه المركبة هدف عسكري مشروع في تلك اللحظة. فالتعرّف إلى الجسم مسألة تقنية، أما مشروعية ضربه فتعتمد على السياق المحيط به وعلى القواعد التي تحكم الهجوم.


الموجود في الحروب وحدود ما نعرفه


لا يبدأ تاريخ هذه القدرات مع المسيّرات الحديثة. فإلى جانب أنظمة الدفاع على السفن، تقدّم ذخيرة “هاربي” الإسرائيلية مثالًا مبكرًا على البحث الذاتي عن فئة محددة من الأهداف. فبحسب الشركة المصنّعة IAI، تستطيع الذخيرة، بعد إطلاقها، البحث ذاتيًا عن بواعث الرادار وتحديدها ومهاجمتها، دون الحاجة إلى معرفة موقع الهدف مسبقًا، وتصف الشركة النظام بأنه “ذاتي بالكامل”.[6] غير أن هذه المواصفات تفيد في فهم وظيفة النظام، لكنها تبقى وصفًا صادرًا عن المصنّع، وليست دليلًا مستقلًا على ظروف كل استخدام قتالي.



نظام ذخيرة جوالة من طراز FV-014 يجمع بين قدرات الاستطلاع والهجوم، خلال معرض للأنظمة الذاتية والروبوتات في دوسلدورف بألمانيا، في 26 مارس 2026 – غيتي


وفي أوكرانيا، يبيّن نظام LITAVR كيف يمكن أن تتوزع الأدوار بين الإنسان والآلة داخل السلاح نفسه. فبحسب وزارة الدفاع الأوكرانية، تتمتع المسيّرة بتحكم عن بُعد ونظام توجيه نهائي آلي يتعرّف إلى الهدف ويوجّه المسيّرة نحوه في المرحلة الأخيرة من الرحلة. وخلال هذه المرحلة، يتحكم المشغّل بالسرعة فقط، بينما تُنفّذ الوظائف الأخرى آليًا.[7] إلا أن هذا الوصف لقدرة محددة لا يكفي بمفرده لإثبات أن المسيّرة تختار بصورة مستقلة أي هدف ينبغي مهاجمته.

وتأتي هذه التطورات ضمن توسع أوسع في استخدام المسيّرات والأنظمة غير المأهولة في حرب أوكرانيا.

أما في غزة فتظهر منطقة أكثر ضبابية بين القرار البشري والأتمتة. ففي تحقيق نشرته مجلتا +972 وLocal Call في أبريل/ نيسان 2024، أفادت شهادات ستة ضباط استخبارات إسرائيليين بأن نظام “لافندر” للذكاء الاصطناعي استُخدم لتصنيف الفلسطينيين وفق احتمال انتمائهم إلى الجناحين العسكريين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ووصل عدد من رشّحهم أهدافًا محتملة إلى نحو 37 ألفًا.

وبحسب التحقيق، سمح الجيش الإسرائيلي بالاعتماد على مخرجات النظام على نطاق واسع، رغم أن اختبارًا داخليًا أظهر نسبة أخطاء تقارب 10%، فيما قال أحد الضباط إن التدقيق البشري كان يستغرق في بعض الحالات نحو 20 ثانية للشخص ويقتصر أساسًا على التحقق من أنه رجل.[8]

غير أن ذلك لا يجعل “لافندر” سلاحًا ذاتيًا بالمعنى التقني. فحتى وفق رواية التحقيق، لم يكن النظام نفسه سلاحًا ينفّذ الضربة، وبقي تدخل بشري في سلسلة الاستهداف. لكنه يطرح سؤالًا مختلفًا: ما جدوى هذا التدخل إذا اقتصر على ثوانٍ من التدقيق قبل المضي في استهداف شخص رشّحته الآلة؟



في المقابل، تبقى حدود ما يمكن تأكيده علنًا مهمة. ففي إحاطة أممية في 25 أغسطس 2026، أشار لوران جيزيل، رئيس وحدة الأسلحة وسير الأعمال العدائية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى غياب أي أدلة مؤكدة حتى الآن على استخدام أسلحة ذاتية بالكامل لاستهداف البشر، لكنه أضاف أن هذا هو “المسار المرصود” في تطور هذه الأسلحة.

وشدد في الوقت نفسه على أن الأسلحة ذات الوظائف الذاتية ليست افتراضية أو مستقبلية بالكامل، إذ تُستخدم منذ زمن، ومنها أنظمة دفاع على السفن، وقد تسببت بالفعل في سقوط قتلى. كما لفت إلى أن بعض الأسلحة يمكن تشغيلها إما عن بُعد وإما بصورة ذاتية، ما يزيد صعوبة تصنيفها.[9]

ووفق جيزيل، يكمن القلق في الاتجاه الذي تتطور نحوه هذه الأنظمة، مع تراجع السيطرة البشرية على استخدام القوة، خصوصًا في البيئات المعقدة. ولذلك تدعو اللجنة إلى حظر الأسلحة الذاتية غير القابلة للتنبؤ وتلك المصممة لاستهداف البشر، وفرض قيود على الأنواع الأخرى تشمل نطاق استخدامها الجغرافي والزمني ومستوى القوة التي يمكن أن تستخدمها.

وبالتالي، فإن غياب دليل مؤكد على استخدام سلاح ذاتي بالكامل لاستهداف البشر لا يعني غياب هذه التقنيات عن ساحات القتال، وإنما يعكس الحد الفاصل بين ما هو مستخدم بالفعل وما أمكن إثباته علنًا حتى الآن.


إنسان داخل الحلقة… ولكن بأي سلطة؟


لشرح موقع الإنسان في سلسلة القرار بين اختيار الهدف واستخدام القوة ضده، تُستخدم عادةً ثلاثة تعبيرات: “الإنسان داخل الحلقة” (human in the loop)، حين يتطلب الاشتباك قرارًا أو موافقة بشرية؛ و”الإنسان على الحلقة” (human on the loop)، حين يستطيع النظام اختيار الهدف والاشتباك معه ذاتيًا لكن تحت إشراف شخص يمكنه التدخل؛ و”الإنسان خارج الحلقة” (human out of the loop)، حين يعمل النظام بعد تفعيله دون تدخل بشري إضافي في اختيار الهدف والاشتباك معه.

ولا يستخدم التوجيه الأميركي بشأن الاستقلالية في أنظمة الأسلحة هذه المصطلحات نفسها، إلا أنه يميّز بطريقة قريبة بين الأنظمة شبه الذاتية والأسلحة الذاتية الخاضعة لإشراف المشغّل والأسلحة الذاتية عمومًا.[10]



الإنسان داخل الحلقة.. لا اشتباك من دون موافقته
الإنسان على الحلقة.. الآلة تعمل ويمكنه التدخل
الإنسان خارج الحلقة.. بعد التفعيل لا يلزم تدخل إضافي

لكن وجود شخص أمام شاشة لا يخبرنا كم يفهم أو كم يملك من الوقت للاعتراض. فقد يوافق على توصية لأنه يثق بالبرنامج، أو لأن طريقة عرض المعلومات لا تساعده على تقييمها نقديًا، أو لأن سرعة العمل تجعل المراجعة إجراءً شكليًا.

ويُعرف أحد مخاطر ذلك بـ”الانحياز للأتمتة“،[11] أي ميل المستخدم إلى الإفراط في الثقة بالتوصيات أو المخرجات التي تنتجها الآلة، خصوصًا في ظروف الضغط أو ضيق الوقت. وتحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تناولها للذكاء الاصطناعي العسكري من أن أنظمة دعم القرار قد تزيد خطر الاعتماد المفرط على مخرجاتها.

وبالتالي، قد يبقى الإنسان حاضرًا في الحلقة تقنيًا، فيما يضعف حكمه المستقل عمليًا. لذلك لا تُقاس السيطرة البشرية بمجرد وجود مشغّل أمام الشاشة أو زر يمكنه الضغط عليه، وإنما بقدرته الفعلية على فهم حدود النظام والإشراف عليه والتدخل في الوقت المناسب. فإمكانية إلغاء الهجوم لا توفر سيطرة فعلية إذا وصلت المعلومات بعد فوات فرصة التدخل.



جندي أميركي يشغّل محاكاة لمنظومة ذخيرة جوالة خلال تدريبات عسكرية في ألمانيا في فبراير 2025 – غيتي


وعليه، تقترح اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالنسبة إلى الأسلحة الذاتية التي لا تطالب بحظرها، تقييد أنواع الأهداف ومدة الاستخدام ونطاقه الجغرافي وحجمه والظروف التي يمكن تشغيلها فيها، مع ضمان الإشراف البشري الفعّال وإمكانية التدخل أو التعطيل في الوقت المناسب.

وتهدف هذه القيود، من بين أمور أخرى، إلى إبقاء الحكم والسيطرة البشريين ممكنين بالنسبة إلى الهجوم المحدد.[12]


من يُحاسَب عندما تخطئ الآلة؟


لا تعمل الأسلحة الذاتية في فراغ قانوني. فقد أكدت المبادئ التوجيهية التي أقرها فريق الخبراء الحكوميين عام 2019 استمرار انطباق القانون الدولي الإنساني، وأن التزاماته تقع على الدول وأطراف النزاع والأفراد، لا على الآلات، وأن المسؤولية البشرية عن استخدام هذه الأنظمة يجب أن تبقى قائمة.[13]

لكن الاتفاق على المبدأ أسهل من تحديد المسؤول عن واقعة تتداخل فيها قرارات التصميم والاختبار والتشغيل.

ينبغي أولًا الفصل بين مسؤولية الدولة والمسؤولية الجنائية الفردية. فالدولة قد تتحمل مسؤولية انتهاك التزاماتها عندما يُنسب إليها الفعل أو الامتناع، ولا تتخلص منها بمجرد إسناد وظيفة إلى برنامج. أما إدانة شخص بجريمة حرب فتتطلب إثبات أركان الجريمة ودوره فيها، وما يلزم من قصد أو علم بحسب القانون المطبق.

ولهذا لا تعني كل إصابة مدنية، تلقائيًا، ثبوت جريمة حرب على المشغّل أو القائد.[14] ويبحث تقرير متخصص لـ”سيبري” في كيفية توزيع المسؤولية بين الدولة والأفراد عند استخدام أنظمة ذاتية.



وقد تشمل دائرة التحقيق المطورين وغيرهم ممن ساهموا في تصميم النظام وبرمجته، لكن المشاركة في تطوير السلاح لا تجعل صاحبها مسؤولًا جنائيًا عن كل استخدام لاحق له. فالمسؤولية تتوقف على طبيعة مساهمته وتوافر الشروط القانونية اللازمة، بما فيها القصد أو العلم بحسب الحالة.

كذلك لا يُعامل السلاح ببساطة كجندي تابع، فمسؤولية القائد عن أوامره وقراراته تختلف عن شروط مسؤوليته عن جرائم مرؤوسيه البشر.[15]

وتكمن صعوبة إضافية في إعادة بناء ما حصل وتحديد القرارات البشرية والتقنية التي قادت إليه. فدراسة “سيبري” تشير إلى أن تعدد المتدخلين في تطوير الأسلحة الذاتية واستخدامها قد يصعّب تتبع الأفعال وإسناد المسؤولية، فيما قد تساعد السجلات الرقمية وآليات التدقيق في تتبع سلوك أشخاص محددين داخل عملية اتخاذ القرار.[16]

لذلك تبقى “فجوة المساءلة” إشكالية محتملة ينبغي منعها، لا حصانة قانونية تمنحها الآلة لمستخدمها.



الدولة.. هل خالفت التزامًا قانونيًا؟
القائد أو المشغّل.. ماذا عرف؟ وماذا قرر؟
المطور.. ما طبيعة مساهمته وما الذي كان يعلمه؟

كما أن الوقاية تبدأ قبل المعركة، إذ إن المادة 36 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تلزم الدول الأطراف، عند دراسة سلاح أو وسيلة أو أسلوب جديد للحرب، أو تطويره أو اقتنائه أو اعتماده، بتحديد ما إذا كان استخدامه محظورًا، في بعض الظروف أو جميعها، بموجب البروتوكول أو أي قاعدة أخرى من القانون الدولي تنطبق على الدولة.[17]

وتعدّ اللجنة المراجعة القانونية للأسلحة أداة أساسية لضمان قدرة القوات المسلحة على خوض الأعمال العدائية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية للدولة.[18]

وتطرح الأسلحة الذاتية تحديًا إضافيًا أمام هذه المراجعة. فبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ينبغي أن يكون النظام مفهومًا وقابلًا للتنبؤ والتفسير بالقدر الذي يسمح للمراجِع بتوقع طريقة عمله وتقييم توافق استخدامه المتوقع مع القانون.

كما تؤكد اللجنة ضرورة إجراء مراجعة جديدة إذا عُدل السلاح بطريقة تغيّر وظائفه أو تؤثر في آثاره، بما في ذلك، في حالة الأسلحة الذاتية، تغييرات في برمجيات التعلم الآلي تؤثر في وظائف اختيار الأهداف أو الاشتباك معها.[19]

ولا يقتصر الاختبار القانوني على قدرة السلاح على التمييز بين هدف عسكري ومدني. فحتى عندما يكون الهدف عسكريًا، يجب تقدير الضرر العرضي المتوقع على المدنيين والأعيان المدنية ومقارنته بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، إلى جانب اتخاذ الاحتياطات الممكنة في الهجوم.[20]

ولذلك، فإن إصابة الهدف بدقة لا تجعل الهجوم مشروعًا تلقائيًا؛ فالسؤال القانوني يتناول أيضًا قرار الهجوم والظروف والآثار المتوقعة، لا مجرد قدرة السلاح على إصابة نقطة معينة.



محطة قيادة وتحكم بالمسيّرات وشاشات وواجهة تشغيل في معرض للأنظمة الذاتية بلندن – غيتي

 


الخلاف على ما يجب أن يبقى بشريًا


ظهر هذا الخلاف بوضوح في الجولة الأخيرة من مفاوضات فريق الخبراء الحكوميين في جنيف. ففي جلسة 1 سبتمبر 2026، لم يكن النقاش يدور حول ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني بقدر ما كان حول كيفية ترجمة المسؤولية والسيطرة البشريتين إلى قواعد تحكم عمل الأسلحة الذاتية.

فالولايات المتحدة الأميركية لم تعترض على أهمية السيطرة والحكم البشريين، لكنها رفضت التعامل معهما كمعيار قانوني مستقل. واعتبر وفدها أنهما وسيلتان لتنفيذ القواعد القائمة أصلًا، مثل التمييز والتناسب والاحتياطات في الهجوم، وأنه لا ينبغي اشتقاق مجموعة إلزامية من التدابير منهما.[21]

وبذلك يظهر أحد خطوط الخلاف الأساسية: هل ينبغي تحديد ضمانات مشتركة لكيفية إبقاء الإنسان مسيطرًا على استخدام القوة، أم ترك مساحة للدول لاختيار التدابير التي تراها مناسبة لتنفيذ التزاماتها القانونية؟

لكن الخلاف يبدأ حتى قبل الوصول إلى مقدار السيطرة البشرية المطلوبة، عند تحديد الأسلحة التي ستنطبق عليها القواعد أصلًا. ففي الجلسة نفسها، حذّرت البرازيل من استبعاد نظام من تعريف الأسلحة الذاتية لمجرد أن إنسانًا حدد هدفًا معينًا مسبقًا، إذا كانت ظروف الهجوم اللاحقة مجهولة أو غير قابلة للتنبؤ بالنسبة إلى المشغّل.

في المقابل، اعترضت الصين على جعل عدم معرفة اللحظة الدقيقة للاشتباك معيارًا حاسمًا، معتبرة أن ذلك قد يوسّع التعريف ليشمل أسلحة لا تعدّها ذاتية.[22]

هنا تصبح معركة التعريف جزءًا من معركة التنظيم نفسها: فكلما اتسع تعريف السلاح الذاتي، اتسعت الأنظمة التي يمكن أن تشملها القيود المتفاوض عليها، وكلما ضاق، بقيت أنظمة أكثر خارج نطاقها.

جنيف 2026: هل تبدأ مفاوضات صك دولي جديد؟


بدأت مناقشات الأسلحة الذاتية في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية عام 2014، وأُنشئ فريق الخبراء الحكوميين عام 2017. وبعد أكثر من عقد من النقاش، لم تنتج العملية معاهدة ملزمة.

لكن عام 2026 حمل تقدمًا في صياغة أرضية مشتركة، إذ تناول مشروع تقرير الفريق الأنظمة التي ستشملها القواعد، والمحظورات المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، وتدابير السيطرة البشرية والاختبار والتقييم.[23]

ومع ذلك، يبقى ما أُنجز أساسًا محتملًا للتفاوض، لا معاهدة أو اتفاقًا نهائيًا على قواعد ملزمة.



2014: بدء النقاشات في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية
2017: إنشاء فريق الخبراء الحكوميين
2026: توافق على عناصر أساسية للتعريف والاستخدام
نوفمبر 2026: مؤتمر المراجعة السابع: هل تبدأ مرحلة التفاوض؟

وتنتقل الكرة الآن إلى مؤتمر مراجعة الاتفاقية السابع، المقرر بين 16 و20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026. وتدعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في ورقة العمل التي قدمتها قبل دورة جنيف الأخيرة، إلى استخدام ما أُنجز لمنح ولاية بالتفاوض على صك ملزم في 2027.[24]

لذلك لن يكون الاختبار في نوفمبر اكتمال معاهدة، وإنما ما إذا كانت الدول ستنتقل أخيرًا من مناقشة قواعد الأسلحة الذاتية إلى التفاوض عليها.


الإنسان قد يبقى حاضرًا في تصميم السلاح وتفعيله، ثم يغيب عن القرار المحدد الذي ينهي حياة شخص. والحدود المنتظرة يجب أن تجعل حضوره قابلًا للفحص: ماذا فهم؟ ماذا أجاز؟ وما الذي استطاع منعه؟


عندها فقط يمكن معرفة من اختار استخدام القوة ومحاسبته على اختياره.

المراجع

[1] Rappresentanza Permanente d’Italia presso la Conferenza del Disarmo, The 128 States Parties to the Convention on Certain Conventional Weapons (CCW) Have Agreed on the Basic Elements for Defining Lethal Autonomous Weapons and Their Use, September 2026.
[2] International Committee of the Red Cross (ICRC), Renewed Call from UN Secretary-General and ICRC President to Adopt Rules on Autonomous Weapon Systems, August 2026.
[3] International Committee of the Red Cross (ICRC), ICRC Position on Autonomous Weapon Systems, May 2021.
[4] U.S. Department of Defense, DoD Directive 3000.09: Autonomy in Weapon Systems, January 2023.
[5] Alexander Blanchard and Laura Bruun, Autonomous Weapon Systems and AI-Enabled Decision Support Systems in Military Targeting: A Comparison and Recommended Policy Responses, Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), June 2025.
[6] Israel Aerospace Industries (IAI), HARPY: Anti-Radiation Loitering Munition, accessed September 2026.
[7] Ministry of Defence of Ukraine, Intercepting Targets at 350 km/h: F-Drones’ Ukrainian LITAVR Counter-Drone, June 2026.
[8] Yuval Abraham, ‘Lavender’: The AI Machine Directing Israel’s Bombing Spree in Gaza, +972 Magazine, April 2024.
[9] United Nations Office at Geneva (UNOG), UN Geneva Press Briefing – 25 August 2026, August 2026.
[10] U.S. Department of Defense, DoD Directive 3000.09: Autonomy in Weapon Systems, January 2023.
[11] International Committee of the Red Cross (ICRC), Frequently Asked Questions: Artificial Intelligence (AI) in the Military Domain, June 2026.
[12] International Committee of the Red Cross (ICRC), ICRC Position on Autonomous Weapon Systems, May 2021.
[13] Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, Report of the 2019 Session of the Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, CCW/GGE.1/2019/3, September 2019.
[14] Marta Bo, Laura Bruun and Vincent Boulanin, Retaining Human Responsibility in the Development and Use of Autonomous Weapon Systems: On Accountability for Violations of International Humanitarian Law Involving AWS, Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), October 2022.
[15] Marta Bo, Laura Bruun and Vincent Boulanin, Retaining Human Responsibility in the Development and Use of Autonomous Weapon Systems: On Accountability for Violations of International Humanitarian Law Involving AWS, Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), October 2022.
[16] Marta Bo, Laura Bruun and Vincent Boulanin, Retaining Human Responsibility in the Development and Use of Autonomous Weapon Systems: On Accountability for Violations of International Humanitarian Law Involving AWS, Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), October 2022.
[17] International Committee of the Red Cross (ICRC), A Guide to the Legal Review of New Weapons, Means and Methods of Warfare: Measures to Implement Article 36 of Additional Protocol I of 1977, January 2006.
[18] International Committee of the Red Cross (ICRC), Review of New Weapons, November 2011.
[19] International Committee of the Red Cross (ICRC), Autonomous Weapon Systems and International Humanitarian Law: Selected Issues, Position Paper, 2025.
[20] International Committee of the Red Cross (ICRC), Autonomous Weapon Systems and International Humanitarian Law: Selected Issues, Position Paper, 2025.
[21] United Nations, Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, 2026 Session, Meeting Transcript, Geneva, 1 September 2026.
[22] United Nations, Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, 2026 Session, Meeting Transcript, Geneva, 1 September 2026.
[23] Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, Report of the 2024–2025–2026 Sessions of the Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, CCW/GGE.1/2026/CRP.1, Geneva, July 2026.
[24] International Committee of the Red Cross (ICRC), Working Paper Submitted to the CCW Group of Governmental Experts on Emerging Technologies in the Area of Lethal Autonomous Weapons Systems, August 2026.